بسم الله الرحمن الرحيم
أنقل لكم بعض المقتطفات من مقال لسيّار الجميل يدعو فبها مجتمعاتنا إلى التفكير العلمي بعيدا عن ضروب التقوقع في الماضوية التي أضحت سجنا مؤبدا يعطل كل بوادر التغيير ويهدد كينونتها بالزوال إن هي لم تعمل جاهدة على كسر طوق التقاليد المميتة.
GMT 16:00:00 2005 الإثنين 16 مايو
متى يهندسون تفكيرهم وزمنهم ومصيرهم!؟؟
إن ما وصلت إليه حياتنا اليوم هي مدعاة للتفكير العلمي بعيدا عن أية وجهات نظر لا تمت لذلك التفكير بصلة! وإذا اعتقد كل إنسان بأن " الحقيقة " المطلقة لا يمكن إدراكها بسهولة، وان فلسفة الأشياء تكمن أصلا في البحث عن حقائقها النسبية، فربما كسبنا جولة واحدة من عشرات الجولات الخاسرة! وإذا بدأ الإنسان يفكر قليلا ضمن آليات الشك كالتي قال بها ديكارت ونسبية القياس من خلال التجربة والبرهان لما كان تكّون في ذهنه من تراكيب راسخة، فربما يغير ذلك من قناعاته ومطلقاته لكل الأمور.. ويبدأ يتنازل رويدا رويدا عن أبراجه العاجية التي ستحطمه في يوم ما! وهنا نكسب جولة أخرى من الجولات الخاسرة التي تجعلنا نتحرك في ما يسمونها بالشفافية في التفكير ومن ثم الشفافية السياسية التي تستند في الأساس على تغيير الذهنية ومرونة الأشياء ومن ثم الأيمان بنسبية الحياة.. عند ذاك ستنخفض لدينا سطوة الجداريات الصلبة وبلادة الذهنيات المركبة وستهدأ العواطف الملتهبة والهياجات الحقودة التي أساءت إلى كل حياتنا العامة في التاريخ.
السؤال: هل باستطاعة مجتمعاتنا أن تتمتع بحقوقها كاملة والتي تضمنها القوانين وتكفلها الدساتير بعيدا عن أية منظمات وهمية مرتزقة ما هي إلا صنيعة أنظمة سياسية أو واجهات أحزاب محتقنة واتجاهات عقيمة لا تؤمن هي الأخرى لا بالحريات ولا بالرأي الآخر ولا بالديمقراطية الحقيقية.. وهنا احب أن اعلق مستطردا بأن كل المنظمات والهيئات والأحزاب والجماعات التي تنادي بمثل هذه الأفكار التي تعتبر وليدة نتاج تاريخ أوروبا السياسي والفكري الحديث لا يمكنها أبدا أن تعتبر مرجعياتها عربية أو إسلامية وإلا تكون قد سجلت نوعا غريبا من الهراء الذي لا يمكن أن يتقبله العالم اليوم أبدا نظرا لأنها سوف تعيش سلسلة مفجعة من التناقضات والعجائب والغرائب. لعل أسوأ دور مارسته حكوماتنا ودولنا في القرن العشرين أنها زاوجت ضمن أشكال لا حدود لها من الخلط بين مختلف النقائض، فهي تستعمل كل تعابير ومسميات مؤسسات الغرب، ولكنها لم تشكل أية قطائع تاريخية ومعرفية بين تفكيرها السياسي ومرجعياتها التاريخية..
لقد خلطت عن سوء تصرف وغباء بين المرجعيات فضاعت على الأجيال الجديدة من مختلف الاتجاهات والتيارات الأساليب الأصيلة في الابتكار ضمن حركة تكويناتها المعاصرة ولم تنتج عندنا في القرن العشرين إلا الذهنيات المركبة التي تاهت هي الأخرى بين النقائض المميتة. ومن المحزن أن الإنسان عندنا لا يحس وطأة هذه التناقضات أبدا إذ أن الذهنية المركبة قد أطبقت على كل مفاتيح أبوابه، فأبقته سجينا ضمن آليات تفكيره القاصر وعواطفه الساخنة، وكل من الاثنين يحركان كل توجهاته.. فبدا مغلقا لا يمكن أبدا تكسير مغاليق عقله وتفكيره من اجل تجديد وعيه بشكل كامل.
