وساد الظلام ..
انتبه إلى نفسه .. كان ملقى على ظهره بلا حراك، بصعوبة تبين المكان الذي يطبعه الكثير من الظلام ، بالكاد ينفذ ضوء طفيف من ثقب أعلى السقف المائل، تململ بجسده رافعا رأسه نحوه ، أحس بآلام تنخر فخديه حتى العظم.. لاح له شبح امرأة ممدة في سكون ، وجه يعلوه غبار ممزوج بذرات الاسمنت، أراد أن يصرخ فيها لتنهض لإسعافه ، ألفى حلقه جافا.. ذرات الغبار كقطع الزجاج كانت تلسع حلقومه..عدل عن رغبته بعد أن أحس باختناق يكاد يقطع عنه الأنفاس.. جاءته أصوات أقدام مختلطة من فوق ، همهمات لم يتبين معناها..
- هاهنا غار ! لقد تركتهم هنا قبل ساعتين.
بعد قليل ساد ظلام أكثر بعد أن أدخل أحدهم رأسه وجزءا من كتفه صائحا :
- أم علي ؟ أحمد ؟ أحمااااااااد ؟
نزل عليه النداء من السقف كالسهم.. تململ قليلا فتحركت جراحه فتأوه، عاد فاستكان رافعا سبابته إلى السماء..
شدوا وسطه بحبل غليظ ، انزلق برجليه أولا وهو يتكئ على حافتين حادتين بمرفقيه ، ببطء كان يدور كخدروف في الفضاء الصامت ، بدأ يتفرس بعينيه في كل ركن ، أخيرا حط كطائر هدّه التعب وسط أكوام من الإسمنت والحديد واللحم.. لا حياة إلا من أنفاس الرجل الممدود في أقصى الركـن المظلم .. سارع إلى فك عقدة الحبل ، هرع إليه ، سأل متلعثما من هول المفاجأة :
- أبي ؟ هل أنت ..مم تشكو يا أبتاه ؟
بصعوبة سمع همسا ضعيفا ، تنبه إليه يشير إلى رجليه . . ثم لجسدين علاهما الغبار وطواهما الصمت المطبق..انحدرت من عينيه عبرات ساخنة خطت خديه الغائرين .. بلغ أسماعه هدير *** بعيد ، كأفعى تتلوى رأى الحبل يتحرك لولبيا..
- هيا أسرع ! هات الأحياء أولا !
حار.. اختلطت أفكاره حتى لم يعد يشعر بوجوده ، أيبدأ بالأجساد المسجاة قبل أن تدفن تحت الأنقاض ؟ أم يبدأ بالجسد الذي لازال يتنفس قبل أن تنقطع الأنفاس ؟ التفت في رهبة الى المسكينة المنكفئة على الوجه ..انحل الشال وانتفش الشعر المخضب بالبياض ونقاط حمراء.. زوجته الحامل لا يظهر منها غير رجلين كعودين يابسين .. في الصباح الباكر فقط وضعت أمه حبات الزيتون مع كسرة خبز ، استنهضت همته وهي تصب الشاي،
- إن استطعت أن تنسف نفسك في حضرة قطيع من الخنازير فافعل ! وحوش ..أوغاد ..! أردفت صارخة.
تأملها ، كانت قسمات وجهها النحيل تقطر غضبا ..كلماتها كالنار كانت تخرج من فوهة بركان..
مسح بطن زوجته المنتفخ ببسمة لطيفة وعلق :
- حتى لو استشهد السلف ، فهناك دائما الخلف..
في الخارج بعد ساعات ، استغل الأوغاد إطلاق صاروخ بدائي وتائه بلا عنوان ، فأطلقوا صواريخهم المتطورة ..كانت طائراتهم كالصقور الكاسرة التي تبحث بعيونها الثاقبة عن الطيور مهيضة الجناح..نحى الذكريات جانبا بآهة حارقة اخترقت أصداؤها الجسد، سارع إلى جر الرجل برفق ، عقد عقدة في وسطه ثم حمله على كتفيه ، كان مستسلما كشاة مذبوحة ..أمسك عنق الحبل بيد وكتف أبيه بيد ه الأخرى ، تناهت إليه تأوهات ضعيفة ،همس في أذنه : صبرا أبي ، بعد قليل ستكون في المستشفى ..ستعالج ثم تعود إليك عافيتك.. سننهل من ذخيرة لسانك ما يجعل الفأر يهجم على القط الشرس.. عاد الهدير يخترق الفضاء بقوة ، كفـراخ رأت الحدأة تحلق فوقها ، ألصق الآخرون أجسادهم بقطع الاسمنت المشقق.. كانت العيون تدور في محاجرها..الأفئدة تنبض بقوة ..فجأة صك آذانهم دوي انفجار قوي ، وساد الظلام من جديد ..
زايد التجاني / بومية / ميدلت