الدم المغدور !
الثلاثاء 13 يناير 2009
إسمهما معا
زينب المختاري ومصطفى المعروفي. سنهما معا لايتجاوز الثامنة، التي بدآها بالكاد منذ أيام قليلة مع مطلع سنة 2009 الحزينة.
صفهما الدراسي معا هو الثاني الابتدائي، أو الابتدائي الأول مثلما كان يسميه القدامى. عمرهما القادم معا لايوجد، فقد ماتا معا يوم الخميس الفارط في العاشرة صباحا تحت سقف أرادت له إرادة الإهمال أن يسقط على رأسيهما الصغيرين، داخل حجرة الدرس
بجماعة وكسان في مكان ما هناك في الريف العصي على التوصيف، مثلما شاءت لهما الإرادة ذاتها أن تكون تلك هي النهاية بكل غباء، بكل بلادة، وبكل تجبر واستكبار. لاأعرف إن كان لدى المسؤولين في وطني أبناء في مثل هذاالسن، من مواليد سنة 2001 بالتحديد. لاأعرف مقدار حب مسؤولي وطني لأبنائهم وهم في هذه السن، ولاأعرف إن كان مسؤولو وطني سيتحملون فعلا في يوم من الأيام أن يصيب أبناءهم مكروه مثل هذا الذي مس الصغيرة زينب، والصغير مصطفى. لكنني أعرف جيدا أن دم الفقراء المهدور في هذا الوطن المنكوب سيعلق برقاب العديدين، ولن يذهب هكذا معلقا على مشجب البيانات المكتوبة باللغة الخشبية الميتة، وأعرف جيدا أو هكذا علمنا الآباء والأجداد منذ القديم أن الروح عزيزة عند الله، وأنها وإن كانت تبدو رخيصة لمسؤولي هذا الوطن، خصوصا إذا كانت روح فقراء فقط، فإن ذنوبها موجودة، وأنا في هذه المسألة أتحول إلى أكبر مؤمن بالغيبيات في العالم، وأقتنع من كل جوارحي بأن هذا الدم المغدور لايمكن أن يذهب هكذا. ومع ذلك دعونا نتغابى مع مسؤولي هذا البلد، ودعونا نطرح عليهم الأسئلة التي يروق لهم أن يجيبوا عنها في البرلمان كل ثلاثاء وأربعاء وهم فرحون: هل يعقل في مغرب القرن الواحد والعشرين أن ينزل سقف حجرة دراسية على رؤوس الأطفال دون زلزال ودون أمطار ودون قذائف صاروخية ودون أي شيء على الإطلاق؟ هل يعقل في مغرب القرن الواحد والعشرين، أن ترسل أم إبنتها أو إبنها في الصبح إلى المدرسة، وأن يأتيها الخبر الفاجع في العاشرة يخبرها بكل بساطة أن السقف سقط على رأس إبنتها أو إبنها وأنه أو أنها مات أو ماتت؟ هل يعقل أن نصدق هنا أننا نتوفر على شيء إسمه حكومة ووزارات مسؤولة، وضمنها وزارة للتربية والتعليم؟ هل يعقل أن نصدق ونحن نسمع مثل هذه الأخبار أننا نتوفر على شيء إسمه مسؤولون حتى؟ عذرا، لكنني شخصيا لاأستطيع التصديق. قد أبتلع تلك الحكاية السخيفة التي تقول إن البرد في أنفكو وتونفيت وغيرهما قاس جدا، وهو سبب وفيات الأطفال هناك. قد أمرر هذه الكذبة بصعوبة وأساعد حلقي على تجرعها «بجغيمة دلما»، وإن كنت أعرف أن بردا أقسى من ذلك الذي تعيشه أنفكو لم يقتل في يوم من الأيام أبناء من يذهبون إلى هناك من أجل التزلج فقط والذين يتوفرون على كل لباس الكون للحماية من البرد ومن كل أعراضه القاسية. وقد أفهم أو أحاول أو أقنع نفسي بأنني أفهم بأن عقب سيجارة ألقاه أرضا عامل