مشاهد مقدسية من زمن الحروب الصليبية 2 /2 - منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية
تسجيل جديد
أبرز العناوين



أدوات الموضوع

الصورة الرمزية ابن الاسلام
ابن الاسلام
:: تربوي ذهبي
ناصر القضايا العادلة ::
تاريخ التسجيل: 11 - 9 - 2008
المشاركات: 3,085
معدل تقييم المستوى: 525
ابن الاسلام على طريق التميزابن الاسلام على طريق التميز
ابن الاسلام غير متواجد حالياً
نشاط [ ابن الاسلام ]
قوة السمعة:525
قديم 17-05-2009, 06:33 المشاركة 1   
افتراضي مشاهد مقدسية من زمن الحروب الصليبية 2 /2

مشاهد مقدسية من زمن الحروب الصليبية 2 /2

طالع الجزء 1
من هنا

ط§ط¶ط؛ط· ط¹ظ„ظ‰ ط§ظ„طµظˆط±ط© ظ„ط±ط¤ظٹطھظ‡ط§ ط¨ط§ظ„ط­ط¬ظ… ط§ظ„ط·ط¨ظٹط¹ظٹ
ملحمة تحرير بيت المقدس
إن ملحمة التحرير التي قادها صلاح الدين الأيوبي بدأت منذ اللحظات الدامية التي سقطت فيها المدينة أمام جحافل الفرنج الظالمة في السنة الأخيرة من القرن الحادي عشر الميلادي حقا، كما أن القدس كانت رمزا وعنوانا للوجود الصليبي "مملكة بيت المقدس" حقا.
ولكن "صلاح الدين" كان رمزا وعنوانا على المقاومة وال**** الإسلامي ضد العدوان، وكان هو الذي كرَس حياته لتحرير القدس على نحو ما سنرى في الجزء الثاني من هذه الدراسة التي تحاول أن تتعمق في سردية التحرير والمعركة الفاصلة في إستراتيجية الاسترداد.
الحركة على رقعة شطرنج


