ضاع الأمل .... قصة قصيرة - منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية
تسجيل جديد
أبرز العناوين



أدوات الموضوع

الصورة الرمزية bahirra
bahirra
:: دفاتري جديد ::
تاريخ التسجيل: 4 - 1 - 2008
المشاركات: 63
معدل تقييم المستوى: 0
bahirra في البداية
bahirra غير متواجد حالياً
نشاط [ bahirra ]
قوة السمعة:0
قديم 20-03-2009, 20:41 المشاركة 1   
افتراضي ضاع الأمل .... قصة قصيرة

قصة قصيرة
كريم bahirra


ضاع الأمل

طرق الباب.. كان يعتقد أن يُفتح على مصراعيه، لكنه أصيب بخيبة أمل،.. أسرع مهرولا تجاه "لْجْنَان" الذي يوجد قرب الحي، حيث نشأت عدة أجيال ضاعت بين أحضانه الجميلة، كانوا يجدون فيه المتعة والراحة الكاملة، والهروب من مشاكل الحياة وأعبائها... فَيَنْكَبُّونَ على حسو الخمرة وشرب السجائر و"الحشيش" بكل أنواعها... قعد داخل مناظر أشجار الزيتون التي تجدب المشتاق من بعيد ليغوص بتأملاته في الطبيعة الزاهية، وفي السماء الزرقاء التي لا يظهر منها سوى بعض القطع التي تبدو وكأنها سقف أزرق لهذا المكان.. أشعل حفرته بلهب ناره حتى تكتمل جلسته.. أخرج من تحت حزام سرواله حزمة من "الكِيف".. وأخذ من طرف جَوْرَبِه سكينا ذا حدين.. بدأ في قص "الكِيف" على قطعة خشبية، على نغمات راديو متهالك، الذي وضعه بجانبه، يصدح بنغمات للمجموعة الشعبية "نَاس الغِيوَان" شرع يتمتم وكأنه يعيش لحظات المتعة.. شرب عدة سجائر حتى بلغ النشوة القصوى.. أحس بدوار ، لكنه لم يعره اهتماما، إيمانا منه أن وقت الثمالة قد اقترب..، حين تُمْتَزَجُ عنده العوالم بعضها ببعض ويتحدث كل عالم عن نفسه..، تمدد لوقت وجيز حتى غروب الشمس.. عاد إثر ذلك إلى الحي بعقلية جديدة لا يظهر له أي شيء سوى ما يريده هو، وبالشكل الذي يصممه له.. إنه الآن في لحظات السمو، لا يحتاج إلى دليل،.. فدليله مزاجه.. إنه الآن يريدها.. ثورة عارمة يقلب بها هذه الوقائع رأسا على عقب، ليستشعر تلك الراحة التي ظل ينشدها طوال حياته، تلك هي اللحظة الحاسمة.. اشتد غضبه، واكفهر وجهه، وكأن جَانًّا أصابه.. اضطر على إثر هذا أن يتكئ على جدار مهدم أو آيل للسقوط، كهذه اللحظة الآنية التي تتقارب فيها الأزمنة وتتباعد بشكل ملفت للنظر.. رفع رأسه بعدما نكسه طويلا لِيُلْفِتَ نَظَرَهُ مُرُورُ حب حياته وعشيقة عمره "ليلى" الفتاة الحسناء ذات التقاسيم البراقة سحنتها مُدْبَجَةٌ بملامح ملائكية، يهب النسيم بين شفتيها إكليل ورد، تبوح بأسرار السماء.. نظر إليها برهة.. طرح على نفسه السؤال تلو السؤال عن مصير هذا الحب.. أحس بأنه من طرف واحد..، حب يتيم..، إذ كلما اقترب منها ابتعدت عنه، فينصاع إلى أنيسته الخمرة حتى ينْزوي وراء قضبان الثمالة.. كان دائما يجلس تحت شجرته المعهودة وهي شجرة زيتون ضخمة، لم تنل منها السنون ولا أطفال الحي الذين يظلون يلعبون فوقها، حيث يتصورها كل واحد منهم سيارته أو طيارته أو.... وهي توجد وسط الحي بجوار أحد المنازل.. كانت شجرته المفضلة تجالسه وتشاركه همومه وأحزانه فيخاطبها قائلا:
"أنت أمي أنت أختي أنت كل شيء في حياتي.."..
