رحلة..
***
جمعت كل ما طالته يدها الكريمة : دجاج ، لبن ، بيض بلدي ، زبدة ،...
شحن الابن "الشواري " وأرخى العنان للحمار الذي طفق يشق طريقه صوب " الفيلاج " ؛ إنه يحفظ التواءات الطريق وكأنه أعرابي يقتفى أثر قافلة مرت بصحراء .
يدندن الولد ببعض الأهازيج تتخللها جَلـْـدات مؤلمة تتوالى تباعا على عنق الأبكم ؛ مصحوبة بـ " أرَّ " حاثا رَكوبه على المسير ، وهي خلفه لا تلوي على شيء ، متمنطقة بـ " الشَّربيل " حتى لا تغير لونـَه الغبراءُ .
وصل صوتُ هديرٍ آذانها فأصاخت السمع :
- إنها قادمة ؛ تصيح ويمناها اليابسة أعلى عينيها تغطي أشعة الشمس حتى لا تحجبها عن رؤية الأفق ، أما اليسرى ،فتتفقد صُريرة بمنديلها الباهت..
-" 5 دراهم ، ثمن قهيوة " ، قال " الكريسون " وهو يعبئ صندوق الحافلة بالمرفقات، والديـَكة تمد ألسنتها جرَّاء الرمضاء ،كمن يشكو مظلمته لمحام فاشل.
- " عفاك تكايس أوليدي راه كاين ما يتهرس " .
- " رووووووول " غير آبه بما تقول ...
وتنطلق مخلفة دخانا كثيفا أسود امتزج بغبار جوانب " المنجورة " [1]، زوبعة أثارت حفيظة من لم يحِن دوره بعدُ ، فإذا أصناف عبارات الشتم - وقد تفننوا في صياغتها - تقتحم أذنيك دونما استئذان.....
- " شي بلاصة راني ضَخْت آوليدي " ، وقد أحكمت قبضتها على صريرة المنديل..
- " حمدي الله آ الوليدة كضوخي بلا فلوس ، حنا راكنخسرو رزقنا باش نضوخو ".. يجيب المساعد موسعا بمنكبيه ما بين الحشود الواقفة ليستخلص ثمن التذاكر.
وتنطلق عاصفة ٌ من الضحك اختلطت ورائحة َالعرق المنبعث من خلف الجلابيب التي لا تغادر الجسد - وكأنها وقَّعت معه عقد استشهار- إلا عند دخول " المتروسة " [2] ، أو إذا أراد " الطالب " غسل جسد صاحبها ليلحق بالسابقين ...
إنه يوم الأربعاء ، حيث ينعقد السوق الأسبوعي ، وكذا موعد رجوع القروية من "الدار البيضا " ، أو بالأحرى التي كانت بيضاءَ ولم تعد.
قال الابن وهو يهمِز الحمار صوب المربـِط : - كعادتك ، غدوتِ محملة ً ورحت خاوية الوفاض كشاحنة قنينات الغاز حين تحل بدكان " سيدي حْمد"...
- " راني خليتهم ناعسين آوليدي " ؛ تردُّ وعيناها تحسُب الدجاجات التي أقبلت مسرعة ، وتُطمئن البقرة التي ضج المكان بخوارها أن سوف آتي.. تجمدت يدها وهي تتحسس الصريرة وقد فُـكت عقدتُـها في غفلة من أناملها الحارسة..
نهق الحمار محتفلا بإطلاق سراحه ،بعد أن مرغ جسمه المنهك بتراب الوطن..
علال **05 – ماي - 2009
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
(1) الطريق المعبدة بلهجة منطقة أولاد فرج بدكالة .
(2) الحمَّام بلهجة سكان العونات بدكالة ، وهي عبارة عن سلة من قصب أو أعواد شجرة " الخرواع " تنسج على شكل سلة كبيرة فتصلح حماما " بلديا" .