بدأت التحركات العسكرية على الجانبين فيما يشبه مباريات الشطرنج التي يستخدم فيها كل طرف ما يملك من الموارد على أفضل وجه، وما يتمتع به من جسارة وذكاء، وفي الوقت نفسه، كان الفرنج مترددين ما بين الأخذ بنصائح "ريمون السانجيلي الثالث"، كونت طرابلس، ورأي فرسان الداوية الذين كانوا يتسمون بالاندفاع والتهور.
وهنا تجلت العبقرية العسكرية في الأساليب التي اتبعها صلاح الدين، فقد كانت معركة حطين وما أعقبها من معارك، في التحليل الأخير، تتويجًا ناجحًا للإستراتيجية التي سار عليها لكي يسترد بيت المقدس وتحرير المسجد الأقصى.
ففي الفترة السابقة على معركة حطين قضى صلاح الدين الأيوبي حوالي ثلاثة عشر شهرا، بصورة متقطعة، في القتال ضد الصليبيين، على حين أمضى ثلاثة وثلاثين شهرا، بصورة متقطعة أيضا في القتال من أجل بناء الجبهة المتحدة في الفترة من خريف سنة 570 هجرية /1174م، وسنة 581 هجرية / 1186م، عندما عقد معاهدة مع أمير الموصل ضمنت له السيادة الاسمية على هذه الإمارة القوية(36).
ويمكن أن نخرج من هذه الحقيقة باستنتاج مؤداه أن السلطان كان يدرك تماما أن بناء الجبهة المتحدة أمر في غاية في الأهمية قبل مواجهة الصليبيين: فقد بادر بعد هذه المعاهدة إلى تنفيذ الجزء الأخير من إستراتيجيته بعيدة المدى لتحرير القدس.
ويقول ديفيد جاكسون: "... وفى اعتقادي أن دافع صلاح الدين المتعلق بالإخلاص الديني، عندما يتم تقييمه بدقة، يجب أن ينال التقدير لعدم توافر أي دليل على عكسه، وعلى الرغم من وجود آراء مناقضة أخرى، فإنني أعتقد أنه يجب علينا أن نوافق على أن الدافع الأكبر لصلاح الدين كان في الحقيقة مواصلة ال****، وأن هدفه الأعظم كان الاستيلاء على القدس وتدمير القوة العسكرية للمملكة الصليبية باعتبار ذلك الشرط الضروري لتحقيق هذا الهدف.
وبينما يمكن النظر إلى محاولته لقتال الأمراء المتنافسين باعتبارها خدمة لمصالحه ومصالح عائلته الخاصة؛ فإنني -على الرغم من هذا- أعتقد أن سيرة حياته كلها تقدم الدليل على أن دوافعه ومبرراته الخاصة والمعلنة ظلت راسخة لا تتغير... لقد تمثل إنجاز صلاح الدين في أنه كان قد اختار هدفا يمكن الوصول إليه..."(37).
أما الفرنج الصليبيون فكانت خطتهم تقوم على أساس تجنب المواجهة مع المسلمين قدر الإمكان؛ ومن ثم قامت إستراتيجيتهم على خطة دفاعية بحتة(38)، وكانوا حريصين على الحيلولة دون نشوب حرب سريعة ينتصر فيها جيش المسلمين (وقد كان هذا موقف الفرنج الصليبيين في حروبهم على الدوام).
وكان من رأي ريمون السانجيلي أن الجيش الصليبي إذا هاجم في حرارة الصيف لن تكون له اليد العليا في المعركة، واقتنع الملك الصليبي "جاي لوزنيان" برأيه في البداية؛ ولكن زعيم الفرسان الداوية والأمير الصليبي المشاكس "أرناط" هاجما "ريمون" واتهماه بالجبن وبأنه باع نفسه للمسلمين.
ولما كان الملك الصليبي شخصية تفتقر إلى مؤهلات القيادة، فإنه غيّر رأيه مع هبوط الظلام، وفي تلك الأثناء كان الصليبيون يعسكرون في صفورية ذات الجنان الفيحاء والمياه الوفيرة، وكان من رأى ريمون أن يمكثوا فيها حتى لا يضطروا إلى قتال المسلمين.
نحو طبرية
