السلام عليكم أضع بين ايديكم الجزء الاول من سلسلة مذكراتي خلال السنة الاولى من عملي
و في انتظار ردودكم اتمنى لكم قضاء أطيب الاوقات
تقديم
واهم من يظن أن حياة المعلم حياة سهلة ممتعة تتخللها أيام راحة طويلة من خلال العطل الممتدة على طول العام و التي يفتقدها أغلب الموظفين في قطاعات أخرى.
انه من خلال دور المعلم لا ترينا الحياة و نحن في ريعان شبابنا إلا المعاناة و العذاب .لم تخلق الحياة لنا نحن أصحاب الوزرة البيضاء أو بمعنى أصح نعمل في ظروف قاسية لتتلذذ الحياة في تعذيبنا.
فمثل المعلم الذي يشتغل بعيدا عن الحضارة منسي طول أيام عمله و يودع العالم في صمت تاركا ورائه العديد من ميسرات الحياة.قد أكون سوداويا متشائما في وصفي و سردي للوقائع.لكن ما أعيشه من خلال شخصية " هيثم "تحت سماء الوحدة و الإقصاء
و التهميش يؤكد صدق كلماتي.
كتاباتي هي ملاذي عندما تتسلل الأحزان .أنسى كل ما حولي أنسى واقع معيشي فأشعر حينها بارتياح عميق يسري في جسدي .أكتب عندما تطوقني الوحدة , و أجلس مع نفسي و أفكاري و أوراقي و قلمي الوفي المتعطش دوما كصاحبه في تدوين خواطر و آهات حارة لقلب لم يعد يحلم إلا بالسراب محترقا بالشمعة بلدة الحرمان.
تقوم مجموعة الخواطر هاته على صدق التجربة و إحسان التعبير عنها .تقوم على شخصية كاتبها و إن كانت شخصيته هنامقوما خفيا غير مرئيا .تتأثر بثقافته .بمشاكله و تجاربه.
إنني لا أخترع الآلام التي لم أجربها .لا أرسم الصور التي لم أراها .لا أكتب الأفكار التي لا تحكي عن الواقع ,و إن كنت أوظف كلمات بديعة و جمل متماوجة و أساليب مزركشة و عبارات مترادفة ,فالهدف أولا و أخيرا هز المشاعر و عيش فصول الرواية كما لو كنتم تشاهدون فيلما.
بقلم هــمام سلاوي
مذكرات من قلب حاحا
في درب البحث عن الرزق الذي نحمد الله عليه صباح مساء ,في درب البحث عن لقمة العيش التي أصبحت مريرة في بلد اسمه المغرب.في درب البحث عن الشعور النبيل الذي يمارس حاليا بأبشع الطرق في درب البحث عن السعادة و ضحكة صادقة من الأعماق و ابتسامة بريئة تملأ كل الوجوه تنطلق رحلة من أسفي إلى الصويرة, نحو البادية, نحو عالم المجهول نحو أرياف "حاحا".و تنسج من قلب جبالها خيوط حكاية جديدة .حكاية المعلم المبتدئ "هيثم"و من خلالها تتبعثر كل أوراق حياته و تختلط الأمور أمامه,الآن لا يرغب في محادثة أحد بل لا احد معه…فزميله في العمل كثير الاضربات لتسوية وضعيته .قد تتعدى مدة الإضراب عشرين يوما أو شهر أو أكثر بقليل …لم يعد "هيثم" يتذكر المدة بالضبط فكل يوم عنده مثل سابقه…لم يبقى للزمن معنى عنده…دخل إلى سكنه في ذلك الدوار , حجرتان بحجم جحر الفأر , إحساس رهيب بالوحدة اجتاحه تخيل نفسه كأنه رائد من رواد الفضاء يقبع في مكان بعيد خارج اللبانة .أو مثل فقيه في مسجد مهجور انقطع لعبادة و الصلاة…هدا التشرد النفسي الذي يعيشه هناك وسط جبال حاحا .و ذلك التمزق الداخلي يجعله غريبا عن الحياة .بل حتى غريبا عن نفسه .و تلك الوحدة المرعبة ,فلا تزيده إلا شعورا بالانعدام…قد بدا على وجهه الشاحب علامات الحزن و القلق قد حملته إلى عالم أخر بعيدا عن واقعه الذي يعيش فصوله بكل ساعاته, بكل دقائقه .بكل ثوانيه .يعيشه بمرارة حارقة تدميه أيامه و تنزفه أخر ذرات من طاقته…
