مشردو غزة: اقترب الصيف وحاصرتنا الأفاعي
علا عطا الله
اسلام اون لاين 22-4-2009

الغزاويون يرون أمل الإعمار بعيدا
غزة - وهـي تستـعد لنشـر آخـر قطـعة من ثياب صغـارها على حبـلٍ ضعيف بال، ارتفـع صيـاح طفـلها صـاحب الأعوام السبعة، وأخـذت نبرات صـوته تستغيث بخـوف: "ماما...مااااما"، وعـلى الفـور تـركت أم "محمـود سـلطان" ما بيـدها لتهرول نحـو صغيـرها الذي وقف متسمرا على عتبـات الخيـمة، ونظرات الرعب المنطلقة من عيـونه لا تفـارق شقيقه الرضيـع "براء" النـائم في سبـات عميق، وهـو لا يدري أن أفعى صغيـرة ترقد إلى جـواره.. الأم المصـعوقة لهـول المشـهد الماثل أمامـها نفضت خـوفها جانبـا، وأمسكت بأقرب عصـا، وأخذت تضرب الأفعى بقـوة.. وبعد أن اطمأنت لموتها وزوال الخطـر تركت العنان لدموعـها، وأخذت تعانق رضيـعها وتمتمت بـحروف اختصرت وجـعها: "يا الله... إلى متى سنبقى في هـذا العذاب".
"إسـلام أون لايـن.نت" التي تعثـرت بتفاصيل هذه الصورة الدامعة أثناء تجـولها في ممـرات الخيـام المنتشـرة في شمـال قطـاع غـزة انتظـرت برهـة من الوقت لكي تستجمع أم محمـود قـواها.. على خدها انسابت دمـعة وارتجف صوتها المتقطـع: "كدت أفقـد براء.. كان على وشك المـوت.. لو لسعته الأفعى لما بقي للحظات".
ماذا سنفعل؟
طالع أيضا: الأم القاطنـة هي وزوجـها وخمسـة من صغارها في خيمـةٍ متواضعـة تشعـر بالقهـر لما وصـل إليـه حـال القابعين في خيـام الإيـواء، بعد أن شردتهم الحرب الشرسـة التي شنتها إسرائيل على القطاع أواخر ديسمبر العام الماضي لمدة 22 يوما.
وبـعد مضي نحـو ثلاثـة أشهـر لا تُصدق أم محمـود أنها تمكث إلى الآن في خيمـةٍ لم تقـها برد الشتاء، ولن تحميـها من حـر الصيف القـادم، تستذكر بيتـها بطـوابقه الثلاثة بدموعٍ حـارقة: "لا سـرير لطفلي براء (خمسة أشهر)، درجـة الحرارة بدأت ترتفـع والزواحف أخذت تنتشـر، لا أدري ماذا سنفـعل؟".
آلاف المشـردين ومن نكبـتهم الحـرب صـارت ألسنتهم تُردد بخوف تساؤل أم محمود، فاقدين الأمـل في إمكانيـة إعادة إعمـار ما دمره الاحتـلال، فعلى مقـربةٍ من باب خيمـته أخـذ الحاج رفعت الغول يضع كـومة من الحجارة كسدٍ منيع أمام الحشرات الزاحفـة، وبينـما هو منهمك في عمـله قال لـ"إسلام أون لاين.نت": "مكثنا هنا في الشتاء والبـرد، ويبدو أننا سنقضي الصيف بطوله، الحديث عن الإعمـار نسمعه فقط في وسائل الإعلام.. ويبدو أنه حـلم لن يتحقق".
وينتاب الحاج رفعت والكثـير من جيـرانه الذين تحلقوا حـوله السخـط الشديد لإقـامتهم في المخيمات دون أن تنصت قلوبهم المتعبة لخبرٍ عاجل جميـل يهديهم الفـرح والأمـان.
الأفاعي والبعوض
وهي تطرد البعـوض من على وجـه صغارها النائمين في خيمـةٍ بدت وكـأنها التنور؛ لعجزها عن صد حرارة الشمس، قالت أم رامي الناعوق لـ"إسلام أون لاين.نت": "لم أرَ في حياتي بعوضا ينتشر في وضح النهـار".
