خاضت النقابات التعليمية خلال الأسبوع الماضي إضرابا إنذاريا احتجاجا على ما وصفته بتملص الوزارة والحكومة من تنفيذ اتفاق فاتح غشت2007 وانعدام الحوار الجدي والمثمر والمسؤول من طرف الوزارة الوصية وفشل الحوار الاجتماعي وانفراد وزارة التربية الوطنية بوضع برنامج استعجالي لإصلاح التعليم، لما له من انعكاسات سلبية على أوضاع الشغيلة التعليمية ومستقبل التربية والتعليم ببلادنا. هذا الإضراب الذي خاضته نقابات في يوم واحد وخاضته أخرى في يومين في حين انكفأت أخرى عنه، وإن كانت تختلف حوله الآراء والقراءات وتتباين المواقف، فالجدل حوله يفرض وقفة شكلت موضوع هذا الملف نعرض له في إطار نقاش منفتح على كل مكونات الجسم والنسيج النقابي والتربوي والجمعوي. هذا الإضراب الذي تؤطره مجموعة من المطالب التي تكاد تكون موحدة لا تختلف إلا في أمور جد طفيفة بل و نادرة، المهم أنه وإن تعددت اليافطات والمشارب والألوان التنظيمية نقابيا فهي متقاربة تكاد تتوحد في التوجهات العامة وفي ملفاتها المطلبية وفي آليات خوضها لنضالاتها وأشكال كما أدوات حركاتها الاحتجاجية وسبل الدفاع عن مصالح وحقوق الشغيلة التعليمية... فإذا كان للنقابات قرارها بخوض الإضراب فللمنتمين لقطاع التربية والتكوين أراء ومواقف وقراءات فيه انطلاقا من سؤال أساسي وجوهري هل يعي كل واحد منهم ما يحمله من دلالات ومعاني وما يتحمله من إجابات ومقاصد...؟
دواعي الإضراب الوطني
أبو إسراء: الفدرالية الديمقراطية للتعليم
نفذت الفدرالية الديمقراطية للتعليم المنضوية تحت لواء اللجان العمالية المغربية إلى خوض إضراب وطني يومي 10/11 فبراير 2009 تحت شعار: (معا من أجل نصرة مطالبنا من اجل الارتقاء بالوظيفة التعليمية، والمدرسة العمومية). وجاء هذا الإضراب، حسب بيان الفدرالية الديمقراطية للتعليم، نتيجة الأوضاع المزرية التي يتخبط فيها قطاع التربية الوطنية، وفي الوقت الذي تتدهور فيه القدرة الشرائية لنساء ورجال التعليم جراء الزيادات في أثمان المواد الاستهلاكية الأساسية لعدم التزام الحكومة باتفاق فاتح غشت 2007 والملزم بحذف السلاليم الدنيا من 1 إلى 4، و أمام الصمت الرهيب للحكومة والوزارة الوصية فيما يخص ملفها المطلبي. ونددت الفدرالية الديمقراطية للتعليم بالتعاطي الأحادي الجانب من طرف وزارة التربية الوطنية مع القضية التعليمية، وحملت كل المسؤولية للحكومة والقائمين على هذا القطاع الحيوي مع دعوتها للحكومة بالوفاء بالتزاماتها واتفاقاتها، وطالبت بإقٌرار ترقية استثنائية لكافة نساء ورجال التعليم المستوفين للشروط الضرورية ابتداء من سنة 2003 بآثر رجعي، بتحسين الزيادة في الأجور بما يتناسب وغلاء كلفة المعيشة، بتفعيل السلم المتحرك للأجور، بنبذ اللجوء إلى وكالات سمسرة اليد العاملة التي لا توفر استقرار الشغل باعتبارها عنصرا دخيلا على المؤسسات التعليمية. وأكدت الفدرالية أن نضالها مستمر ضد تبضيع التربية، إضعاف المدرسة العمومية، تنصل الدولة من مسؤوليتها في ضمان الحق في التعليم العمومي والمجاني وفتح المجال لهجوم الرأسمالية العالمية ومؤسساتها العالمية على مكتسبات الشعـوب وما راكمته في مجال حقوق الإنسان.
هل نجح الإضراب؟!
