لم يكن مسار حياته بالعسير بقدر ما ميز فترات عاشها كلها سعادة و فرح لأن الفقر لم يدق بابه يوما و لم يمد يديه لأحد ، فهو كما يقول شاء القدر أن يزداد و في فمه ملعقة من ذهب بحكم أن اباه كان من أعيان المدينة و كبار تجارها مما جعله أن يتبوأ مكانة الإبن الوحيد الذي لا يرفض له طلب لدرجة أن الحنان و العطف لديه من قبل والديه كان زائدا عن حده و هو ما جعله يفرغه في أبنائه الذين ازدادوا أيضا و في فمهم ملاعق من ذهب ، درس لحدود الابتدائي لكنه لم يشأ ان بلج وظيفة أو مهنة بل فضل الاشتغال في ما تركه له أبوه ، فنماه وضاعف مداخيله لدرايته الشديدة بمجال التجارة و كذا تعامله مع الزبائن و التجار الناتجة عن صرامته و جديته في نفس الوقت فغدى بعد مدة من وفاة والده من كبار التجار بالمدينة بل بالإقليم إن لم نقل في البلد ، لم يبخل على أبناءه في شيء مع المتابعة و المراقبة حتى بلغوا مناصب مهمة سواء في الطب أو التعليم أو القضاء مما جعله يفتخر بهم ، أعز الأوقات إليه هي مضاجعة أمواج البحر و هديرها رفقة نغمات و ألحان المرحوم فريد الأطرش كأحب مطرب لديه متمددا لساعات مستلهما أفكاره مناجيا خالقه ، أما الانزواء بأركان البيوت و حافات الدكاكين أو كراسي الحدائق فذاك شيء مستبعد لديه لأنه لا يحب معاشرة طاعني السن الذين يفنون ما تبقى لهم في ما لا يعود عليهم بالنفع ، يقضون مجمل أوقاتهم في لعب الورق و الحديث في أعراض الناس .
لكن الغريب لدى السي منصور هو كرهه الشديد لوسائل النقل بشتى أنواعها والتي يلقبها ب " الحديد " حيث أنه لا يتناول وسيلة إلا بعد أدعية كثيرة سواء في الناقلة أو الطاكسي او السيارة التي يتخذ لها سائقا ، لكن أن يسوق بمفرده فذاك من باب المستحيلات ، أما ركوب الطائرة فذاك أمر لا وجود له في قاموسه الخاص و هو ما جعله لا يقوم بعد بزيارة لبيت الله الحرام قصد أداء مناسك الحج حيث يقول " الحج هنا ، ما دام الناس المعوزين في حاجة لنا فلماذا نتنقل لهناك من أجل كسب الحسنات " و قد تقدم أبناؤه له بحل للذهاب من خلال سيارة رفقة مجموعة أصدقاء لكنه رفض مادامت الطريق طويلة و كلها أخطار .
و تعود مسألة تخوف السي منصور من وسائل النقل إلى سماعه الكثيرعن حوادث دامية طالت العديد من الأرواح و كذا للحادث الذي ذهب ضحيته أحد أعز الأصدقاء لديه و هو عائد من الديار المقدسة ليبقى موضوع الطائرة شكل آخر حيث أنه يقول " أي حديد هذا الذي يخالط السماء فأقل عطب الموت بعينيه و أي موت ذاك لأن الجثة تصل للأرض كلها مشتتة " فهو لا يخشى الموت لكنه يأمله و يدعو الله دجائما أن يموت ميتة مستورة بين أبنائه و وسط داره و من الحكايات التي يحكيها السي منصور في هذا الموضوع أنه ذات يوم و هو مايزال منشغلا بتجاته و توسيعها بعد وفاة واله أنه كان عليه التوجه لمدينة آكادير لجلب بعض الزيوت رقة سائق الشاحنة و لدى عودتهم اضطر السائق التوقف بمراكش لقضاء بعض الأغراض لسي منصور فسمع هذا الأخير عن مولاي ابراهيم لأنه لم يره فطلب من سائقه الذهاب به لهذا المكان الذي طالما سمع عنه ، و بما أن العياء أخذ من السي منصور ذهب في غفوة لم يستيقظ منها إلا في مولاي ابراهيم و حال فتح عينيه لم يصدق نفسه أنه متواجد بهذا المكان بين الجبال متسائلا كيف سيعود و قد أخذ الخوف منه كل مأخذ فقال للسائق أليس هناط وسيلة أخرى للرجوع من غير المرور عبر الجبال ففقد شهيته و انتابه التردد مرارا قبل أخذ قرار العودة معاتبا السائق لأنه لم يخبره بهذه الطريق التي يعرفها و حال وصوله لمراكش طرد السائق و انتظر لغد ريتما بعثوا له بسائق ىخر لن السائق القديم كان يضحك طيلة نزوله من مولاي ابرايه لغاية مراكش فضنها السي منصور تهكما على شخصيته و استخفافا بحاله .