تُشير بغضب إلى المكـان من حـولها: "الحرارة ارتفعت، ونحـن في الربيـع فكيف سيكون حالـنا بعد شهـر.. سنموت اختناقا، الذباب والبعوض والحشرات بمختلف أشكالها وأنواعها بدأت في زيارتنا!!".
ولا يكـاد يمـر يـوم إلا وتطلب "أم همام عبد ربه" من زوجـها البحث عن بيتٍ ولو من غرفة واحدة؛ لكي يحتضنهم بعيدا عن حر الصيف ولسـعاته، وبكثيـر من الضيق والتبرم تُضيف: "لم نعد نحتمل هذا الوضع المأساوي.. غدا ستزحف نحو صغارنا الأفاعي والعقارب.. والإعمار يبدو بعيدا.. بعيداااا".
وفي خيمـةٍ تكدس فيـها أكثـر من 12 فردا أخـذ الصغير "سميـر" يبكي بيـتهم المكون من أربعة طوابق، والذي حولته الدبابات الإسرائيلية إلى كـومة من الركام، أما شقيقته هنـد فأخذت تفكـر بصوت مسموع: "هل سنقضي الصيف في هذا المكان؟ وكيف سنعيش..؟؟".
وأسفرت الحرب الإسرائيلية على غزة عن استشهاد نحو 1420 فلسطينيا، وجرح أكثر من 5450 آخرين، وتدمير أكثر من 16 ألف منزل، منها خمسة آلاف منزل غالبيتها دمر بشكل كلي.
وبعد العدوان باتت أكثر من 35 ألف أسرة في قطاع غزة مشردة بلا مأوى، وأصبحت الخيمة هي مسكنهم الدائم أمام ندرةِ شديدة في الشقق المعروضة للإيجار بعد زيادة الطلب عليها.
إعادة الحياة
وفي بيت لاهيا شمـال قطـاع غـزة انشـغل الشاب "فهمي حميد" في صنـاعة مظلة من سعف النخيل لتقيهم الحر القـادم.. فهمي لا يبـدو متفائلا بما تحمـله الأيام المقبـلة، وبنبرات يائسة قال: "أخشى أن يتحـول مكوثنا في الخيام إلى إقامة دائمـة.. لا يبدو أن الأمور ستتحسن.. بل على العكس ربما تسـوء".
وفـي محـاولةٍ لتسريع عملية الإعمـار قال وزير الأشغال العامة والإسكان في الحكومة الفلسطينية بغزة "يوسف المنسي" إن حكـومته بدأت في تنفيذ المرحلة الأولى من خطة إعادة إعمار القطاع المتمثلة في بدء حصر وتدقيق خسائر كل ما يتعلق بالأضرار، وذلك من خلال لجان فنية وهندسية وطواقم عاملة بالوزارة.
وقال في تصريحات صحفية إن الحكومة ستعمل بالإمكانات والآليات المتوفرة لديها، حرصا منها على التخفيف عن معاناة وآلام المـواطنين، داعيا إلى العمل الجاد من أجـل رفع الحصار، وفتح المعابر لدخول مواد وآليات البناء.
من جانبـه حذر تحالف من المؤسسات الدولية الإنسانية العاملة في غزة في بيانٍ له من أن هناك عشرات الآلاف من سكان القطاع لا زالوا يعيشون بلا مأوى، وبدون أي خدمات أساسية.
كما دعت المؤسسات الدولية (من بينها مؤسسة أوكسفام الدولية) و (وور تشايلد) المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي بالقيام بإجراءات عملية سريـعة لإعادة إعمار غـزة من خلال فتح جميع المعابر، والسماح بدخول البضائع بشكل طبيعي.
وبدوره أكد ديفيد كريج المدير والممثل المقيم للبنك الدولي في الأراضي الفلسطينية، أن "إحياء غزة شرط أساسي لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة"، مشددا على أن تنفيذ مشاريع الإعمار والتنمية التي يمولها المانحون لن يكون ممكنا إلا بعد رفع القيود المفروضة على إدخال المواد الأساسية إلى غزة، بما في ذلك الأسمنت والحديد والزجاج والمعدات وقطع الغيار، إضافة إلى القيود التي تحول دون تدفق النقد بشكل مستمر إلى النظام المصرفي في القطاع.
وجدد التزام البنك الدولي بدعم سكان غزة للنهوض مرة أخرى، وإعادة إعمار ما تهدم بالقطاع.