ولم يتردد صلاح الدين في اللجوء إلى مناورة عسكرية لإجبارهم على الخروج من مكمنهم الآمن في صفورية؛ ففي ربيع الأول سنة 583 هجرية / 1187م ، شن هجوما عنيفا على طبرية حيث كانت زوجة الكونت "ريمون السانجيلي" محاصرة في قلعتها تطلب النجدة من الملك الصليبي(39)، وآتت هذه المناورة العسكرية أكلها وعلى الرغم من أن "ريمون" نفسه هو الذي طلب من الفرنج عدم مغادرة صفورية لإنقاذ زوجته في طبرية؛ لأنه كان يدرك المخاطر المهلكة للمواجهة مع جيش المسلمين من ناحية، ولأنه كان يعرف أنه يمكن دفع الفدية لتحرير زوجته من ناحية أخرى، فإن مقدم فرسان الداوية تسلل بليل إلى خيمة الملك الصليبي وأقنعه بالمسير إلى طبرية، وفي الحال نودي في المعسكر بالاستعداد للتحرك إلى طبرية.
وفي يوم الجمعة 24 ربيع الآخر 583 هجرية / 3يوليو 1187م الذي كان يوما قائظ الحرارة ساكن الهواء، تحرك الجيش الصليبي من حدائق صفورية الفيحاء إلى التلال العارية في الطريق إلى طبرية(40)، وكانت مخابرات صلاح الدين وقوات الاستطلاع في جيشه قوية تمتاز بالكفاءة والمهارة كالعادة؛ ومن ثم وصلت أخبار التحركات الصليبية إلى صلاح الدين.
وتحرك جيش صلاح الدين من معسكره في "كفر سبت" إلى حطين التي كانت قرية غنية بالمراعي وفيرة المياه، وهناك لحقت به الفرق الإسلامية الأخرى التي كانت لا تزال تحاصر طبرية، وبينما كان الجيش الفرنجي يسير تحت شمس يوليو اللاهبة، كانت قوات المسلمين تهاجمه بأساليبها المعتادة بضرب جوانب الفرق الصليبية، ومحاولة فسخ الفرق الصليبية المتراصة بهجمات الفرسان المسلمين الخفيفة ومناوراتهم الخاطفة.
وحافظ الفرنج على تشكيلهم التقليدي في صفوف متراصة، وحاولوا صد الهجمات المرهقة التي استمرت طوال اليوم.... وفي النهاية اضطر الصليبيون إلى التوقف بسبب هجمات المسلمين العنيفة على مؤخرة جيشهم وأجنابه(41)، وأمضى الصليبيون ليلة تعيسة في منطقة عديمة المياه بعد أن كان الحر القائظ، والغبار، وهجمات المسلمين قد نالت من قوتهم البدنية وقدرتهم النفسية على السواء.
وكان معسكر الصليبيين فوق تل يشرف على بحيرة طبرية، ولكنهم لم يكونوا قادرين على الوصول إلى الماء؛ لأن المسلمين كانوا يحولون بينهم وبينه.
وامتزج سواد ليل الفرنج المزعج بالعطش الذي تملكهم وبالدخان الذي انبعث من النيران التي أضرمها جنود صلاح الدين في الحشائش الجافة حول المعسكر الصليبي، وكانت أصوات الصلاة والتكبير الآتية من معسكر المسلمين تزعجهم وتحط من معنوياتهم... وعندما لاح نور الفجر، اكتشف الفرنج أنهم رهن الحصار التام، وحاولت قوات المشاة الصليبيين شق الطريق إلى الماء بالقوة؛ ولكنهم تفرقوا بين قتيل وأسير، وبعد قتال عنيف لقي الصليبيون أسوأ هزيمة في تاريخ الكيان الصليبي على الإطلاق.
ففي يوم السبت 25 ربيع الآخر 583 هجرية / 4 يوليو 1187م قضى الجيش الإسلامي على أكبر الجيوش الصليبية منذ قيام الكيان الصليبي، ولم ينجُ من الأسْر أو القتل سوى "ريمون السانجيلي الثالث" كونت طرابلس الذي هرب أثناء المعركة ومعه عدد من أصدقائه، وحصدت سيوف المسلمين زهرة الجيوش الصليبية(42).
وفي هذه المعركة الكارثية بالنسبة للصليبيين تم تدمير القوات الرئيسية، وكانت النتائج المباشرة مصيبة كاملة؛ إذ فقد الفرنج الجنود والأسلحة، ولم يبق سوى الحاميات الصغيرة التي كانوا قد تركوها في الحصون والقلاع والمدن التي لم تلبث أن استسلمت بعد حطين.
أكثر من هزيمة
