السياحــــــــــة الخضراء
مؤهلات واعدة بآفاق التنمية القروية
قلعة السراغنة: موسى عزوزي
على مدى العقود الماضية ظل هاجس الضبط الأمني للمجال متحكما في السياسة الترابية بإقليم قلعة السراغنة ، إذ لم يعمل المسؤولون الإداريون والمنتخبون على استثمار المؤهلات المتنوعة في صياغة مخططات ومشاريع هادفة الى التنمية المتوازنة والمندمجة، ومن ضمنها تطوير القطاع السياحي ولا سيما السياحة القروية، مما يفرض في الوقت الراهن تأهيل هذا القطاع نظرا لآفاقه الواعدة في التنمية المستديمة.
يشكل إقليم قلعة السراغنة العمق الجغرافي لمدينة مراكش قطب جهة تانسيفت الحوز، ورغم ذلك لم يستفد الإقليم من المخططات الهادفة الى تنمية القطاع السياحي، مما أدى إلى تعميق الاختلالات المجالية بين مناطق الجهة حيث يتمركز النشاط السياحي بمراكش والصويرة في الوقت الذي لا تزال أقاليم قلعة السراغنة والحوز وشيشاوة بمثابة حزام واسع للفقر و التهميش.
وقد آن الأوان أن يعاد النظر في تشخيص المؤهلات المتنوعة التي يزخر بها إقليم القلعة من أجل استثمارها في النهوض بالسياحة القروية وما يرتبط بها من توفير فرص الشغل، للمواطن القروي سواء عبر العمل المباشر بالقطاع السياحي أو من خلال أنشطة موازية مثل الصناعة التقليدية و التجارة و غيرها.
· مؤهــــــــلات سياحية متنوعــــــــة
ظل إقليم قلعة السراغنة منذ إحداثه بتاريخ13 غشت1973 مجرد منطقة عبور للمسافرين والسياح المغاربة و الأجانب دون أن يتحول بالفعل إلى نقطة التقاء استراتيجية بين شمال المملكة وجنوبها على المستوى الاقتصادي، ورغم موقعه بين ولاية مراكش وأقاليم سطات وأزيلال وبني ملال و الجديدة وآسفي وعلى مساحة 10070 كلم مربع فإن إقليم قلعة السراغنة عانى من النمو البطيء لحواضره ( القلعة ـ بنجرير ـ تملالت ـ العطاوية ـ سيدي رحال ) التي تعد بموجب التقسيم الإداري جماعات حضرية لكنها تفتقد لمواصفات المدن، يضاف الى ذلك استمرار الاعتماد على الفلاحة كنشاط اقتصادي أساسي لأكثر من 87% من السكان مع ما يعرفه هذا القطاع من تذبذب لارتهانه بالعوامل المناخية غير المستقرة.
إن هذا الطابع البدوي المهيمن بالإقليم يمكن اعتباره في حد ذاته ميزة قابلة للاستغلال في تطوير السياحة القروية او ما يسمى بالسياحة الخضراء، حيث تغطي الغابات حوالي 10 آلاف هكتار، و يضم المدار السقوي161 ألف هكتار، فيما تمتد المناطق البورية على مساحة 444.900 هكتار إضافة إلى الأودية مثل تساوت والواد الأخضر اللذين يصبان بنهر أم الربيع الحد الطبيعي للسراغنة والرحامنة مع إقليم سطات على طول 100 كلم.
ويتوفر الإقليم أيضا على عدة محميات للقنص تتيح فرص الاستثمار في السياحة الترفيهية، إضافة إلى أهمية تجهيز السدود الكبرى ببنيات الاستقبال حتى تتحول إلى نقط استقطاب للسياح المغاربة والأجانب.