لكن دموعه تكمل المشهد المأساوي فتنْزل هفهافة من أجفان تصارع المستحيل في عالم لا يعترف بالقيم.. فَيَخرُّ ساجدا أمام شجرته صامتا لا يَنْبِسُ بِبِنْتِ شَفَة تشاركه فيها الشجرة أحزانه، تجادله وتناقشه.. إنه الصوفي القابع في مستنقع الحياة.. الصوفي الذي طوى الحياة بأكفه الخشنة ليشحذ منها قاموسا جديدا يستخدمه في مثل هذه الوقائع.. صوفي بمحاذاة حياة بئيسة.. ولعل الكل يتبخر بمجرد الإصباح..
الصباح جميل فيه تسعد الكائنات، وترقص فراشات الأمل، وتغرد لقدومه العصافير.. جاء الصباح، ومنح للإنسان الحركة والحياة، وكشف أسرار عتمة الليل ولفها بكفن إشراقته البيضاء، لكنه يزيد "لْعَرْبِي" نكسة على نكساته.. إنه يستفيق من متعة ظل طول الليل أسير لذتها ليواجه عالم الحقيقة الذي يفر منه طوال ليلته لتكون العودة الآن.. بلا سلاح ولا عتاد، سلاحه الوحيد هروبه إلى "لْجْنَان" يستنشق منه عبير الذكرى، ويحلق في تعال فوق الكائنات الهامدة، ويجلس بجانب حفرة النار، ويشرب عشرات السجائر ولفافات الحشيش ومئات "اشْقُوفَة".. إنه "يُطَرِّقُهَا" كما يقول.. يظل على هذه الحال طوال نهاره، ليعود مرة أخرى إلى جوار شجرته مع وقت المغرب، إنه برنامج تتوقف معه معطيات الحياة، وتبقى وحدها الأوهام تسيطر على الحركة، إنها امتزاج للمعطيات، خليط من المفاهيم المسيطرة، تتسكع بالمخيلة..
جلس "لْعَرْبِي" في صمت رهيب وكأنه ينذر بوقوع نكبة تودي بالعديد من الناس.. تأمل.. تجهم.. أطرق قائلا:
" إنه عالم مجهول المعالم.. بداية غريبة.. مشوار الشقاء.. ونهاية حتمية..." كانت فلسفة "العالم المجهول" انطلاقته نحو غزو أعماق ذاته، وإبراز قدراته الفكرية المنْزوية وراء ظلمة نفسه، فيغرف من بحرها ملايين الأفكار حول الذات الحائرة.. الحب القاتل.. الأمل الضائع.. الصباح الخانق.. كلها عناوين المأساة التي يعيشها في صمت.. "العالم المجهول" مولود جديد ضمن ولادات الذل والهوان، مولود حائر، يظل حبيس الذات المُوجِدَة، مثله في ذلك مثل الذات الواجِدة.. شيء واحد يزيد من إصرار "لْعَرْبِي" على التمسك بهذه الحياة "ليلى" واجدة سره وحلمه الضائع وراء ضبابية الشرائع البشرية..تأمل.. بلغ أقصى ما بلغه.. فانكب على شرب سجائر الحشيش..عندما أكمل الأولى تَلَفَّتَ من مجلسه.. أبصر حلمه وحبيبته "ليلى" في طريقها إلى بيت خالتها الذي يوجد في أطراف الحي، وخالتها امرأة عجوز، طاعنة في السن.. تتوافد عليها ابنة أختها لتقوم بدلا عنها بأشغال البيت، وعند عودتها عادة ما يعترض طريقها ابن حيها "لْعَرْبِي""ولد الحومة" يحاول أن يعبر لها عن حبه لها، لكنها ترفض الحديث معه بشكل يترك لديه الأمل في لقاء آخره، فهي لا تصده بل تتمنع عنه.. إنها فتاة وهو "ولد الحومة".. فيشتاق للأفضل منها، لهذا كان يقترب منها مرتبكا، خوفا من فقدانها في لحظة من اللحظات، إنها أمله الوحيد.. أطرق عائدا إلى مكانه وحمل قنينة الخمرة "عيشة الطويلة" وبدأ في تتبع أثر النشوة والثمالة.. لكن شخصا ما يتتبع أثره من خلف شجرة زيتون ويتأمله في مجلسه.. يراقب أفعاله سكر وشرب للحشيش..أردفت قائلة:
" إنه غريب الأطوار.. أهذا هو..".."؟"
لم تطق "ليلى" ما رأته اليوم.. إن وضعيته تزيد استفحالا.. سابقت خطاها عائدة إلى بيتها الذي يوجد بجانب "لجنان".. فتحت الراديو.. وجدت نشرة الأخبار.. أقفلته.. أنفاسها تتلاحق.. استلقت على فراشها تعد اللحظات، وتستجمع أنفاسها، وتتأمل الصورة السوداء التي التقطتها له، بدأت مشاعرها تتضارب بين حب مستحيل وعاطفة جياشة.. طرحت المعادلات تلو المعادلات وأطرقت قائلة:
"إنه حب مستحيل بجميع المقاييس.. هل يصدق الجميع أنني أحب "لْعَرْبِي" من دون أبناء "الحومة"؟ "
..إنه شاب ضائع يعيش بلا هدف صحبة موت مطبق على جوارحه، قسا عليه الزمن.. إنسان توقفت عقارب الساعة بالنسبة إليه.. والظلم الذي وقع عليه من بني جلدته حيث وجد الطريق معبدة نحو جزيرة الضياع الأبدي، نحو صحراء العزلة القاتلة.. تتلقاه الشتيمة أين ما حل وارتحل ونداء الصبية " أَلْهْبِيلْ أَهُوَ.. أَلْهْبِيلْ أَهُوَ.."يتركه جمع من الصبية ليتلقفه جمع آخر والهتافات تعلو وراءه " حَمَاقَة لْهْبِيلْ ضْربَتُو طُومُبِيلْ..." لتتبعه لعنة المجتمع الصغير أيضا ويا لها من لعنة!!..
أدركت "ليلى" مدى المعاناة التي تسببت له هي أيضا فيها، فلها نصيب الأسد في ذلك.. رددت الكلمات التي كان يقابلها بها، المملوءة بالأحاسيس الصادقة في كل عودة من بيت خالتها، إنها نفس الكلمات، نفس التعابير، نفس الأحاسيس من نفس الشخص "لْعَرْبِي" الذات المحترقة من لهب المجتمع وشظاياه، أعادت الذكرى حالمة متأكدة من حبه لها وكلماته الفائضة بالمشاعر:
" ليلى كلمني واش عارفة أني كنبغيك كثر من حياتي غير جاوبي ولو مرة وحدة ريحيني.. ريحيني.."
فتتسلل من أمامه وهو لم يكمل نفس الكلام، في نفس المكان، وربما في ذات الزمان والتوقيت.. فالزمان قد توقف.. والأمل الأوحد إجابة من شفتي الحبيب، وقد طال زمن الإجابة "ليتها تكون قريبة.. ليتها.." قال والحسرة تملأ مشاعره.. يلاحقها في أدب حتى تقترب من "الحومة" فيرجع إلى ذات المكان.. مكان الجلوس ليكمل المشوار.. آخر نَفَس من سجائر لا حصر لها.. ثم أناخت تسترسل شريط الذكريات لتصل إلى أبعد نقطة.. إلى البداية حيث كانت الأرواح نقية.. وكان الجميع.. وكان حِينَهَا "لْعَرْبِي".. هذا الغريب الآن.. كله طموح.. كله إصرار على بلوغ الهدف.. -أن يفتخر به الناس جميعا عوض الاستهزاء به- أطرقت قائلة :
"أيكون ذلك الحادث الذي حصل لأهله هو السبب في كل هذا أم أنه القشة التي قصمت ظهر البعير.. أظن هذا وذاك.. إن جميع أهله قد فارقوا الحياة.. عندما كنا صغارا.. أتذكر يومها النار التي شبت في بيتهم إثر انفجار قنينة غاز فلقي كل الموجودين بالمنْزل حتفهم.. إلا هذا التعيس الذي كان في الخارج يلعب ويلهو.. كان المسكين لا يدري ما يخبئه له القدر.."
استرجعت الذكرى، وربطت السابق باللاحق، ودموعها تنساب على خديها كشلال، أصدرت أعماقها تنهيدات، آهات تعلن أنها ذات تحترق بين أدران المجتمع.. في الحال ومن غير المتوقع داهمت المشهد الضبابي أختها "انتصار" الفتاة المشاكسة، أبصرت أختها تكاد تهلك من شدة البكاء تساءلت :
"لابد أن الأمر عظيم .. ترى ما مفتاح المسألة.. ما الذي يجعل هذه الجميلة حزينة بهذا الشكل، ضروري من معرفة المسألة.. أَخِصَام؟.. لا أظن ذلك.. إذاً فهو الحب.. لابد من ذلك.."
تدخلت وكأنها عرفت كل شيء وأردفت قائلة:
"قُلْت لِيكْ أَنَّكْ غَادِي تْنَدْمِي عْلَى قَرَاركْ انْتِ كَتْحَبِّيهْ لْهَادْ الدَّرّجَة أُوكَتْرْفْضِيهْ.. عْلْ الْأَقَلْ اعْطِي فُرْصة لنفسك باش تفكري.. ها انت تنادم معاك الحال.. راه زوين.. أنيق.. أُو فوق هاد شي عندو لفلوس.. راه حتى هو عندو أمل أنك توافقي.. تيبغيك بزاف أو باين حتى انت.." قالت هذا وكأنها متأكدة من صدق ادعائها وأختها مطرقة الرأس تنظر إليها دون أن تنبس ببنت شفة عسى أن ترحمها وتصمت لكن "انتصار" تعود لتقول :
""سمير" شاب زوين أو ضريف كيحب كل الناس والناس كيبغيوه بزاف واحد لطالعلو فراسو هو "لْعَرْبِي" ما عرفتش علاش ولكن حتى هداك "لْهبيل زادفيه سيمنا ليفاتت مشى يقتل "سمير" على شويا.. ضيع راسو أوباغي يضع واحد قدامو مستقبل كبير.."
لم تترك "ليلى" أختها لتكمل تفاهاتها فَهَمَّتْ والحنق يرتسم على محياها وصرخت قائلة :
"اصمتي أرجوك.. اسكتي.."
لم تستطع ضبط نفسها أمام إصرار أختها على قلب المفاهيم وتزييف الحقائق.. حين يصير المجرم قاضيا وجلادا في نفس الآن.. فأطلقت العنان لمشاعرها وأجهشت بالبكاء.. أدركت أختها آنذاك أن هناك سببا آخر وعظيم جعل أختها بهذا الشكل.. عاودت استقصاء السبب لكنها اصطدمت ببركان أختها الذي انفجر بمجرد أن حاولت معرفة ما الأمر.. خرجت للتو من الغرفة التي تشح بنور خافت واتجهت صوب منْزل صديقتها "عطوش" عسى تجد عندها ما تشبع به فضولها...
راح "لْعَرْبِي" إلى شجرته كعادته، جلس بجانبها موجها نظره إلى نافذة حبيبته.. تحدث للشجرة عما قاساه هذا النهار في مشواره الطويل غير المنتهي من قبل الناس والأطفال.. لا أحد يرحم ضعفه.. تهم تطارده كاللعنة.. سباب على الأفواه أينما حل وارتحل.. يحكي لها كل شيء ويطلب منها أيضا أن تحكي له ما وقع في غيابه.. تطول جلستهما طويلا.. فيحسبه المارة القلائل ليلا أحمقا.. فيسخر منهم لأنه عرف كل أخبارهم والتي تشبههم في قبحها، بينما يجهلون هم حقيقته وأخباره.. إنه الصوفي المتغلغل في أعماق الأشياء، والسابر للأغوار، حيث تنكشف أمامه حقائق الأشياء المتحركة وغير المتحركة، وتتراقص في ذهنه ماهياتها، تتراءى له رأي العين، حيث المشاهدات والتجليات تحلق بين ثناياه، يتغلغل في كنه الشيء حتى يبلغ المرام، فينقش عباراته في كنه الذات بدم الحقيقة، ويصل إلى قناعات راسخة أن لا أحد يستحق منه الاهتمام سوى محبوبة الفؤاد وشجرته الوارفة الظلال... ارتجفت فرائسه من جراء البرد الشديد الذي تجود به طبيعة نونبر حيث الطقس يعرف بعض التقلبات وخاصة كل مساء حين تشتد البرودة.. أحس "لْعَرْبِي" بقهر تلاه يأس شديد لقسوة الطبيعة عليه رغم أنه صديقها.. جلس القرفصاء حتى تتجمع أعضاؤه وتستدفئ، اختبأ وراء الشجرة ليتجنب شدة البرد.. أخذ يتأمل الحي وفراغه القاتل؛ سوى من بعض القطط والكلاب الضالة وبعض الأوراق وقطع البلاستيك التي تتقاذفها الريح من كل جانب فتتجمع في مكان مغلق والظلمة التي تكتسح المكان رغم ضوء المصابيح التي تشح بضوء بائس بؤس هذه الليلة.. والكل قد أغلق باب داره خوفا من مصير مجهول قد يلحق بهم؛ كسطو لصوص أو ما شابه ذلك.. سبح في عمق الذاكرة.. أيام طفولته حيث كان يلعب مع الأقران بالضبط في هذه الساحة الممتدة أمامه الآن مع أصدقائه "حسن، فريد، سمير، عبد الرحيم..." إنهم الآن في أحسن حال.. تذكر الشجار الذي كان ينشب بينهم حول "ليلى" البنت المذللة حيث كانوا يواظبون على اللعب العنيف إلى أن تأتي الطفلة المذللة ليتحولوا إلى لعبة "اشقيفة" حيث يجمع كلا الفريقين شقائف الآجر فيرتبونها عموديا ويسقطونها أثناء التباري لمعرفة أي فريق سيفر ومن سيتبعه ويمسك كل واحد على حدة وذلك برميه بكيس يتم ملؤه بالورق وقليل من الأحجار وإصابة الهدف.. كانوا يختلفون حول "ليلى" أي فريق سيضمها إليه، فتظل متسمرة في مكانها تنظر إليهم حتى ينتهوا من لغطهم، وعند تعذر إيجاد الحل المناسب تَنْظَمُّ "ليلى" في كبرياء الطفولة إلى فريقه.. ابتسم "لْعَرْبِي" لعله وجد حلاوة الذكرى بالرغم من البرد الذي يلفحه ذات اليمين وذات الشمال، فاكفهر وجهه لأنه أحس ولأول مرة أنه قريب..من.. وراحت الذكرى تستمر في التقاطر على ذهنه الغائم.. الصراع دائما يقوم حول "ليلى" فكيف فضلت عليهم "لْعَرْبِي".. تستمر اللعبة مادام الفريق الخصم لم يمسك اللاعب الأساسي حيث كان يحرر أصدقاءه من قبضتهم وهكذا إلى أن تنتهي اللعبة.. ما أجمل عالم الطفولة حيث تتلاشى الأحقاد...
بدأ النوم يداعب صديقه "لْعَرْبِي".. فأجفانه أخذت تطبق الواحدة على الأخرى في رحلة استمرت طويلا بين متاهات الذاكرة ومرارة الواقع.. بينما استرخت "ليلى" فوق سريرها الدثير قرب شقيقتها بعدما قضت وقتا طويلا تراقب خلاله تصرفات "لْعَرْبِي" وترسم تلك الصورة الراسخة في مخيلتها دون أن تتجزأ.. صورة مأساوية لشاب ينام في العراء دون أي شيء يقيه الشر المستطير لهذه الليلة المستعرة، صورة من صور ظلم المجتمع.. حين يصبح الإنسان مجردا من الأحاسيس والمشاعر.. فتجاهل سكان الحي لوضعية "لْعَرْبِي" إنما هو قتل لآدميته، حتى أصبح كالحيوانات الضالة لا يجد من يؤويه.. فأواه الشارع بكل تناقضاته.. مشهده مستلق على الأرض والريح القوية التي تلفحه وترفع عنه ملابسه الممزقة، وقدماه الحافيتان غدت تصارع اللحظات.. ضاق صدرها من هول ما رأت، فَهَمَّتْ بإخراج الغطاء له.. لكنها لم تستطع لأن ذلك يعد جريمة في عرف حيهم.. قعدت تنتظر الصباح واضعة رأسها بين ركبتيها مشبكة أصابعها حول ساقيها النحيفتين.. أخذت ترسم ملامح "لْعَرْبِي" في مخيلتها المكفهرة.. بقيت على هذه الحال مدة طويلة.. وفي شجاعة وإقدام لم تعهدهما فيها من ذي قبل قامت وأقلت غطاء ل"لْعَرْبِي" متحدية جميع الاحتمالات.. كانت الرياح تداعب ملابس نومها فتعري ساقيها وهي لا تبالي بما يقع.. همها الوحيد إيصال الغطاء لحبيبها.. رأتها أمها وهي خارجة من البيت فلم تفهم سبب ذلك.. فأخبرت والدها بهذا.. ترجل الوالد من فوره خارجا خوفا من المستور..تتلاحق أنفاسه.. فوجد أهل الحي مجتمعين حولهما.. فضيحة منتصف الليل ستجد "الحومة" ما تلوكه صباحا.. خبر طازج.. تَدَخَّل والدها معنفا هذه العصفورة.. أمسكها من ناصيتها وطرحها أرضا.. لكن هذا ما زاد الحقيقة ترسخا وزاد من تأجج نيران حقدها على مجتمعها والذي لن يخمدوه ولو أتوا بماء البحر.. سمعتِ الناس يتناجون فيما بينهم بأقوال غريبة لم تعهدها من ذي قبل.. ردت حائرة وسط هذا المجمع
""لْعَرْبِي" إنسان بحالنا،أُو من حقو يعيش، من حقو يكون عل الأقل بحالنا، فين دارو..؟ سرقتوها لو.. خايفين منو.. انْتُمَ جبانة، واش نسيتوا أنكم كنتو كتوقفوا على دار باه، واش هادي هي الحقيقة أو لا.."
قاطعها أحدهم قائلا :
"متغيريش الموضوع.. انت خليلتو.. حبيبت المزلوط .."
بصقت أرضا في احتقار باد، وأكملت حديثها على إيقاع ضحكات سكان الحي والتي تعالت
"مالو حسن منكم عل الأقل إنسان كيبغيني بصدق.. أو حتى أنا كنبغيه كنبغيه.."
لم يفهم "لْعَرْبِي" مايحصل غير أنه بقي يحملق في الوجوه.. هل قامت الحرب فعلا أم معركة وتنتهي؟..هل يقوم ويرفع الستار على الكل ويكشفهم أمام بعضهم أم يظل كأبي الهول صامتا حتى تموت الحقيقة بداخله أم ماذا..؟ لم يفهم لحد الساعة ماذا يجري.. مازالت"ليلى" تدافع عن أحقيته في الحياة والجميع ينظر إليها نظرات خرساء وكأنهم يستمعون إلى خطبة لم يفهموا منها شيئا.. غير أنهم اكتشفوا المستور ..مازالت تصارع اللحظات حتى صرخت أمها في وجهها قائلة :
"أفيقي من النعاس راكي عيقتي يالله فيقي.."
قامت "ليلى" فزعة "فين "لْعَرْبِي" فين "لْعَرْبِي".."تأكدت حينها أن ما واجهت به أهل حيها كان حلما " ما أجمله من حلم!!" استطاعت من خلاله مواجهة ظلم أهل الحي لكن يظل حلما لا يضر ولا ينفع.. ارتدت ملابسها وخرجت بسرعة الى "لجنان" الى مكان "لْعَرْبِي" فلم تجده فقالت :
"فين يمكلو يكون فهاد الساعة .. ديما هو هنا أش وقع؟.. فين مشا لعزيز علي.."
فأطرقت عائدة إلى بيتها.. سألت أمها عنه فأجابتها بعد طول صمت أدركت خلاله أنه أمر جلل حصل لحبيبها..
"راه مسكين لقاوه ناس دلحومة ميت تحت الشجرة .. حتى هو رتاح من هاد الدنيا.."
لم تترك أمها تكمل فقد فهمت الأمر كما توقعته أمر جلل.. فصرخت وقد أصابها الذعر
"علاش مصبرتيش.. علاش.. راني أنا هنا علاش رحلتي.."
صرخت وصرخت لكنه صوت بلا صدى فالمنادى انتهى نهاية كل مظلوم مرميا في مزبلة التاريخ الإنساني، ولكن إلى عالم العدل.. قعدت "ليلى" شاردة ودموعها الهفهافة تسيل كشلال وتنادي " هاأنا الآن لم تعجلت الرحيل؟ كنت سأعترف لك بحبي لم تعجلت..؟ لاتذهب .. لا تذهب.." رددت الآهات تلو الآهات فلن ترجعه.. قد فات الأوان كان بالأمس هنا.. رحل كما ترحل الأشياء الجميلة.. حظ الجمال قليل، والحق لايظهر إلا لماما.. رحل من كان بالأمس بيننا..لم يعد من ندعوه "لهبيل" لم يعد بيننا من يستحق أن نحبه إنه كالسراب ظهر في غفلة من الزمن ثم تلاشى خرجت تائهة تقول :
"مات لهبيل.. ياك مات لهبيل.. رتاحتو.." بقيت هكذا تعد اللحظات فهذه النهاية كانت الوتد الذي غرس في نعش أهل الحي.. فظل سرا تحمله طول حياتها، فقد مات.. ولم يسمع منها كلمة كان يتمناها طوال حياته، فقررت أن تلحق به عساهما يلتقيان هناك حيث الأرواح ويحققا ما عجزا عن تحقيقه في عالم الشر وعالم الرذيلة.. وبهذا ضاع الأمل وَضاع الإنسان وسط أخيه الإنسان.
فاس في :06/07/1993 bahirra
المرجو من الإخوة القراء احترام الخصوصية









