قال الله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) سورة الرعد الآية12
01 - في الآية تغييران تغيير الله وتغيير القوم
وينبغي أن لا تفوتنا هذه الملاحظة. لأن نص الآية، على حسب قواعد الإعراب، أن فاعل التغيير الأول، المذكور في الآية، هو الله سبحانه وتعالى، وفاعل التغيير الثاني، هم القوم، أو المجتمع، وإن كانت القدرة التغييرية الثانية، هي هبة من الله تعالى للقوم وإقدار منه تعالى للمجتمع على ذلك.
02- إيجابية الإنسان في عملية التغيير
وعلينا أن لا ننسى هذا التوزيع في العملية التغييرية، لأنه كثيراً ما يغيب عنَّا ما يخص الإنسان من التغيير، ويختلط علينا الأمر ، وهذا الغموض ، يفقد الإنسان ميزته وإيجابيته في عملية التغيير .
وإن أي ظن، أو طمع، في أن يحدث الله هذا التغيير الذي جعله من خصوصياته – إلا وهو الجانب الذي يتعلق بما بالقوم وليس بما بالنفس –قبل أن يكون القوم هم بأنفسهم قاموا بتغيير ما بأنفسهم. إن هذا الظن ، والإغفال لهذه السنة الدقيقة المحكمة ، يبطل النتائج المترتبة على سنة هذه الآية.
03- الترتيب بين حدوث التغييرين
في الآية ترتيب بين حدوث التغييرين، والتغيير الذي ينبغي أن يحدث أولاً، هو التغيير الذي جعله الله مهمة القوم وواجبهم، بأقدار الله تعالى لهم على ذلك. وإن حدوث أي تهاون في الخلط بين التغييرين، وإدخال التغيير الذي يحدثه الله بالتغيير الذي يقوم به القوم، أو العكس ، يفقد الآية فعاليتها، وتضيع فائدة السنة الموجودة فيها.
04- التغيير الذي يخص الإنسان أولاً
والرجاء، بأن يحدث الله التغيير الذي يخصه، قبل أن يقوم القوم (المجتمع) بالتغيير الذي خصَّهم الله به، يكون – هذا النظر – مخالفاً لنص الآية، وبالتالي إبطالاً لمكانة الإنسان، وأمانته، ومسؤوليته، ولما منحه الله من مقام الخلافة على أرضه. لأن هذا التحديد في مجالات التغيير، وهذا الترتيب فيما ينبغي أن يحصل أولاً، وما يحدث تالياً، هو الذي يضع البشر أمام مسؤولية حوادث التاريخ. ومن هذه النافذة، يمكن إبصار أثر البشر، في أحداث التاريخ ومسؤوليتهم إزاءها.
وعلينا أن نؤكد هذه القواعد دون كلل أو ملل، لأن عدم الانتباه إليها فاشٍ بين الناس ، والذين ينتبهون إليها، لا يعطونها قدرها، فلابد من تذكرها دائماً وإعطائها قدرها، حتى يرتفع هذا الإدراك ويبلغ المستوى الذي لا يسمح بمرور الأفكار والكلمات ، التي تعودنا أن نسمعها أو نتحدث بها، إزاء تفسير أحداث التاريخ، برؤية الجانب الذي يحدثه الله، دون إدراك علاقته بالجانب الذي يخص القوم وأوليته أيضاً كما سنبينه فيما بعد. وعلينا أن نوقف هذا التيار – الذي يعم مختلف طبقات المجتمع ، في التفسير المتناقض لأحداث التاريخ – التيار الذي تّبْطُل معه مسؤولية البشر ، أو يجعلها غير بارزة ، أو يجعلها مستورة، بينما يبرز الجانب الذي يخص الله : « وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون » . النحل – 33.
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
05- المحاسبة في الدنيا جماعية، وفي الآخرة فردية
لا تتوجه الآية إلى المشكلة الأخروية والحساب الأخروي . وإنما تتوجه إلى المحاسبة الدنيوية الاجتماعية . ونحن ينبغي أن تكون لدينا القدرة على فهم هذا الموضوع على هذا الشكل . كما أن هذا ليس معناه أن نقلل من شأن الآخرة ، أو نهمل دخل الآخرة في الموضوع ولكن المقصود هو التنبيه إلى مجال السنن وحدودها . وأن مضمون هذه الآية في محاسبة الناس ، أو محاسبة المجتمع ، وتغيير ما بالمجتمع على أساس العمل الجماعي وفي الدنيا أيضاً . وأن التغيير المراد في الآية ، هو التغيير الذي يحدث في الدنيا .
وهذه الملاحظة ، تفيد أيضاً في تحديد الموضوع وتوضيحه ، وتساهم في إمكان فهم أعمق لآلية تغيير المجتمع . كما تبين أن المحاسبة في الدنيا جماعية ، ومحاسبة الآخرة فردية . أما كون المسؤولية في الآخرة فردية فالآيات التي تدل عليها كثيرة منها قوله تعالى : « ونرثه ما يقول ويأتينا فرداً » . مريم – 81 ، وقوله تعالى : « ألاَّ تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى وأنْ ليسَ للإنسانِ إلاَّ ما سعى وأنَّ سعيهُ يُرى » النجم – 40.
وأما المسؤولية الاجتماعية ، أي مؤاخذة المجتمع كله ، فكذلك واضح في قوله تعالى : « واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب » الأنفال – 25 .
فحين تنزل المصيبة على المجتمع المقصر فأنها تعم أفراداً لم يكونوا مقصرين ، وبالمقابل قد يسعد أفراد مقصرون في المجتمع السليم .
ويدل على هذا أيضاً حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لما سئل : « أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث » وهذا واضح في أن محاسبة المجتمع في الدنيا جماعية كما أن المصيبة تعم الجميع وكذلك النعمة . وينبغي أن يفهم ذلك في حدود المجتمع.
من كتاب :حتى يغيروا ما بأنفسهم