فكر في إعداد الجذاذات,اثنتا و ثلاثون جذاذة يوميا ,ضرب من الخيال إذا أراد تحضيرها …دون إغفال إعداد الوثائق التربوية الأخرى...انه الآن لا يشعر برغبة في إعداد أي شيء.قصد غرفته و أخد يتذكر المستويات المسندة إليه,انه يقوم بمهمة ستة أساتذة في دفعة واحدة لأنه ببساطة يتكفل بتدريس ثلاثة مستويات مزدوجة (عربية و فرنسية) مجهود جبار يقوم به يستنزف كل قواه…يشرح لهذا المستوى بينما يشغل المستويين الآخرين بأنشطة كتابية و ما أن ينتهي من الشرح يجد نفسه مضطرا لتصحيح تلك الأنشطة دون حتى أن يلتقط أنفاسه.يناقش و يحلل,يصحح و يقوم و يدعم.يضبط القسم ,و يوازي بين الأنشطة المتعددة…قد اكتشف أن ما تلقنه في مركز التكوين لا يمت بصلة لواقع المهنة ,فوارق متعددة بين تلاميذ المدن و القرى ,ندرة الوسائل التعليمية ,ضعف البنيات التحتية للمؤسسة …و اللائحة طويلة علق هاتفه المحمول على الحائط لأن بقعة صغيرة فقط تصله مع العالم الخارجي…فاذا رغب في الحديث هاتفيا سيجد نفسه مضطرا للصعود فوق وسادتين أو أكثر و وضع أذنه على الحائط حتى يتمكن من التواصل مع مخاطبه…
استمر في تلك الليلة بالتفكير الطويل رغم برودة الجو .لكنه شعر بقشعريرة تسري ببطء في جسمه ,و هو جالس في غرفته قرب النافدة يرمق الفراغ و الظلمة و دهنه ما زال شاردا,و عيناه التي أذرفت قطرات قليلة من الدمع,قد جفها اليأس و الإحباط ,لحظات خانقة مثل ظلمة المكان التي كانت تطل عليه النافدة…نهض على أثره ببطء شديد يتهاوى في المشي كما لو كان سكيرا…أخد يبحث عن عود الثقاب و الشمعة ,أشعلها و أخرج من درج الطاولة مذكرته الشخصية و أوراق بيضاء,شعر برغبة قوية أن يدون كل خاطرة…شعر بكتابة كل ما عنده ,لعله يفرغ من قلبه و لو قليلا من همومه التي يبدو أنها مقيدة معه زمان و مكان.إنها ببساطة مذكرات معلم مبتدئ تحيط به الجبال من الجهات الأربع…وقد كانت الكتابة غريزة من غرائزه بل جزءا من تكوينه و هواية يملأ بها وقته التائه ,انه حينما يمسك قلمه يعيش في عالم أخر غير عالمه .يصبح كائنا منفصلا عن شخصيته .ببساطة الكتابة عنده كوصفة دواء تداوي الجراح…أخد مذكرته بين يديه .و بدا يقلب صفحاتها .و يقر أما خطه قلمه في أحضان مدينة الصويرة,ليقارن الماضي بالحاضر و يعيش على أمل المستقبل.فهل عساه ينسى كل الذكريات الجميلة مع طلبة
و طالبات مركز تكوين المعلمين…هل ينسى شكل البنايات
و الأضواء و الطرق الغاصة بالمارة و…و…فالإنسان ينسى إن كان موضوع النسيان لا يعني الشيء الكثيرهل سيستغني عن الماء العذب الصالح للشرب ,عن الكهرباء عن التلفاز عن…عن…كيف سيعيش حياته الجديدة و هو يصطدم بأشياء تفزعه في وسط تنعدم فيه أبسط ظروف الحياة…يتذكر هده الوقائع و هو يحس بالدم يصعد في وجهه, و تخالجه أشياء من الرهبة و الآلام,و قد أظلمت معها دنياه في عينيه من قسوة القدر الذي لا يرحم و حظه الغريب الذي يصر دوما على رسم تعاليم لحياة أكثر غرابة…ثم بدأ يستعرض مسلسل الأحداث و يستعيد من خلاله ماضيه القريب الذي نحتته لحظات قوية,ارتشف بها كؤوس السعادة الزائفة…أما نفسه فهي غارقة في أمواج من الانفعالات…يريد الاعتراف بكل مما يخالجه , لم يكن له غير قلمه,يمسكه بين أنامله ,و يسطر به صفحات ليست أكثر من واقع معيشه الذي تفننت الحياة في منحه المزيد من المعاناة , فكل يوم إلا و يشعر بالمرارة ,مرارة الوقت البطيء و الأيام التي لا طعم لها يميزها فقط تلك الفرصة الوحيدة وسط الأسبوع يوم الجمعة, يوم عطلتهيقتنصها هاربا من جحيم الوحدة و الهموم و التفكير الذي يميته بدل المرة ألف مرة…