آخر مواضيعي

0 أساتدة الثانوي الإعدادي المدمجون يحملون الوزارة المسؤولية
0 39طريقة لجعل حياتك افضل
0 لماذا خبت أصوات منتظري الحركة الانتقالية
0 إختبر ثقافتك العامة‏
0 بـــــلاغ النقابـة الوطنيـة المسـتقلة للـدكاترة بالمــــغرب
0 بعد تعثر اللقاء الجديد من الحوار الاجتماعي، النقابات تتهم الحكومة وتلوح بالتصعيد
0 أمــــــريـــــــكــــا
0 الولادة
0 شذرات
0 حتى بقلم الرصاص


tijani
:: دفاتري ذهبي ::

الصورة الرمزية tijani

تاريخ التسجيل: 27 - 3 - 2008
المشاركات: 1,459

tijani غير متواجد حالياً

نشاط [ tijani ]
معدل تقييم المستوى: 370
افتراضي
قديم 21-03-2009, 17:03 المشاركة 2   

الكاتب كريم
مرحبا بك في هذا المنتدى الادبي
مرحبا بإبداعاتك أخي الكريم .
بخصوص قصتك هذه ، هي طبعا جميلة ..أحداثها مشوقة ، وأسلوبها رفيع ،مما يحيل على تمكن جيد في اللغة العربية .

