عيناه الصغيرتان شاردتان، ووجهه كتلة من غضب وهو جالس فوق تلك الصخرة التي تدحرجت من فوق الجبل إلى جانب شجرة غطتها بظلالها على ضفة الطريق الملتوية .كلما سمع صوت سيارة أو شاحنة عابرة من بعيد التفت فجأة وكأنه استيقظ مفزوعا .يقف وبيديه النحيلتين يلوح بشدة راجيا وقوفها.
لاجدوى من التلويح، لم يأبه به أحد، رجع إلى مكانه، لكن هذه المرة مستلقيا يتوسد حقيبته، والنوم يداعب أجفانه.
لم يشأ النوم فأخرج من حقيبته البالية كتابا، لم يقرأ فيه إلا بضعة أسطر فوضعه ساخطا، رفع عينيه إلى السماء راجيا الله سبحانه أن يخرجه من محنته التي رمته الأقدار إليها.
بعد برهة من الشرود سمع صوت شاحنة ثم التفت فتراءت له من بعيد على طول الطريق الضيقة التي يندر بها مرور السيارات، وقف ولوح بشدة ، مرت الشاحنة ثم توقفت بعد أن كاد يرجع إلى مكانه، ظهرت على وجهه ارتسامة فرح خفيفة ، جرى نحو الشاحنة ثم فتح بابها وصعد، تحركت الشاحنة، بادر صاحبها بالتحية، ردها عليه وقال:
ـ أراك متعبا إلى أين أنت ذاهب يا.......?
ـ محمد،وأود أن تأخذني في طريقك إلى دوار" أولاد عَمّارَة"
ـ سنصل إليه بعد نصف ساعة ان شاء الله.
عمَّ صمت لم يخدشه إلاهدير المحرك. أخرج السائق سيجارة قد اعوجت في جيبه، وضعها بين شفتيه وأشعلها في صمت.
فتح محمد عينيه بعد غفوة خفيفة، أوقف السائق الشاحنة بعد أن كاد يطلب منه ذلك.
نزل وبيده حقيبته، مشى فوق طريق صاعدة بعض الشيء. تكسوها رمال وحجارة قد تآكل حذاؤه البالي من كثرة المشي عليها .الشمس العمودية حارقة، بدأ يلهث فبيته يوجد بأعلى الهضبة بالقرب من بعض المنازل المعدودة ومسجد صغير.
فراغ، وصمت غريب إلا بعض النباح الذي يسمع من بعيد.سمع آذان الظهر وهو يفتح باب غرفته الخشبي. دخل.
استلقى فوق حصيرته المتآكلة دون أن ينزع حذاءه، أحس بتعب شديد، تذكر بعض الأوقات التي قضاها إلى جانب والديه وخطيبته .بنت الجيران التي حالت ظروفه المادية دون زواجه بها.
بعد برهة نظر في ساعته. لقد حان الوقت للذهاب.لملم بعض الأوراق في محفظته الصغيرة ثم خرج. هرول وسط تلك الأعشاب الشوكية التي تراكمت على جانبي الطريق الرملي.
فتح الباب ودخل .
دخلوا وراءه وصياحهم يتعالى .
أمرم بالجلوس والسكوت بصوت يعبر عن تعب وغضب شديدين.
كتب تاريخ اليوم بعد أن وضع محفظته فوق المكتب المغبر.
هلالي