صحيح أن كوارث عسكرية سابقة نزلت على الفرنج الصليبيين قبل حطين، وصحيح أن عددا من زعمائهم لقوا مصارعهم بسيوف المقاتلين المسلمين، وصحيح أيضا أن بعض ملوكهم وقعوا في الأسر وسُجنوا في سجون المسلمين، وصحيح أن هزائم ثقيلة حلت بهم؛ ولكن ما حدث في معركة حطين كان أكثر من مجرد هزيمة عسكرية.
فقد تمكن جيش صلاح الدين الأيوبي من تدمير أكبر جيش صليبي، وأيقن الصليبيون أن هزيمة واحدة يمكن أن تقضي على الكيان الذي أقاموه على الأرض العربية.
حقيقة أن الحروب الصليبية لم تنتهِ بعد حطين؛ ولكن السبب في ذلك كان راجعا إلى ضعف خلفاء صلاح الدين وتشرذمهم السياسي وخصوماتهم من ناحية، كما أن الصليبيين من بعد حطين لم يحققوا شيئا ذا بال من ناحية أخرى، والأهم من هذا كله أن معركة حطين التي شاركت فيها الجيوش المتحدة من مصر والشام والعراق إلى جانب المتطوعين من المغرب العربي، كانت بمثابة العلامة الدالة على الطريق الصحيح لهزيمة العدو: العمل المشترك سياسيا وعسكريا في المنطقة العربية ضد الاستيطان الصليبي، لقد كانت حطين تتويجا لجهود عماد الدين زنكي ونور الدين محمود؛ ثم صلاح الدين الأيوبي لبناء الجبهة المتحدة.
ومن هنا كانت الأهمية التاريخية لمعركة حطين؛ ومن هنا أيضًا كان وقعها على الفرنج الصليبيين وعلى أوروبا الكاثوليكية مريرا وقاسيا...
وعندما انقشع غبار المعركة كان الملك الصليبي وكبار القادة الصليبيين يساقون في أغلالهم إلى خيمة السلطان صلاح الدين، وجاء الحراس ومعهم الملك "جاى لوزنيان"، والأمير الصليبي الكريه "أرناط"، ويصف لنا العماد الأصفهاني بأسلوبه المسجوع كيف أن السلطان وبخ "أرناط" بسبب أفعاله الدنيئة وعدم احترام العهود والمواثيق؛ وكيف رد الأمير الأسير زاعما أن هذا دأب الملوك؛ ثم كيف قتله السلطان وفاء لنذر كان قد قطعه على نفسه: "... فلما دخل سرادقه، استحضر الإبرنس فقام إليه وتلقاه بالسيف فحل عاتقه،وحين صُرع أمر برأسه فقُطع، وجر برجله قدام الملك حين أُخرج فارتاع وانزعج، فعرف السلطان أنه خامره الفزع، وساوره الهلع، وسامره الجزع.،فاستدعاه واستدناه وأمَنه وطَمَنه، ومكنه من قربه وسكنَه...."(43)، كما أبقى على حياة مقدم فرسان الداوية وأعدم الفرسان الداوية جميعا(44).
بعد ذلك واصلت قوات صلاح الدين الأيوبي زحفها الظافر بعد معركة حطين في سهولة ويسر، وتذكر المصادر التاريخية أن المسلمين استعادوا بعد حطين اثنتين وخمسين مدينة وقلعة وحصنا من الصليبيين.
ولم تكن الحاميات الهزيلة التي تركها الفرنج في تلك المدن والقلاع والحصون بقادرة على أن تفعل شيئا غير الاستسلام بسبب عدم القدرة العسكرية من جهة، ولأن الفرنج كانوا يعرفون أن السلطان يحفظ وعوده بالأمان لمن يستسلمون صلحا من جهة أخرى.
وتقدمت جيوش صلاح الدين صوب عكا التي كانت أهم ميناء للصليبيين على البحر المتوسط وكانت غاية في المناعة والتحصين، وبدأت تستعد لقتالها يوم الخميس أول جمادى الأولى سنة 583 هجرية / 1187م "... فخرج أهل البلد يطلبون الأمان، ويبذلون الإذعان، فأمَنهم وخيرهم بين المقام والانتقال، ووهب لهم عصمة الأنفس والأموال.
وكان في ظنهم أنه يستبيح دماءهم ويسبى ذرياتهم ونساءهم... فتركوا معظمهم المدينة..."(45)، وقد تم إنقاذ أسرى المسلمين الذين كانوا في عكا وعددهم أكثر من أربعة آلاف أسير(46)، وبعد عكا التي استسلمت في الثاني من جمادى الأولى 583 هجرية / 10 يوليو1187م، تم استرداد كل من يافا، والناصرة، وصفورية، وقيسارية، ونابلس، وتبنين، وصيدا، وبيروت، وجبيل، وعسقلان، وغزة، والداروم (قرب الأراضي المصرية) في مدى عدة أشهر قليلة بحيث كان في وسعه أن يسير صوب القدس في أواخر جمادى الآخرة سنة 583 هجرية / سبتمبر 1187م(47).
استرداد عسقلان
وكانت عسقلان أهم المعاقل التي حرص صلاح الدين على استردادها قبل أن يواصل الزحف صوب القدس، فقد كانت عسقلان ذات أهمية عسكرية وإستراتيجية فائقة لكل من المسلمين والصليبيين على السواء؛ إذ كانت قاعدة بحرية وبرية متقدمة يمكن لمن يمتلكها أن يشن منها الهجمات البرية والبحرية على العدو بشكل فعال، وعندما استردها المسلمون بعد أن ظلت في أسر الفرنج الصليبيين خمسا وثلاثين سنة، أمر السلطان بهدم أسوارها وحصونها حتى لا يمكن للعدو أن يستخدمها إذا ما استولى عليها مرة أخرى.
ثم زحف السلطان بجيشه المنتصر قاصدا فتح بيت المقدس بالسيف (48)؛ وربما كانت تراوده فكرة الانتقام لدماء المسلمين التي أهدرتها المذبحة الصليبية الرهيبة التي ارتكبها جنود الحملة الصليبية الأولى في يوليو 1099م.
وكانت تحت قيادة السلطان الناصر صلاح الدين يوسف الأيوبي في هذا الزحف كل جيوش مساعديه وقادة قواته الذين كانوا يقومون في ذلك الحين باسترداد المدن والحصون والقلاع التي كانت بحوزة الفرنج على امتداد الساحل الفلسطيني والشامي، وفرض السلطان الحصار على المدينة المقدسة في يوم الأحد 15 رجب 583 هجرية / سبتمبر 1187م...
لم يكن الفصل الأخير في قصة تحرير القدس سوى فصل قصير في قصة طويلة؛ فقد استغرق الحصار عشرين يوما فقط، لقد كانت قصة صراع مرهق مضنٍ استمرت فصولها ثماني وثمانين سنة؛ منذ سقطت المدينة المقدسة في أيدي الصليبيين في السنة الأخيرة من القرن الحادي عشر الميلادي حتى تحريرها بأيدي المسلمين في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 583 هجرية / الثاني من أكتوبر 1187م.
وكان المشهد الأخير حافلا بالمتناقضات والمفارقات، ومليئا بالمشاهد المؤثرة، ولكنه كان متناقضا في عمومه مع ذلك المشهد الوحشي الذي جرى قبل ثمانٍ وثمانين سنة، بقدر ما كان كاشفا عن المواجهة بين حضارة عدوانية معتدية متعصبة، وحضارة راقية تدافع عن نفسها ولا يأخذها زهو النصر إلى وحشية الهمجية.
وعندما بدأت المنجنيقات التي نصبتها الجيوش الإسلامية تمطر أسوار المدينة وأبراجها بقذائفها من الحجارة الضخمة وقذائف النار؛ لكن المقاومة العنيدة التي أبداها الفرنج تحت قيادة الأمير الصليبي "باليان دي إبلين" تحالفت مع حرارة الجو مما جعل السلطان يغير موقع المعسكر يوم 25 رجب وينقله إلى الجانب الشمالي من المدينة.
وظن الصليبيون أن الجيش الإسلامي قد رفع الحصار عن المدينة؛ ولكنهم اكتشفوا أنهم أسرفوا في التفاؤل عندما ظهرت القوات الإسلامية على جبل الزيتون الذي يشرف على القدس من ناحية وادي جهنم(49).
طقوس غريبة
وفي داخل المدينة كانت الملكة "إيزابيلا" (سيبيلا) تتولى أمور الدفاع عن المدينة ومعها البطريرك الكاثوليكي "هيراكليوس"، والأمير "باليان" لجأت النساء الفرنجيات من الطبقة الأرستقراطية، بتوجيه من "إيزابيلا"، إلى طقوس غريبة أملا في أن تنجي الصليبيين من مصيرهم الذي بات واضحا، فقد قامت سيدات الطبقة الراقية من الفرنج بحلق شعور بناتهن وجردنهن من الملابس، وأخذن في الاستحمام علنا في العراء فوق أحد التلال في القدس (50).