فقط لاحظت ورود بعض الجمل التقريرية ، مما يعطي انطباعا بتدخل الكاتب في التعليق على الاحداث ، ومعلوم أن الجمل التقريرية تفقد القصة متانتها وجمالية انسيابها بل تذهب ببعض تشويقها .
كما لاحظت بعض التكرار الذي يدخل في الاطناب كقولك: فين "لْعَرْبِي".."تأكدت حينها أن ما واجهت به أهل حيها كان حلما " ما أجمله من حلم!!"
ومن ضمن الجمل التقريرية على سبيل المثال قولك :استطاعت من خلاله مواجهة ظلم أهل الحي لكن يظل حلما لا يضر ولا ينفع..
على كل حال ، هي مجرد ملاحظات ، لن تفقد القصة أهميتها وقيمتها .
بالتوفيق في القادم من أعمالك
تحياتي


bahirra
:: دفاتري جديد ::
الصورة الرمزية bahirra

تاريخ التسجيل: 4 - 1 - 2008
المشاركات: 63

bahirra غير متواجد حالياً

نشاط [ bahirra ]
معدل تقييم المستوى: 0
افتراضي
قديم 22-03-2009, 16:07 المشاركة 3   

الكاتب كريم
مرحبا بك في هذا المنتدى الادبي
مرحبا بإبداعاتك أخي الكريم .
بخصوص قصتك هذه ، هي طبعا جميلة ..أحداثها مشوقة ، وأسلوبها رفيع ،مما يحيل على تمكن جيد في اللغة العربية .

فقط لاحظت ورود بعض الجمل التقريرية ، مما يعطي انطباعا بتدخل الكاتب في التعليق على الاحداث ، ومعلوم أن الجمل التقريرية تفقد القصة متانتها وجمالية انسيابها بل تذهب ببعض تشويقها .
كما لاحظت بعض التكرار الذي يدخل في الاطناب كقولك: فين "لْعَرْبِي".."تأكدت حينها أن ما واجهت به أهل حيها كان حلما " ما أجمله من حلم!!"
ومن ضمن الجمل التقريرية على سبيل المثال قولك :استطاعت من خلاله مواجهة ظلم أهل الحي لكن يظل حلما لا يضر ولا ينفع..
على كل حال ، هي مجرد ملاحظات ، لن تفقد القصة أهميتها وقيمتها .
بالتوفيق في القادم من أعمالك
تحياتي
أشكرك أخي على هذه الملاحظات والتي إن دلت على شيء فتدل على تمكنكم من ميكانيزمات الكتابة القصصية وللملاحظة فهذه القصة قد كتبتها وهي موثقة بذلك سنة 1993 أي مدة 16 سنة والسبب الذي جعلني أشارك بها هو أنها بقيت محجوزة الرفوف هذه الفترة من الزمن وأردت الإفراج عنها ووضعها ضمن قائمة الأحياء رغم علاتها وتبقى تجربة لمبتدئ وملاحظاتك في محلها أخي وأشكرك أخي على هذا التقييم للإشارة فقد شاركت في هذا المنتدى بقصة أخرى بعنوان سفينة الموت وهي في الصفحة 22 من صفحة القصص والروايات
مشكور أخي


التعديل الأخير تم بواسطة bahirra ; 22-03-2009 الساعة 16:10
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الممل, ضاع, قصة, قصيرة

« التبركيك | قصة قصيرة : العودة »

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصة قصيرة جدا ابن عربي زمانه القصص والروايات 8 01-05-2009 23:17
قصة قصيرة عبد السميع بنصابر القصص والروايات 0 22-03-2009 08:28
5 قصص قصيرة جدا.. عبدالكريم القيشوري القصص والروايات 7 22-02-2009 16:04
قصة قصيرة talibi القصص والروايات 6 29-03-2008 15:59


الساعة الآن 18:39


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر تربوية © 2007 - 2015 تصميم النور اونلاين لخدمات الويب المتكاملة