و تمتد المؤهلات السياحية لإقليم قلعة السراغنة لتشمل العادات والتقاليد المرتبطة بنمط عيش الساكنة على مستوى الإيقاعات الموسيقية واللباس والصناعات التقليدية مثل الزربية السرغينية والرحمانية وصناعة الفخار بمنطقة بوشان والقصب التي يستفيد منها الوسطاء في غياب سوق محلية تتيح للحرفيين تثمين منتوجاتهم .
*مقترحات لتأهيل القطاع
إن تأهيل القطاع السياحي يتطلب وضع مخطط استعجالي بأهداف واضحة وقابلة للتحقيق على أرض الواقع في مدى زمني محدد، وهو أمر ليس بالسهل ما لم تتم تعبئة مختلف الجهات المتدخلة، والطاقات والأطر الإدارية و الاقتصادية المتخصصة، وإشراك الفاعلين في القطاع السياحي.
ولعل من التحديات ذات الأولوية في هذا الصدد تشجيع الاستثمار في بنيات الاستقبال التي لازالت ضعيفة جدا. إذ أن معظم الفنادق بالإقليم غير مصنفة، وبعضها على شكل مآو يقطنها زوار الأضرحة بكل من سيدي رحال و بويا عمر. أما الفنادق المصنفة من فئة ثلاث نجوم فإن عددها لا يتجاوز الأربعة بالقلعة وبنجرير ويشتكي أصحابها من ضعف الرواج وعدد ليالي المبيت ، مما يهدد هذه الفضاءات بالإغلاق. و يستلزم النهوض بالقطاع السياحي بالإقليم القيام بمجهودات كبيرة على مستوى البنيات التحتية، و بصفة خاصة الطرق المؤدية الى السدود ومواقع الصناعة التقليدية ، و إصلاح المسالك القروية الممتدة داخل الفضاءات الخضراء لحقول الزيتون، و تنظيم المهرجانات الثقافية و الفنية لإبراز ما تحفل به المنطقة وساكنتها من رموز حضارية عريقة .
وفي هذا السياق من الضروري أن ترقى المواسم التي تنظم بالإقليم إلى مستوى التعريف بالمنتوج الثقافي والسياحي لإقليم قلعة السراغنة حيث تشير بعض المصادر إلى أن ضريح بويا عمر وحده يستقطب حوالي مليون زائر سنويا لكن ذلك لا ينعكس إيجابيا على الساكنة و المجال.
من جهة أخرى، يمكن استثمار طقوس الجذبة والتصوف وما يرتبط بها من مظاهر احتفالية بشكل إيجابي لتتحول إلى منتوج سياحي فرجوي وثقافي لاستقطاب السياح الباحثين في مجال الانثروبولوجيا.
إن توفر الإرادة لدى المسؤولين في اتجاه جعل الإقليم قطبا سياحيا متكاملا مع خصوصيات جهة مراكش تانسيفت الحوز تعد حجر الأساس في كل مخطط تنموي هادف، إذ في غياب الإرادة الحقيقية يبقى الحلم بالتنمية المستديمة معلقا إلى أجل غير مسمى.
وبدون شك أن الرهان على القطاع الفلاحي وحده لأجل تنمية العالم القروي قد أثبت فشله بسبب التقلبات المناخية و ما نتج عنها من موجات جفاف سرعت من وتيرة الهجرة القروية، مما يفرض رؤية بديلة لمعضلة التنمية القروية قوامها البحث عن التكامل بين مختلف القطاعات الاقتصادية وذلك لا يتأتى بالشعارات والخطابات بقدر ما يجب أن يخضع للتخطيط الاقتصادي و الاجتماعي العلمي.
وأولى الخطوات في هذا الاتجاه القيام بتشخيص ميداني موضوعي للمؤهلات و على أساسه يتم بناء مخطط متكامل للتنمية المحلية، تتفاعل فيه الفلاحة مع الصناعة و التجارة و السياحة .
ملحوظة: المقال صادر بجريدة بيان اليوم بتاريخ 19 مارس 2009
صورة موسى عزوزي