ولكن المدينة المحاصرة لم تكن بحاجة إلى مثل هذه الطقوس العابثة؛ وإنما كانت بحاجة إلى الرجال المقاتلين والسلاح وإرادة القتال... وعرض "باليان" على السلطان تسليم المدينة صلحا في مقابل الأمان؛ ولكن السلطان كان يريد أخذها بالسيف.
وفي هذا يقول "الأصفهاني": إن الأمير الصليبي قال إنه إذا لم يقبل السلطان عرض الاستسلام فإنه سوف يدمر المدينة بما فيها المسجد الأقصى وقبة الصخرة، ويذبح النساء والأطفال"... فأي فائدة لكم في هذا الشح، وكل خسر لكم في هذا الربح، ورب خيبة جاءت من رجاء النُّجْح، ولا يصلح السوء سوى الصلح..."، وعقد السلطان مجلس حرب للتشاور حضره كبار الأمراء والقادة العسكريين، وانتهى الرأي إلى قبول استسلام الصليبيين(51).
ولا بد أن المدافعين عن المدينة من الفرنج الصليبيين، بقيادة الأمير "باليان دى إبلين" قد شعروا بالامتنان؛ لأنهم تحت رحمة خصم يحمل السجايا والصفات الأخلاقية التي كان الناصر صلاح الدين الأيوبي يتمتع بها؛ فقد كانت تصرفاته معروفة ومشهورة: ذلك أنه "... أظهر صلاح الدين رحمة وفروسية كبيرة في التعامل مع الفرنج؛ وبفضل هذه السجايا مارست جيوشه ضبط النفس عند النصر، وتجنبت ارتكاب الأعمال الوحشية التي كانت شائعة في ذلك الوقت..."(52).
وبالفعل كان السلطان معروفا لمعاصريه بسلوكه الإنساني ووفائه بوعوده، وعندما عرض "باليان" الاستسلام وافق السلطان بعد تردد، واستسلمت المدينة المقدسة لمحرريها بعد أسر استمر طوال ثمانية وثمانين عاما.
ووافق المسلمون على أن يدفع كل رجل فدية قدرها عشرة دنانير، وكل امرأة خمسة دنانير، وفدية الطفل ديناران(53).
دخول القدس
ودخل المسلمون القدس في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب سنة 583 هجرية / الثاني من أكتوبر 1187م، وبقي بالمدينة أهلها من العرب، وأتباع المذاهب المسيحية الشرقية؛ على حين خرج الصليبيون الذين تمكنوا من دفع الفدية، والذين أعفاهم السلطان من دفعها لسبب أو لآخر.
وخرج البطريرك "هيراكليوس" ومعه الأموال والتحف الذهبية والفضية وذخائر ثمينة كثيرة كانت في كنيسة القيامة تحت بصر الجنود المسلمين، وسمعهم، دون أن يتعرض له أحد تنفيذًا لأوامر السلطان.
وخرج "باليان" الذي بذل ما في وسعه للدفاع عن المدينة، ثم جاء إلى خيمة السلطان للتفاوض من أجل تسليم المدينة بشروط كريمة للمدافعين عنها، وخرجت الملكة "إيزابيلا" وكبار الأمراء الذين كانوا معها في القدس بمقتضى الأمان الذي منحه السلطان.
هذه الصورة الإنسانية التي بانت ملامحها يوم تحرير القدس، كانت موازية لصورة أخرى تشع فرحًا وبهجة سرت في العالم المسلم كله؛ فعندما "... تسامع المسلمون بفتح بيت المقدس، فأتوه رجالا وركبانا من كل جهة لزيارته حتى كان من الجمع ما لا ينحصر..."(54).
وأقيمت الخطبة في المسجد الأقصى بعد طول انقطاع، يوم الجمعة الرابع من شهر شعبان سنة 583 هجرية، وتم وضع المنبر الذي كان نور الدين محمود قد أعده لهذه المناسبة منذ وقت طويل.
