السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وجدت هذه القصة الرائعة في أحد المواقع و أحببت أن أشارك بها إخواني و أخواتي في المنتدى
> و إن شاء الله تعجبكم ^^
>
> هذه ثالث مرة أقرأها ولا أستطيع
> أن أتمالك نفسي من البكاء القصة
> جميلة جدا و مؤثرة أقراها بتمعن
> أقرأوها وتمعنوا فيها... أثابكم
> الله وقد ذكرها الشيخ خالد الراشد
> كثيرا... ويُاقال انها قصته
> الشخصية :
>
> لم أكن جاوزت الثلاثين حين أنجبت
> زوجتي أوّل أبنائلي.. ما زلت أذكر
> تلك الليلة ... بقيت إلى آخر الليل
> مع الشّلة في إحدى الاستراحات..
> كانت سهرة مليئة باللكلام الفارغ..
> بل بالغيبة والتعليقات المحرمة...
> كنت أنا الذي أتولى في الغالب
> إضحاكهم.. وغيبة الناس.. وهم يضحكون
> .
>
> أذكر ليلتها أنّي أضحكتهلم
> كثيراً.. كنت أمتلك موهبة عجيبة في
> التقليد .. بإمكاني تغيير نبرة
> صوتي حتى تصبح قريبة من الشخص الذي
> أسخر منه.. أجل كنت أسخر من هذا
> وذاك.. لم يسلم أحد منّي أحد حتى
> أصحابي.. صار بعض الناس يتجنّبني
> كي يسلم من لساني .
>
> أذكر أني تلك الليلة سخرت من أعمى
> رأيته يتسوّل في السّوق... والأدهى
> أنّي وضعت قدمي أمامه فتعثّر وسقط
> يتلفت برأسه لا يدري ما يقول..
> وانطلقت ضحكتي تدوي في السّوق ..
>
> عدت إلى بيتي متأخراً كالعادة..
> وجدت زوجتي في انتظاري.. كانت في
> حالة يرثى لها.. قالت بصوت متهدج:
> راشد.. أين كنتَ ؟
>
> قلت ساخراً: في المريخ.. عند
> أصحابي بالطبع ..
>
> كان الإعياء ظاهراً عليها.. قالت
> والعبرة تخنقها : راشد... أنا تعبة
> جداً .. الظاهر أن موعد ولادتي صار
> وشيكا ..
>
> سقطت دمعة صامته على خدها.. أحسست
> أنّي أهملت زوجتي.. كان المفروض أن
> أهتم بها وأقلّل من سهراتي .....
> خاصة أنّها في شهرها التاسع .
>
> حملتها إلى المستشفى بسرعة.. دخلت
> غرفة الولادة .. جعلت تقاسي الآلام
> ساعات طوال.. كنت أنتظر ولادتها
> بفارغ الصبر... تعسرت ولادتها ..
> فانتظرت طويلاً حتى تعبت.. فذهبت
> إلى البيت وتركت رقم هاتفي عندهم
> ليبشروني .
>
> بعد ساعة.. اتصلوا بي ليزفوا لي
> نبأ قدوم سالم ذهبت إلى المستشفى
> فوراً.. أول ما رأوني أسأل عن
> غرفتها.. طلبوا منّي مراجعة
> الطبيبة التي أشرفت على ولادة
> زوجتي ....
>
> صرختُ بهم: أيُّ طبيبة ؟! المهم أن
> أرى ابني سالم .
>
> قالوا، أولاً راجع الطبيبة ..
>
> دخلت على الطبيبة.. كلمتني عن
> المصائب .. والرضى بالأقدار ..... ثم
> قالت: ولدك به تشوه شديد في عينيه
> ويبدوا أنه فاقد البصر !!
>
> خفضت رأسي.. وأنا أدافع عبراتي ..
> تذكّرت ذاك المتسوّل الأعمى الذي
> دفعته في السوق وأضحكت عليه الناس
> .
>
> سبحان الله كما تدين تدان ! بقيت
> واجماً قليلاً.. لا أدري ماذا
> أقول.. ثم تذكرت زوجتي وولدي ..
> فشكرت الطبيبة على لطفها ومضيت
> لأرى زوجتي ...
>
> لم تحزن زوجتي.. كانت مؤمنة بقضاء
> الله.. راضية. طالما نصحتني أن أكف
> عن الاستهزاء بالناس.. كانت تردد
> دائماً، لا تغتب الناس ..
>
> خرجنا من المستشفى، وخرج سالم
> معنا. في الحقيقة، لم أكن أهتم به
> كثيراً. اعتبرته غير موجود في
> المنزل. حين يشتد بكاؤه أهرب إلى
> الصالة لأنام فيها . كانت زوجتي
> تهتم به كثيراً، وتحبّه كثيراً.
> أما أنا فلم أكن أكرهه، لكني لم
> أستطع أن أحبّه !
>
> كبر سالم.. بدأ يحبو...... كانت حبوته
> غريبة.. قارب عمره السنة فبدأ
> يحاول المشي.. فاكتشفنا أنّه أعرج.