يقصد" الفيلاج"الخميس مساءا,يبحث عن تغيير ملامح المكان ,خمسة كيلومترات أو ستة, يقطعها مشيا على الأقدام بين الجبال و وسط الوديان , يتخطى الأفاعي و العقارب ,و إن كان القليل منها تبصره نظراته المرعوبة عبر قارعة الطريق التي فقط تحمل اسم طريق…لكنه على أي حال يحمد الله على وجودها الآن,لأنها لم يكن لها أثر في بداية الموسم الدراسي الحالي ,قد كانت فقط مشروعا على ورق و صفقة مالية تنافس عليها المقاولون أياما عديدة,فقد كان قبل دلك يضطر لتسلق أحد الجبال للوصول إلى الطريق المعبدة…أما تلك الطريق فقد رأت النور ثلاثة أشهر بعد فتح المدارس أبوابها, و لتنهار بأكملها مباشرة بعد تساقط أمطار للعجب لم تنهمر إلا قليلا…ليعيد أهل الدوار تشييدها و هم قلة ,يعملون كمياومين يقتنصون الفرص للبحث عن بعض الدريهمات لاقتناء بعض المأكولات و ملء أفواه أطفالهم…
سنوات الجفاف المتتالية التي تلاحقت على المغرب في السنين الأخيرة أتعبتهم و استنزفت مواشيهم و أراضيهم,أما الآبار فقد أصبحت مجرد ملجأ للأفاعي المتجولة … قد كان هؤلاء الناس هم يشيدون هدا الطريق يعملون في صمت و بدون كلل مند أن تهل تباشير الصباح الأولى إلى مغيب الشمس و يقطعون ساعات عملهم الطويلة دقائق قليلة لارتشاف الشاي المنعنع الذي أعدته نسائهن لهم مع الصغار مع قليل من الخبز و زيت "أركان"…
يقضي هيثم ساعة من الزمن في تلك الطريق التي يبدو أن رجال الجماعة القروية انتبهوا إليها,و قرروا إكمالها بسرعة بجلب معدات و آليات اكبر حجما و أكثر تطورا و فعالية
يمشي ادن هيثم في تلك الطريق .وحيدا و هو يلهث من شدة التعب تحت حرارة الشمس أو غزارة المطار و برودة الطقس,و حذاؤه يحمل كميات من الوحل حتى أن رجله تغوص في التربة المبتلةو ما أن يحمل إحدى رجليه حتى يجد الثانية غاصة بدورها..ثم يتجه نحو أحد الصخور القريبة لاقتلاع الوحل العالق…قد يجد نفسه مضطرا لإعادة تلك العملية مرات و مرات عديدة,حتى يكتشف أنه قضى أحيانا بهذه الطريق ساعة و نصف أو أكثر إن كان الجو ممطرا…مدة تكفيه للعودة إلى مدينته (أسفي) عبر السيارة -التي تبعد عن مقر عمله مائتي كيلومتر-
و هو يقطع هنا فقط خمسة كيلومترات…يتابع سيره و لا يوجد له أنيس في طريقه سوى كلاب ضالة تنبح بقوة يكاد نباحها يفقد سمع أذنيه,و هو يتناول بعض الأحجار ليحاول إبعادها عن مساره,و هو في هذه الحالة محظوظ للغاية,لأنه لن يبحث طويلا عن الحجارة ,فالطريق غاصة بها من كل الأحجام و الأشكال…
يصل أخيرا بعد طول عناء لقمة الجبل ,حيث يجد الطريق المعبدة,حلم كل معلم أن يعمل بقربها....يلتقط أنفاسه و يخرج قنينة ماء من حقيبته المعلقة التي يبدو أن أطرافها قد تمزقت...و أخذت الثقوب تكبرو تكبر من شدة ثقل ما يحمل أحيانا...ثقوب تكفي ليسقط ما بداخلها ...يشرب جرعات من الماء ,كما لو أنه شخص وسط صحراء قاحلة قد ألقت نظراته على واحة بها ماء عذب يطفيء عطشه...أما الماء الذي يحمله فهو ماء معدني لأنه لن يستطيع شرب ماء الدوار ,انه يظهر كماء ممزوج بمسحوق الشكولاطة ,تعجب أكثر من مرة لأمر التلاميذ و هم يشربونه بلهفة دون أن يقع لهم أدنى مكروه و هو يعلم أنه لوشرب جرعة منه ستكون كفيلة بأن تجعله طريح الفراش أياما عديدة...