ويقول ابن الأثير: إن صلاح الدين أمر بصنع منبر للمسجد الأقصى استعدادا ليوم تحريره فقيل له: إن نور الدين محمود كان قد عمل منبرا بحلب أمَرَ الصناع بالمبالغة في تحسينه وإتقانه، وقال "هذا قد عملناه لينصب بالبيت المقدس؛ فعمله النجارون في عدة سنين، لم يعمل مثله في الإسلام؛ فأمر صلاح الدين بإحضاره، فحمل من حلب ونصب بالقدس..."، وكان الخطيب في هذا اليوم "القاضي محيي الدين بن الزكي"، وكان يرتدي الملابس السوداء شعار العباسيين وخطب خطبة بليغة بهذه المناسبة(56).
الصلاة والخطبة
لقد كانت الصلاة يوم الجمعة والخطبة والمنبر رموزًا دالة على مسيرة ال**** التي استمرت عدة أجيال لتحرير القدس من الفرنج الصليبيين(57)، وبقي السلطان فترة من الزمن في المدينة المقدسة لترتيب شئونها، وعاد إلى المدينة كل من كان الصليبيون قد طردوهم منها، وسمح السلطان لليهود بالعودة إلى القدس بعد أن كان الفرنج قد منعوهم من دخولها على أساس أنهم المسئولون عن آلام السيد المسيح؛ ولكن غالبية اليهود في فلسطين آنذاك كانوا يعيشون خارج القدس، كما أن أعدادهم في فلسطين كلها كانت ضئيلة بشكل عام حسبما يتضح من رحلة بنيامين التطيلي ومن المصادر التاريخية الأخرى.
وأمر السلطان بترميم المحراب العمري القديم وكسوته بالرخام، وأزيلت الصور والأيقونات المسيحية التي كان الصليبيون قد وضعوها في المسجد الأقصى؛ كما هدمت المساكن التي كان فرسان الداوية يسكنون بها في ساحة المسجد الأقصى.
وغسلت قبة الصخرة بكميات كبيرة من ماء الورد، وبخرت بأحسن أنواع البخور، وتم تعيين الموظفين المسئولين عن خدمة المسجد الأقصى، وأغلقت كنيسة القيامة عدة أيام ثم أعيد فتحها وسمح السلطان للفرنج بزيارتها وأداء صلواتهم بها.
إن نظرة شاملة على الدور التاريخي لصلاح الدين الأيوبي وإستراتيجيته لتحرير القدس لتكشف عن أن سيرة الرجل تستحق التقييم في ضوء تحرير القدس، فقد كان اهتمامه موجها طوال عمره لتحقيق هذا الهدف، وكان يرى أن ال**** هو السبيل الوحيد على المستوى السياسي والعسكري لبلوغ هذه الغاية.
وقد كشفت الصفحات السابقة عن أن صلاح الدين بنى دولته على أساس من الوحدة الأخلاقية والدينية للعالم الإسلامي تحت راية ال**** ضد الصليبيين، وتكشف سيرته أيضا عن أنه كرس الجزء الأكبر من جهوده لتحقيق الوحدة بين الفرقاء في المنطقة العربية، على حين كانت معاركه ضد الصليبيين قد شغلت ثلث الوقت الذي استغرقته جهوده العسكرية ضد الأمراء الزنكيين وغيرهم من المارقين.
لقد أدرك تماما أن التشرذم والأنانية والفرقة السياسية التي وصمت الحكام آنذاك، كانت هي السبب في نجاح الفرنج، كما أدرك أن استمرار الوجود الصليبي فوق الأرض العربية رهين باستمرار انحطاط الخلق السياسي لدى الحكام، لقد كان موقف صلاح الدين في حقيقته استمرارًا لثورة عما الدين زنكي ونور الدين محمود على هذه الأوضاع الشاذة سياسيا وأخلاقيا، وقد عبر صلاح الدين عن هذه الحقيقة خير تعبير حين كتب إلى الخليفة العباسي المستضيء بالله: "... ولو أن أمور الحرب تصلحها الشركة، لما عز علينا أن يكون هناك كثير من المشاركين، ولا أساءنا أن تكون الدنيا كثيرة المالكين، وإنما أمور الحرب لا تحتمل في التدبير إلا الوحدة، فإذا صح التدبير، لم يحتمل في اللقاء إلا العدة..."(58).
هذه الكلمات القليلة كانت خير تعبير عن إستراتيجية الناصر في استرداد بيت المقدس.