> أصبح ثقيلاً على نفسي أكثر. أنجبت
> زوجتي بعده عمر وخالداً .
>
> مرّت السنوات وكبر سالم، وكبر
> أخواه. كنت لا أحب الجلوس في البيت
> . دائماً مع أصحابي. في الحقيقة كنت
> كاللعبة في أيديهم ..
>
> لم تيأس زوجتي من إصلاحي. كانت
> تدعو لي دائماً بالهداية. لم تغضب
> من تصرّفاتي الطائشة، لكنها كانت
> تحزن كثيراً إذا رأت إهمالي لسالم
> واهتمامي بباقي إخوته .
>
> كبر سالم وكبُر معه همي. لم أمانع
> حين طلبت زوجتي تسجيله في أحدى
> المدارس الخاصة بالمعاقين. لم أكن
> أحس بمرور السنوات. أيّامي سواء ..
> عمل ونوم وطعام وسهر .
>
> في يوم جمعة، استيقظت الساعة
> الحادية عشر ظهراً. ما يزال الوقت
> مبكراً بالنسبة لي. كنت مدعواً إلى
> وليمة . لبست وتعطّرت وهممت
> بالخروج. مررت بصالة المنزل
> فاستوقفني منظر سالم. كان يبكي
> بحرقة ! إنّها المرّة الأولى التي
> أنتبه فيها إلى سالم يبكي مذ كان
> طفلاً.. عشر سنوات مضت، لم ألتفت
> إليه. حاولت أن أتجاهله فلم أحتمل.
> كنت أسمع صوته ينادي أمه وأنا في
> الغرفة. التفت .... ثم اقتربت منه.
> قلت: سالم! لماذا تبكي؟ !
>
> حين سمع صوتي توقّف عن البكاء.
> فلما شعر بقربي، بدأ يتحسّس ما
> حوله بيديه الصغيرتين. ما بِه يا
> ترى؟! اكتشفت أنه يحاول الابتعاد
> عني!! وكأنه يقول: الآن أحسست بي.
> أين أنت منذ عشر سنوات ؟! تبعته ...
> كان قد دخل غرفته. رفض أن يخبرني في
> البداية سبب بكائه . حاولت التلطف
> معه .. بدأ سالم يبين سبب بكائه،
> وأنا أستمع إليه وأنتفض .
>
> أتدري ما السبب!! تأخّر عليه أخوه
> عمر، الذي اعتاد أن يوصله إلى
> المسجد. ولأنها صلاة جمعة، خاف
> ألاّ يجد مكاناً في الصف الأوّل.
> نادى عمر.. ونادى والدته.. ولكن لا
> مجيب .. فبكى .
>
> أخذت أنظر إلى الدموع تتسرب من
> عينيه المكفوفتين. لم أستطع أن
> أتحمل بقية كلامه. وضعت يدي على
> فمه وقلت: لذلك بكيت يا سالم !!..
>
> قال: نعم ..
>
> نسيت أصحابي، ونسيت الوليمة وقلت:
> سالم لا تحزن. هل تعلم من سيذهب بك
> اليوم إلى المسجد؟ قال: أكيد عمر ..
> لكنه يتأخر دائماً ..
>
> قلت: لا .. بل أنا سأذهب بك ..
>
> دهش سالم .. لم يصدّق. ظنّ أنّي
> أسخر منه. استعبر ثم بكى. مسحت
> دموعه بيدي وأمسكت يده. أردت أن
> أوصله بالسيّارة. رفض قائلاً:
> المسجد قريب... أريد أن أخطو إلى
> المسجد - إي والله قال لي ذلك .
>
> لا أذكر متى كانت آخر مرّة دخلت
> فيها المسجد، لكنها المرّة الأولى
> التي أشعر فيها بالخوف والنّدم
> على ما فرّطته طوال السنوات
> الماضية. كان المسجد مليئاً
> بالمصلّين، إلاّ أنّي وجدت لسالم
> مكاناً في الصف الأوّل. استمعنا
> لخطبة الجمعة معاً وصلى بجانبي...
> بل في الحقيقة أنا صليت بجانبه ..
>
> بعد انتهاء الصلاة طلب منّي سالم
> مصحفاً. استغربت!! كيف سيقرأ وهو
> أعمى؟ كدت أن أتجاهل طلبه، لكني
> جاملته خوفاً من جرح مشاعره.
> ناولته المصحف ... طلب منّي أن أفتح
> المصحف على سورة الكهف. أخذت أقلب
> الصفحات تارة وأنظر في الفهرس
> تارة .. حتى وجدتها .
>
> أخذ مني المصحف ثم وضعه أمامه
> وبدأ في قراءة السورة ... وعيناه
> مغمضتان .... يا الله !! إنّه يحفظ
> سورة الكهف كاملة !!
>
> خجلت من نفسي. أمسكت مصحفاً ...
> أحسست برعشة في أوصالي... قرأت
> وقرأت.. دعوت الله أن يغفر لي
> ويهديني. لم أستطع الاحتمال ....