ينبغي للحكومة أن تجيب عن هذا السؤال، وتقول بلسان الحال: - إن الاضراب قد نجح، وأن تهديداتنا بالانقطاع لم تجد شيئا، ونعتذر لأننا نسينا أو تناسينا أن الانسان المغربي كان ولايزال وسيظل شجاعا• كنا نعتقد أن الموظفين والموظفات سيمتنعون عن الإضراب نظرا لتهديداتنا المتكررة عبر وسائل الإعلام المختلفة بالاقتطاع، لأنه لا سلاح لنا -في الواقع- إلا النبل من القدرة الشرائية للمواطنين الذين تعودوا على الاحتقان والذي يقابله شهامة ونخوة ورجولة وصمود، فالمواطن المغربي من شأنه أن يتنازل عن أي شيء إلا الكرامة• واعلمي أيتها الحكومة الموقرة أننا نركب سفينة واحدة، يجب على الجميع أن يسعى للوصول الى شاطئ البر والأمان ولن يتأتى ذلك إلا بتظافر الجهود واللجوء الى طاولة الحوار المجدي والمسؤول، وليس الحوار من أجل الحوار، فيكون حوارا تضليليا واستهلاكيا والمفضي الى الإنفراد باتخاذ القرارات• عبد الكريم بنمسعود
مشروعية الإضراب أم مشروعية الاقتطاع؟
بصدور قرار اقتطاع مدة الإضراب من أجور المضربين، نكون أمام مشروعيتين متناقضتين: مشروعية دستورية تضمن حق الإضراب، و"مشروعية" اقتطاع من أجرة الموظفين مستندة إلى قرار حكومي وتفرغ المشروعية الأولى من مضمونها؛ فأي المشروعيتين أقوى؟ وأيهما تستدعي الحذف؟ طبعا بغرض إزالة التناقض: الجميع متفق على أن الدستور هو القانون الأسمى في البلاد، لذلك فالمشروعية المستندة إليه هي الأقوى، وفصله الرابع عشر واضح في تنصيصه على التالي: "حق الإضراب مضمون. وسيبين قانون تنظيمي الشروط والإجراءات التي يمكن معها ممارسة هذا الحق." والقانون التنظيمي المفترض إصداره، لا بد أن يسلك المساطر والسبل القانونية من أجل إقراره في المؤسسات المختصة؛ ولا أحد يجادل في أن المؤسسة المختصة في هذا الشأن هي البرلمان، وحتى في حالة صدور قانون ما، فإن الأمانة العامة للحكومة ملزمة بنشره في الجريدة الرسمية، معززا بتاريخ التنفيذ؛ من يسلم بذلك، سيلاحظ بدون أدنى جدال بأن القرار الحكومي قد جانب الصواب، وفي حالة تنفيذه، فإن الحكومة تكون قد سقطت في الشطط في استعمال السلطة؛ وعليها أن تتحمل العواقب المختلفة، سواء كانت جماهيرية، أو قانونية، أو ديبلوماسية إذ لاشك أنها ستحاسب من قبل المؤسسات الدولية ذات الاختصاص، وذات الصلة بحقوق الإنسان...
النقابات والمراهنة على القضاء في شأن الاقتطاعات
يبدو أن الحكومة مصرة على الاقتطاع من أجور المضربات والمضربين عـــن العمل خلال الإضرابات الوطنية الوحدوية الأخيرة.. وهي اقتطاعات غير مشروعة يستند في فرضها إلى اجتهادات وتفسيرات مزاجية لبعض المسؤولين الحكوميين الذين قرنـوا بشكل غريب بيـن القيام بالوظيفة وأداء الأجر، بحيث يصبح في نظرهم المضرب عن العمل غيـــر مستحــق لأجره مادام لم ينجز عمله.... وهم يساوون في ذلك بين المضـرب والمتغيب ويصبح الاقتطاع بذلك تطبيقا صرفا لمقتضيات قانونية مرتبطة بالاقتطاع مـن أجور المتغيبين عـن العمل بصفة غير مشروعة (مرسوم 10 ماي 2003)، وهو ما يعد شططـا كبيـرا في استعمال السلطة ما دام أن البلاد لا تتوفر على قانون الإضراب الذي من شأنه تنظيـم مثل هذه الحـالات...
وتراهن النقابات في رفع هذا الحيف والشطط فـي استعمـال السلطـة على القضاء... بحيث يروج أنها تعتزم تقديم دعوى قانونية ضد الوزيـر الأول للطعـن في قرار الحكومة غير المشروع، ويظهر من ذلك أن النقابات تراهن على القضاء في رفـــع هذا الحيف والتسلط، وهي مراهنة (كأي رهان) تبقى مفتوحة على جميع الاحتمالات بمـا في ذلك أن يزكي القضاء قرار الحكومة فيصبح بالتالي الاقتطاع من أجر المضربين عن العمل مشروعا لكن هذه المرة بقــوة القانون (الاجتهاد القضائي)... ونتساءل آنئذ عن موقف النقابات بعد أن تكون قد دفعـت بشكل غير مقصود في اتجاه حسم نقاش مشروعية الاقتطاع لصالح الدولة... اعتقد أن الرد الوحيد الصائب على تعنت الحكومة وعدم تجاوبها مع الملف المطلبي للشغيلة وإصرارها على انتهاك حرمة أجورنا هــو المزيد مــن التصعيد (إضرابات، مسيرات وطنية، اعتصامات...) حتى تحقيق المطالب المشروعــة... سعيد ن•