يعيد القنينة إلى مكانها و يتسمر واقفا يمسح عرقه بظهر كفه كأنه تمثال فرعوني عتيقجامد في مكانه فهو يعلم انه سيظل لحظات كثيرة ينتظر وسيلة تقله إلى "الفيلاج" الذي يبعد خمسة كيلومترات من نقطة تواجده...يجلس على جنب الطريق كي يستريح قليلا , و يكاد الهواء يدغدغ مسام جلده فيعود السكون يفرض سلطانه على الوجود...يلتفت إلى الوراء إلى الطريق التي قدم منها كما لو أنه ينظر إليها لأول مرة ,كأنه يحاول إيهام نفسه ألا يعود إليها ثانية....
تذكر لهنيهة من الزمن الصورة الجميلة التي رسمها لمقر عمله قبل التعيين, ثم أصبحت تلك الصورة ميتة جامدة تحكي عن أفلام مفزعة , صارت مثل صورة في ألبوم مخزون في صوان ضاع مفتاح قفله , فأخذ يزفر في ما يشبه التأفف و التذمر اللعين...
انبعثت في تلك اللحظات نسمات ندية أخذت تداعب خصلات وجهه و هو يسمع صوت محرك سيارة قادمة من بعيد, ابتسم لأنه محظوظ هده المرة, فلن يكمل السير مشيا على الأقدام إلى "الفيلاج" لحظة , السيارة لم تتوقف رغم أنه رفع يده ملوحا بها, قد أدرك أن السائق قد يكون مهندسا, يعمل في إحدى المشاريع بالمنطقة, أو موظفا في الجماعة أو البلدية.أو من رجال السلطة....طبعا هنا بطل العجب...هل سيقف له هدا أو ذاك...و هم ينظرون له كما لو كان لصا أو قاطع طريق خرج من مكان من بين تلك الجبال المخيفة...أو يبدو لهم مجرد فتى متشردا لأن ملابسه اتسخت بالغبار تماما...
يكاد صبره ينفد بسرعة و هو يلاحظ عقارب ساعته اليدوية تشير الخامسة بعد الزوال,مستشعرا بخطربقائه هناك في حالة عدم مرور أي وسيلة,حينها حينها سيقضي ليلته وسط الخلاء...فأخذ يتقدم في السير رغم تعبه....
يقضي ربع ساعة أو حتى نصف ساعة حتى يسمع محرك سيارة أخرى قادمة , يلتفت و يلوح بيده لعلها تحمله...انها سيارة أجرة من الحجم الكبير... و أخيرا ....لا...لا...إنها ممتلئة عن آخرها....و يبتسم ضاحكا للحظة , تذكر في أحد الأيام عندما ركب هو و زميله هذا النوع من وسائل النقل في وقت سابق, تذكر بالضبط عدد الراكبين, قد كان يقارب ثمانية عشر في حين لا يسع إلا لثمانية أشخاص, و هو يعجب كيف تمر هده السيارات قرب رجال الدرك....ابتسم ثانية و قال لنفسه :"إذا كنت في المغرب فلا تستغرب..."ربما أن الحظ ساعفه أخيرا...فهناك شاحنة قادمة الآن...نعم أخيرا سيمتطي وسيلة نقل دون أن يلجأ إلى إكمال السير مشيا على الأقدام... و لا يهم إن ركب مع الماشية أو وسط صناديق الخضر أو الفواكه....