> فبدأت أبكي كالأطفال. كان بعض
> الناس لا يزال في المسجد يصلي
> السنة ... خجلت منهم فحاولت أن أكتم
> بكائي. تحول البكاء إلى نشيج وشهيق
> ...
>
> لم أشعر إلا ّ بيد صغيرة تتلمس
> وجهي ثم تمسح عنّي دموعي. إنه سالم
> !! ضممته إلى صدري.... نظرت إليه. قلت
> في نفسي... لست أنت الأعمى بل أنا
> الأعمى، حين انسقت وراء فساق
> يجرونني إلى النار .
>
> عدنا إلى المنزل. كانت زوجتي قلقة
> كثيراً على سالم، لكن قلقها تحوّل
> إلى دموع حين علمت أنّي صلّيت
> الجمعة مع سالم ..
>
> من ذلك اليوم لم تفتني صلاة جماعة
> في المسجد. هجرت رفقاء السوء ......
> وأصبحت لي رفقة خيّرة عرفتها في
> المسجد. ذقت طعم الإيمان معهم.
> عرفت منهم أشياء ألهتني عنها
> الدنيا. لم أفوّت حلقة ذكر أو صلاة
> الوتر. ختمت القرآن عدّة مرّات في
> شهر. رطّبت لساني بالذكر لعلّ الله
> يغفر لي غيبتي وسخريتي من النّاس.
> أحسست أنّي أكثر قرباً من أسرتي.
> اختفت نظرات الخوف والشفقة التي
> كانت تطل من عيون زوجتي. الابتسامة
> ما عادت تفارق وجه ابني سالم. من
> يراه يظنّه ملك الدنيا وما فيها.
> حمدت الله كثيراً على نعمه . ذات
> يوم ... قرر أصحابي الصالحون أن
> يتوجّهوا إلى أحدى المناطق
> البعيدة للدعوة. تردّدت في
> الذهاب. استخرت الله واستشرت
> زوجتي. توقعت أنها سترفض... لكن حدث
> العكس !
>
> فرحت كثيراً، بل شجّعتني. فلقد
> كانت تراني في السابق أسافر دون
> استشارتها فسقاً وفجوراً . توجهت
> إلى سالم. أخبرته أني مسافر فضمني
> بذراعيه الصغيرين مودعاً ...
>
> تغيّبت عن البيت ثلاثة أشهر ونصف،
> كنت خلال تلك الفترة أتصل كلّما
> سنحت لي الفرصة بزوجتي وأحدّث
> أبنائي. اشتقت إليهم كثيراً ...
> آآآه كم اشتقت إلى سالم !! تمنّيت
> سماع صوته... هو الوحيد الذي لم
> يحدّثني منذ سافرت. إمّا أن يكون
> في المدرسة أو المسجد ساعة اتصالي
> بهم.
>
> كلّما حدّثت زوجتي عن شوقي إليه،
> كانت تضحك فرحاً وبشراً، إلاّ آخر
> مرّة هاتفتها فيها. لم أسمع ضحكتها
> المتوقّعة. تغيّر صوتها ..
>
> قلت لها: أبلغي سلامي لسالم،
> فقالت: إن شاء الله ..... وسكتت ...
>
> أخيراً عدت إلى المنزل. طرقت
> الباب . تمنّيت أن يفتح لي سالم،
> لكن فوجئت بابني خالد الذي لم
> يتجاوز الرابعة من عمره. حملته بين
> ذراعي وهو يصرخ: بابا .. بابا .. لا
> أدري لماذا انقبض صدري حين دخلت
> البيت ..
>
> استعذت بالله من الشيطان الرجيم ..
>
>
> أقبلت إليّ زوجتي ... كان وجهها
> متغيراً. كأنها تتصنع الفرح .
>
> تأمّلتها جيداً ثم سألتها: ما
> بكِ؟
>
> قالت: لا شيء .
>
> فجأة تذكّرت سالماً فقلت .. أين
> سالم ؟
>
> خفضت رأسها. لم تجب. سقطت دمعات
> حارة على خديها ...
>
> صرخت بها ... سالم! أين سالم .. ؟
>
> لم أسمع حينها سوى صوت ابني خالد
> يقول بلغته: بابا ... ثالم لاح
> الجنّة ... عند الله ...
>
> لم تتحمل زوجتي الموقف. أجهشت
> بالبكاء. كادت أن تسقط على الأرض،
> فخرجت من الغرفة .
>
> عرفت بعدها أن سالم أصابته حمّى
> قبل موعد مجيئي بأسبوعين فأخذته
> زوجتي إلى المستشفى .. فاشتدت عليه
> الحمى ولم تفارقه ... حين فارقت
> روحه جسده ..
>
> إذا ضاقت عليك الأرض بما رحبت،
> وضاقت عليك نفسك بما حملت فاهتف ....
> يا الله
>
> إذا بارت الحيل، وضاقت السبل،
> وانتهت الآمال، وتقطعت الحبال،
> نادي .... يا الله
>
> لا اله الا الله رب السموات السبع
> ورب العرش العظيم
منقولة للأمانة