كاتب ومؤرخ مصري


(<A id=36 name=36>36) ديفيد جاكسون، "معركة حطين" ، ص86 – ص87. (37) نفسه، ص92- ص93.
(38) سميل، الحروب الصليبية ، ص152- ص153.
(39 ) نفسه، ص176- ص177.
(40) ابن شداد، النوادر السلطانية، ص60 – ص73؛ العماد الأصفهاني، الفتح القسي، ص17- ص45؛ مجهول، البستان الجامع لجمع تواريخ الزمان (نشره كلود كاهن) انظر:
Claude Cahen ، " Une Chronique Syrienne de VI- XII Siecle: Le " Bustan Al Jami " ، en Bulletin d، Etudes Orientales ، toms. VI-VIII، (Annees 1937-1938 ) ، pp. 146-ff.
(41) سميل، الحروب الصليبية، ص179- ص180.
(42) عن معركة حطين، انظر: ابن الأثير، الكامل، ج9 ، ص177- ص179 وقد ذكر ابن الأثير ما نصه ".. وكان من يرى الأسرى لكثرتهم لا يظن أن هناك قتلى، فإذا رأى القتلى حسب أنه لم هناك أسرى..."، انظر أيضا: ابن شداد، النوادر السلطانية، ص60- ص73؛ الأصفهاني ، الفتح القسي ، ص17- ص45؛ ابن واصل ، مفرج الكروب ، ج2، ص187- ص192المقريزيي، السلوك، ج1، ص93؛ ميخائيل زابوروف، الصليبيون في الشرق (دار التقدم، موسكو 1986م ) ، ص191- ص192.
Mayer،op. cit. ، pp. 131-132 ; Runciman ، op. cit. vol. II ، pp. 450 -460.
(43) الأصفهاني، الفتح القسي في الفتح القدسي، ص80- ص81.
(44) المقريزي، السلوك، ج1، ص93.
Mayer، op، cit.، pp. 131- 132.
(45) الأصفهاني، الفتح القسي في الفتح القدسي، ص89 – ص91.
(46) ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية – الهيئة العامة قصور الثقافة 2008م) ،ج6 ، ص35.
(47) الأصفهاني، الفتح القسي، ص92- ص115؛ ابن الأثير، الكامل، ج9 ، ص176 – ص178، ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج 6، ص35 - ص67؛ ابن واصل، مفرج الكروبي، ج2 ، ص209 – ص 211؛ المقريزي، السلوك، ج1، ص95؛ ابن شداد، النوادر السلطانية، ص80 –ص81؛ أبو شامة، ج2 ، ص95.
Runciman ، op. cit. ، vol. II ، pp.461- 462.
(48) ابن واصل، مفرج الكروب، ج2 ، ص209- ص211.
(49) ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة ، ج6، ص36؛..Mayer،op.cit.p.132.
(50 ) Ibid ، pp.131-132.
(51) الأصفهاني، الفتح القسي، ص127.
(52) مونتجومري وات، "الحملات الصليبية: تصورات مختلفة" في كتاب ، 800 عام – حطين والعمل العربي الموحد (دار الشروق 1989م)، ص80.
(53) ابن شداد، النوادر السلطانية، ص 129؛ الأصفهاني، الفتح القسي، ص127- ص137؛ المقريزي، السلوك، ج1، ص97؛ ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة ، ج6، ص36- ص37؛
Runciman ، op. cit. ، vol. II ، pp. 264-266.
(54) المقريزي، السلوك، ج1، ص97.
(55) ابن الأثير، الكامل، ج 9، ص182 وما بعدها.
(56) ابن شداد، النوادر السلطانية، ص235 – ص237؛ الأصفهاني، الفتح القسي، ص138- ص140؛ البستان الجامع، ص146 – ص147؛ المقريزي، السلوك، ج1، ص96- ص99؛ ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة، ج6، ص37؛ انظر أيضا:
Mayer ، op. cit. p132; Runciman ، op. cit. vol. II ،pp.446- 447.
(57) قاسم عبده قاسم، في تاريخ الأيوبيين والمماليك (دار عين للدراسات والبحوث 2007م) ، ص62 – 63.
(58) أبو شامة، الروضتين، ص48؛ ابن واصل، واصل، مفرج الكروب ، ج1، ص159.









آخر مواضيعي

0 أداة أمن لجهازك ضد المتلصصين
0 اكتشاف يغني عن البلوتوث
0 متلازمة المرفق.. اعتلال طبي بسبب الاستخدام المتواصل للجوال
0 هندسة التأثير
0 مقالات في تنظيم الوقت ، فن التواصل...
0 مقالات في فن التواصل
0 مقالات في تربية الأطفال
0 مقالات في النجاح
0 مقالات في الابداع
0 لنتعلم القراءة


التعديل الأخير تم بواسطة ابن الاسلام ; 17-05-2009 الساعة 06:36
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مشاهد, مقدسية, الدروب, الصليبية, شأن, or 2

« مشاهد مقدسية من زمن الحروب الصليبية 1ـ2 | مصير شعوب المغرب العربي قضية لا تقبل التعويم والمزايدات »

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مشاهد مقدسية من زمن الحروب الصليبية 1ـ2 ابن الاسلام دفاتر الأخبار الوطنية والعالمية 2 17-05-2009 06:25
الحروب الصليبية في المشرق والمغرب ابن الاسلام الأرشيف 1 14-12-2008 22:56
الحروب الصليبية في شمال إفريقية وأثرها الحضاري ابن الاسلام دفاتر الأخبار الوطنية والعالمية 0 14-12-2008 21:15


الساعة الآن 17:26


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر © 1434- 2012 جميع المشاركات والمواضيع في منتدى دفاتر لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة المنتدى بل تمثل وجهة نظر كاتبها
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاتر تربوية © 2007 - 2015 تصميم النور اونلاين لخدمات الويب المتكاملة