يصل أخيرا إلى "الفيلاج" فيلاج ايت داوود و هو بالمناسبة ليس كباقي"الفيلاجات" المعروفة لكنه يضم ثلاثة مخادع هاتفية ,حمام , أربع أو خمس مقاهي ,محطة صغيرة للتاكسيات و أخرى للناقلات بل لناقلتين تربطه بمدينة الدار البيضاء (الأولى تغادره فجرا و الثانية تعوده قبل مغيب الشمس بساعة أو أقل...)و بضع دكاكين و مقر للبلدية و مقر الباشاوية و الدرك الملكي , مدرسة و ملحقة إعدادية ,و سوق أدارت به الأسوار من كل الجوانب, يملأ مرتين في الأسبوع غير أن يوم الثلاثاء لا يستقبل إلا القليل من الباعة...أما المنازل هناك فيبدو أنها في تزايد مستمر رغم أنها غير مزودة بشبكة الماء الصالح للشرب...فالمشروع في طور الانجاز...و العجب في الأمر أن هدا الفيلاج يضم ثلاثة فنادق فقط تحمل اسم فنادق...غير أنها تفي بالغرض , غرفة لثلاثة أشخاص بخمسة أو عشرة أو عشرين درهما...أما الخدمات الفندقية فهي رهن إشارة الجميع . ما على الشخص إلا أن يطل من النافدة و ينادي بأعلى صوته على صاحب الفندق يطلب منه إحضار وجبة طعام"طجين" أو "بيساره" أو وجبات أخرى ...كل حسب استطاعته و ذوقه...
أما مجموعة "تيزي فو" الفندقية قد احتكرت" فيلاج ايت داود"و هي في خدمة الجميع صباح مساء دون انقطاع...غير أن الذي يستأثر بالملاحظة هناك ليس في مطاعم المجموعة الفندقية و حدها بل في "الفيلاج" بأكمله-هو نفاد الخبز باكرا...فادا قدم أحد هناك عند السادسة أو بعدها , أو حتى قبلها أحيانا.فسيكون مضطرا للاستغناء عن الخبز و تعويضه بالحلوى أو قطع "بسكويت"...
و كعادة هيثم بعد وصوله هناك ,الذهاب أولا إلى المقشدة عند السيد حسن و هو شاب في مقتبل العمر يستقبل زبنائه بابتسامة منشرحة, طلب منه تحضير عصير موز أو "أفوكا" حتى يعوض و لو قليلا مما فقده في تلك الطريق الماراطونية...
يشرب العصير بلهفة بعد أن طبع لون الموت شفتيه , و الناس باختلافهم في تلك المقهى المصغرة يجلسون بلا مبالاة ,بعضهم يغرس رأسه في مشاهدة الإعلانات المعلقة.و بعضهم يتمصص العصير أو الحليب أو حتى كوب شاي .و هو وحده جالس بلا حركة,و قد هربت من وجهه قطرات الدم...أصبح جسمه منهكا تراكم عليه التعب,حتى أنه لم يستطع الجزم أن الدم الذي يسري فيه لم يتحول بعد لونه إلى زرقة أو سواد...
بعد ذلك يقصد "هيثم" إحدى فنادق "تيزي فو"هو لا يفكر في المبيت هناك , فلن يعيد تجربته السابقة.فما زال يتذكر تلك الليلة البيضاء التي قضاها هناك , برد قارس ينساب من جنبات النافدة, أغطية متسخة تجعل مستعملها يحك كل أطراف جسمه طيلة الليلة...انه يذهب فقط للقاء وجوه ليست أقل منه يأسا...إنهم أصدقاؤه الجدد , تسنى له التعرف عليهم في جبال "حاحا" فهو يبحث هنا عن ما جاء لأجله , يبحث عن ضحكة رنانة مفعمة بالمشاعر...و هو يسمع عن قصص معاناتهم في جلسة حميمية ...ينصت بانتباه لما يسردون من حكايا و خبايا و طرائف التي وقعت خلال الأسبوع المنصرم حتى بأبسط تفاصيلها,و هو يستمع لكل تلك الحكايات التي يروونها عن واقع معيشتهم, عن التلاميذ,عن سكان" الدوار"...و قد بدت الابتسامة الضائعة على قسمات وجهه وسط ذلك الجمع العظيم مع كل تلك النفوس الطاهرة ,لا ينسون ذكر الله , و لا يفوتون صلاة عن وقتها ...لا يعرفون المكر أو الخداع... قارن بين هؤلاء و بين شبان عصره الدين يمارسون طقوس الغزل بمهارة بدل العبادة ,أو يبادلون أحاديث الشوق فيتفننون في الكلام الفارغ بدل ذكر الله...و حين يتعلق الأمر بأداء الصلاة فهم يعلون الانسحاب و يطرقون أبواب الحرام ,فيبيعون إنسانيتهم بأبخس الأثمان , و يجدون في العبث ملاذا لقضاء أوقاتهم ,و بحرا للسباحة في المعصية بدل التقرب لخالقنا عز و جل...إحساس بالإحباط و نحن نستفيق كل صباح على حكايات من الحي,من المدينة على دبدبات المذياع ,أو على شاشة التلفزيون , حكايات غيرت القلوب و ملت النفوس , تنقلنا من عالم الأحلام و الأفلام إلى ارض الواقع الذي لا يرحم ,لكن الدروس الدينية التي نتعلمها مند طفولتنا لا تذهب هباء منثورا ,تجعل الإيمان القوي المنطلق و النهاية...كان ذلك ما يحدث نفسه به , و هو يتأمل تلك الوجوه التي تشرق غبطة , ينظر إلى عيونهم التي تنير ضوءا لافتا...و يحس بقليل من الأمان و السعادة, فقد أدرك انه رغم وجوده في مجتمع يتعاطى لكل الماديات و ضاعت فيه الحقوق وسط الطبقية و التراتبية و حكاية المناصب و السلط و المصالح التي أغرقت مجتمعنا في بحر من الدماء و العصيان و نكران الذات ... و علما أن العدالة تتحقق خارج تفاهة اللذة و المتعة المسروقة , و أن القناعة و تقبل النصيب ثوب لمن لا هندام يرتديه ,و أن الرضا و العفاف عملة ذهبية في سوق المكر و الكذب و الغش...
أدرك من خلال أصدقائه و هو يبتسم انه مازال في هدا البلد أناس طيبون بكل ما تحمل هده الكلمة من معاني عميقة و لو أن البعض ينظر إليهم نظرة سخف أو خوف...المبادئ و الأخلاق الحقيقية لا يمكن لها تحت أي ظرف من الظروف أن تمحوها قساوة الأيام...
عاد" هيثم " كعادته إلى مقر عمله مساء يوم الجمعة...ثوان قليلة هناك كانت كفيلة لتعيد له مسلسل الأحزان...
عاش" هيثم" خاصة بعد إضراب زميله عن العمل لأيام مفتوحة أو حتى قبلها , لحظات عنوانه خوف مبهم مع صداع و توتر في الأعصاب و شعور بدوار رهيب و إحساس بعدم التوازن و تهيج حتى بأبسط الأسباب , و ضيق في صدره, و أحيانا صعوبة في التنفس , و يضطرب نومه مع حدوث أرق و صعوبة في الرقود أو إحساس بالنعاس...غير أنه في غالب الأحيان كان يبتسم للدنيا,لأنه يدرك كل الإدراك أن الابتسامة تبدد المتاعب الثقال , و تضيء النفس بالتفاؤل و الثقة و العزة , وتكشف له و لمن حوله عن السعادة النسبية , لكن على ما يبدو أن ابتسامة لطف تشرق ما تلبث أن تتوارى في أخفية الظلام ,نور قلم يكتب به يضيء لحظات تم يضمحل , وردة أثير تعطر ثم تذبل ,نغمة حب تتموج ساعة ثم تتلاشى ,فما أتعس حظه...لكن سيسير "هيثم" و غيره من حملة مشعل أنبل المهن و أكثرها أهمية , مع الأشخاص ذو العقول المفعمة بالآمال و النفوس المهذبة بالأخلاق , في طريق الكفاح الطويل و لو كان مملوءا بالأشواك , لأن الأشواك تجرح و لا تقتل ,سيبدأ حياته يوما عن يوم بنوع من التغيير و التجديد و الحنكة و الحذر ,و حتى أن تفوق في خطوة فنجاحه لا يعدو إلا أن يكون جسرا لنجاح أكبر ,سيحس أنه يمتلك مصباحا يضيء به كل الطرق المعتمة ,وكلما تقدم في درب من دروب هده المهنة المتعبة و النبيلة ,سانده عزمه على متابعة الخطو في غير خوف و لا ملل ,لا يتعجل النجاح ,سيستمر في طريقه و أداء واجبه ,و لأنه لا يفعل شيئا يغضب ربه به ,فأكيد أن حياته ستيسر عاجلا أم أجلا...