مهمل قد أشعل النيران في معمل في ليساسفة ذات مصاب جلل، وقد أكذب على ذاتي وأنا أقول لها إن الأمر ممكن، وأن عقب السيجارة قادر على «صنع العجب»، وإشعال النيران في الغابات بهكتاراتها الكثيرة، وليس في معمل واحد فقط، وأن رب المعمل الذي أقفل على الفقراء من أبناء وطني داخل ذلك السجن هو رجل يحب الخير فقط لمقاولته المتوسطة، ويريد للعمال معه أن ينتجوا دون أن يخرجوا أبدا من هناك إلى أن يأذن لهم. وقد أفهم أيضا أو قد أمثل دور من يفهم أن مرضا مثل الكورساكوف هو مرض يمنح صاحبه ترف إطلاق النار على الفقراء وقتلهم في الشوارع، وأن أولى أعراضه وأهمها هي هذه، وقد أكذب على نفسي ثانية وأضبطها وهي تخادعني لكني أصدق حين تريد أن تقنعني بأن أفضل شيء يمكن أن أقوم به في مثل هذه الحالة هو الدعاء مع مصاب الكورساكوف بالشفاء العاجل، وحمد الله لأنه عافاني مما ابتلاه به، وترديد عبارة «الله يستر وصافي» في سري. قد أفهم كل هذا ويزيد، وقد أرى أبناء شعبي الفقراء يموتون يوميا بسبب غياب شيء إسمه المسؤولية، وغياب أشياء إسمها المسؤولين، وأبتلعها وأسكت، لكنني أبدا لاأستطيع أن أفهم أي مبرر يساق لي في شرح هذ الجريمة التي قتلت صغيرين في سن الثامنة داخل حجرة درسهما لاأستطيع وأتمنى أن لايستطيع مسؤولونا أيضا - إذا كان لدينا مسؤولون طبعا - فهم ذلك، مثلما أتمنى من قرارة قلبي أن يزورهم شبح الصغيرين كل ليلة في المنام لكي يسألهم عن جنايتهم هاته التي أودت بحياة الطفلين داخل مدرسة تحمل للمصادفة الماكرة، وإمعانا في التندر والسخرية منا جميعا إسم عمر بن عبد العزيز. كان رجلا عادلا يقال والله أعلم، بل لقب بخامس الخلفاء الراشدين، وكان يكره الظلم، ولم تشغله عبادة ربه عن عباد ربه وشؤونهم اليومية، وكان ميالا لعيش حياة الفقراء منذ أن تولى أمر المسلمين، وكان لايرحم واليا رأى أنه ظلم أبناء أمته، وكان شديدا على الأقوياء رفيقا بالضعفاء، بل كان رفيقا بالحيوان قبل العجوز المتصابية بريجيت باردو بزمن طويل فأصدر أمرا إلى صاحب السكة أن لايحملوا حيوانا بلجام ثقيل ولاينخس بمقرعة في أسفلها حديدة، وحذر أهل مصر في كتابه إلى حيان من أن يحملوا على البعير أكثر من ستمائة رطل، ثم جاء عليه زمن أصبح إسمه يطلق على مدرسة يهوي سقفها على رؤوس الصغار فيقتل منهم إثنين ويخرج لنا جميعا لسانه ويمضي. فأي هوان أكثر من هذا لإسم هذا الرجل العظيم؟ وأي عزاء يمكن أن نقوله لأسرتي زينب ومصطفى في هذا البلد الحزين بمسؤوليه غير المسؤولين أولا وقبل كل شيء. ملحوظة لاعلاقة لها بماسبق آسيدي مبروك الثالثة، والعقبى للرابعة والخامسة والسادسة والمليون إلى أن ننقرض نحن ولاتتعب من تحمل مسؤولياتك بكل هذا الفشل الذي يشهد لك به الأصدقاء قبل الأعداء. ألف ألف مبروك لعبيبيس، ولاحول ولاقوة إلا بمن خلق الأحزاب المغربية على هذه الشاكلة وأطلقها على هذا الشعب الأعزل المسكين.
الاحداث المغربية