السلام عليكم
و بعد:دراسة سريعة حول المعنى الكتابي لكلمة بدعة, وهرطقة ؟
الكلمة "هرطقة" من اليونانية αἵρεσις "هايرِسيس" (أصلها من αἱρέομαι "هايريوماي" بمعنى "يختار")، و هو ما يعني اختيارا مغايرا في العقيدة . كان إرنايوس Irenaeus هو من أعطى الكلمة زخمها المعروفة به حاليا في مؤلفه Contra Haerese "ضد الهرطقات" الذي وصف فيه و فند آراء مناوئيه في بدايات الكنيسة المسيحية، و قد وصف إرنايوس نفسه بأنه أورثودوكسي ("أوروثو" تعني "صحيح" و "دوكسا" تعني عقيدة)، و قد تطور موقفه ليصبح في النهاية الموقف الرسمي للكنيسة المسيحية المبكرة.
لذا فكلمة "هرطقة" ليست وصفا موضوعيا و إنما تنطلق من وجهة نظر من يستخدمها الذي ينتمي إلى جماعة كانت قد اتفقت فيما بينها مسبقا على ما هو "أورثودوكس"، أي صحيح و ملتزم بالأصل، أي أصوليا. فلكي يوجد من يمكن وصفه بالمهرطق فإنه يجب أن يسبقه وجود نظام راسخ من المعتقدات (دوجما) يوصف بأنه أورثودوكسي. و تستخدم كلمة "هرطقة" لوصف أي رؤية لا تتوافق مع الراسخ في أي مجال.
تستخدم لفظة "أورثودكس" في المسيحية الأورثودكسية الشرقية و البروتستنتية و الإسلام (في الكتابات الغربية أساسا) و بعض الفرق اليهودية و بقدر أقل في بعض الديانات الأخرى. كما توصف التنويعات على الفكر الماركسي اللينيني بأنها انحرافات إلى اليمين أو إلى اليسار. و في العلوم يستخدم وصف "هرطقة" على نحو مجازي ساخر.
لا يصفُ من يُعَدُّون هراطقة آراءهم على أنها هرطقات، فمثلا يرى المسيحيون اللاتين الكثوليك أن البروتسنتية هرطقة، بينما ترى جماعات غير كاثوليكية أن الكاثوليكية هي الردة العظيمة.
و على النحو المقابل فإن من يوصفون بأنهم هراطقة يرون أنفسهم على أنهم إصلاحيون أو مجددون أو أنهم ينقون العقيدة و يخلصونها مما شابها، أو أن فهمهم لها لهو الفهم الأصلي الذي انحرفت عنه الجماعة التي تصف ذاتها بأنها أرثودكسية.
وهي ترجمة للكلمة اليونانية " هيرزيس " (hairesis) المشتقه من الفعل "هيريو " (haireo) بمعني " يأخذ أو يختار أو يفضل " والصفة منها "هيريتك" (heretik)، ومنها جاءت كلمتا " هرطقة وهرطوقي ". ولم يكن لها معني "الهرطقة " في الكتابات الكلاسيكية، ولكن في بداية العصر المسيحي صار لها هذا المعني، أي أنها تعني كل مايتعارض مع الرأي القويم، أو هي كل نكران لحق قويم. وتترجم نفس الكلمة اليونانية في بعض المواضع في العهد الجديد ( ترجمة فانديك ) " بمذهب أو شيعة ".
1- في العهد الجديد : تستخدم الكلمة في العهد الجديد بعدد من المعاني،
فهي قد تدل علي مدرسة فلسفية أو مذهب ديني، كما قيل عن الصدوقيين " شيعة الصدوقيين ، و " مذهب الفريسيين "
وتستخدم*هرطقة*:/بدع/ في لهجة الاستهجان والتعنيف : " لابد أن يكون بينكم بدع أيضاً ليكون المزكون ظاهرين بينكم " للدلالة علي الانقسام والشقاق في داخل كنيسة كونثوس. كما يستخدمها بهذا المعني أيضاً بين أعمال الجسد البغيضة : " وأعمال الجسد ظاهرة التي هي زني عهارة ….. تحزب شقاق بدعة.. "
وتستخدم بمعناها اللاهوتي المعروف : " كما سيكون فيكم أيضاً معلمون كذبة الذين يدسون بدع هلاك، و تعني هنا الإِنحراف المقصود–عن وعي – عن التعليم الصحيح. " الرجل المبتدع بعد الإِنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالما أن مثل هذا قد انحرف وهو يخطيء محكموماً عليه من نفسه " " مبتدعين شروراً.. " أي أنهم يخترعون شروراً (كما جاءت في بعض الترجمات ).
كان علي الكنيسة أن تعالج موضوع البدع ( الهرطقات ) منذ عصورها الأولى، فقد بدأ الخطأ يتسلل إلي الكنيسة عندما نمت، فقد حاولت الأعداد المتزايدة ممن اعتنقوا المسيحية، أن تفهم الإِيمان المسيحي وأن تحسن التعبير عنه، ولقد كان لزاماً علي الكنيسة أن تشجب الأخطاء التي تمسك بها أصحابها في عناد وتحدَّ، وقد أدي ذلك إلي صياغة العقيدة القويمة، لأن المدافعين عن الإِيمان شجبوا هذه الأخطاء وأعلنوا الحق بدقة ووضوح، أو بالحري بينوا حدود التعليم الصحيح.
وعندما شجبت الكنيسة البدع المختلفة مثل الغنوسية والمونتانية والماركونية والأريوسية وغيرها، كانت مضطره لايضاح التعليم الصحيح المختص بالثالوث الأقدس، وبوضع العقيدة في عبارات محددة ليكون ذلك سبيلاً لتصويب الخطأ.
إذن فلنحذر هؤلاء الهراطقة الذين يزيفون المفاهيم الكتابية السليمة
تحاياي للفاضل..الباحث..:محمد معمري