مجتمعات شتى كان عليها أن تتقدم جدا بمشروعاتها وإبداعات أبنائها توظف مؤسساتها المدنية والأهلية في الإنتاج كي تؤثر في العالم كله.. ولكنها للأسف بقيت أسيرة حكوماتها وسجينة أسوارها وكسيحة تقاليدها وقد كبلها المتخلفون والكسالى والمتكلسون والمتحذلقون والشعاراتيون والمقلدون الببغاويون بالأغلال الحديدية تحت حجج واهية وتسويق التقاليد المميتة التي لا تعترف مطلقا بحرية الإنسان وتفكيره وسماحة دينه وسمو عقائده.. ويا ويل من يخرج عن تلك الأطواق والأقفاص الحديدية حتى لو كان ذلك مجرد ان يأتي من اجل التعبير عن أي رأي جديد أو بيت شعر أو أفكار قصة..!!
لقد كتبت ونشرت في مطلع العام 2002 النص التالي: " أقول بكل جرأة أن واقعنا المهترىء والذي لا يريد البعض أو الكل الاعتراف باهتراءاته سيغدو لا محالة على المشرحة الأمريكية، إذ ستجد أمريكا نفسها باسم النظام العالمي الجديد إن الشراكة ملزمة بهندسته على مزاجها! نعم، هندسته ليس سياسيا كما يصرخ البعض، بل الأخطر من ذلك هندسته اجتماعيا وفكريا وتربويا وتعليميا وثقافيا وإعلاميا.. لأنها تتطلع بعد سنوات إلى ولادة أجيال جديدة تنتجها هي نفسها بعيدا عن كل المألوفات الصعبة التي لم يستطع أصحابها من تطويرها وإيجاد البدائل الحقيقية لها! ثمة أصوات كانت ولم تزل تنادي بما يخطط له النظام العالمي الجديد بشكل شمولي لا يقتصر على الحدود وأنظمة الحكم، بل يخترق كل الأسوار والجدران وينفذ إلى الأعماق كي يقوم بمهمة التغيير.. واعتقد أن الكل سيرضخ لهذا القادم الجديد ويعمل بنصائحه ويقر ويصفق لكل ما يهندسه له ليس على مستوى الحدود والمواثيق السياسية أو ضمن آليات الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارات الكتلوية، بل حتى على مستوى التربية والتعليم وطبيعة ما ستدرسه أجيالنا القادمة في المدارس والجامعات.. فهل من معترض؟
ان آخر ما يمكنني قوله: إنني لا أدين الآخر بما يفعله فينا، بل لابد من إدانة أنفسنا عما جنيناه بحق أنفسنا على امتداد القرن العشرين.. لقد بدا واضحا جدا أن دولنا ومجتمعاتنا قاطبة كانت لاتفقه معنى تحولات التاريخ والزمن والحياة، فبدل أن تستوعب تلك التحولات وتعرف حجومها واثقالها وقدراتها وتسرع الخطى في التفاعل معها برؤية واقعية ومستقبلية، فإنها تراجعت لتمشي متصادمة مع هذا وذاك إذ أنها كانت ولما تزل تمشي وعيونها إلى الوراء فهي كانت ولم تزل ماضوية التفكير باسم التراث مرة وباسم المذهبية مرة والسلفية مرة والطائفية مرة.. وباسم الماضي التليد مرات وهي تتصور نفسها اكبر من حجمها كثيرا.. فهل ستغير الأجيال الجديدة من واقعها وتفكيرها وتراعي حقوقها وحرياتها وتصبح هي سيدة مستقبلها في القرن الواحد والعشرين؟ ربما نعم، وربما لا.. ربما سنكون وربما لا نكون!
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه