الانتخابات الحالية هل ستكون:
قلعة السراغنة: ذ: موسى عزوزي
يحق للمواطنين الفقراء الذين يشكلون السواد الأعظم في بلدنا السعيد أن يتطلعوا بعيون ملؤها الأمل نحو المستقبل بعيدا عن سموم الخطابات التيئيسية للعدميين والنكوصيين وأشباههم من الرجعيين محترفي الهروب إلى الأمام، ويحق لهؤلاء الفقراء الذين أنهكهم الغلاء، ولم يقض على كرامتهم أن يطرحوا أسئلة كبيرة حول جدوى الديموقراطية التي لا تمنحهم الحد الأدنى من الرفاه الاجتماعي، مع أنهم يشاركون باستمرار في كل التجارب الانتخابية، وأحيانا كثيرة يكتشفون أنهم قد منحوا ثقتهم لمنلا يستحقها، أو أن الأموال القذرة والأكاذيب والإغراءات قد وضعت الشخص غير المناسب في موقع المسؤولية.
إن التجارب الانتخابية التي حولها المفسدون إلى سوق لبيع وشراء الذمم، قد قلصت المسافة الفاصلة بين الأمل واليأس ومنحت لدعاة التيئيس صوتا مسموعا في أوساط الجماهير الشعبية، وزعزعت ثقة المواطنين في المجالس المنتخبة، فأصبح من الواجب ـ ونحن في منتصف الطريق الشاق نحو الديموقراطية ـ أن يعمل جميع الأوفياء و المتنورين على المساهمة كل بقدر استطاعته في جعل الاستحقاقات الجارية فرصة تاريخيةوذهبية للخروج من عنق الزجاجة وتصحيح المسار ولو جزئيا. مناسبة هذا الكلام أن لعبة المقاعد الفارغة. وتقوقع النخب المثقفة على ذاتها قد أعطى للانتهازيين وعديمي الضمير، والكذابين والسماسرة وتجار الذمم وأعداء الوطن الفرصة لاحتكار مسؤوليات تدبير الشأن المحلي، ومراكمة الثروات المتحصلة من نهب المال العام، وتشكيل عصابات متمرسة في الفساد وذات سلطة مالية قادرة على إزاحة كل من يقف في طريقها من مسؤولي الإدارات العمومية والسلطات والعدالة. إن انسحاب المثقفين والمناضلين الحقيقيين كان بمثابة الكارثة بالنسبة للمشهد السياسي، حيث لم يفوت الأميون وأشباه المتعلمين ذلك وإنما استثمروا هذا الفراغ ليعيثوا في البلاد فسادا، وإذا كانت الدولة ممثلة في وزارة الداخلية قد عملت على عهد سيء الذكر البصري على تمييع العمل الحزبي والسياسي،فإن مغرب اليوم يجني النتائج الوخيمة لما زرعته العقليات البصرية بالأمس القريب،وقد أصبح من واجب المناضلين الذين ذاقوا عذاب المعتقلات السرية والعلنية، وواجهوا بشجاعة نادرة الآلة القمعية المخزنية أن يقفوا الآن ليواصلوا المسيرة في سياق مغايرضد طغاة العهد الجديد، لوبيات المقالع والدقيق المدعم و رخص النقل و الصيد و العقار.... أصحاب الأذرع الاقتصادية الطويلة الذين بات بإمكانهم أن يصنعوا ملامح الخريطة السياسية بما يخدم مصالحهم إما بالترشح الفعلي في الانتخابات لاحتلال المقاعد، أواستعمال سلطتهم المالية لترجيح كفة هذه الدمية أو تلك ممن لا يعصى لهم أمرا.
والأخطر من ذلك أن عددا من الأحزاب تخطب ود "أصحاب الشكارة" وتعرض عليهم التزكيات لضمان مقاعد في المجالس المنتخبة محليا وإقليميا وجهويا و وطنيا، وهو ما يمكن اعتباره انتقالا نحو المقاولة السياسية التي تسعى إلى الربح بمنطق السوق وأخلاقياته. إن خطورة أصحاب المال تكمن في اعتقادهم أن المسؤوليات التمثيلية هي مجرد امتداد لمقاولاتهم أو أعمالهم أو ضيعاتهم، حيث تضيع المصلحة العامة، والمصالح العليا للوطن في خضم ذلك، ويتضخم الشعور بسلطة المال لدى الشخص المنتخب فلا يدين بالولاء للحزب السياسي لأنه لم يصل إلى الكرسي عن طريق النضال...
صحيح أن عوائق كثيرة تحول دون الأحزاب والقيام بدورها في تأطير المواطنين على الوجه المطلوب، إلا أن تشرذم المناضلين وتراجعهم إلى مواقع خلفية انهزامية وممارسة نقد هدام في حق الأحزاب التي طالما آمنوا بمبادئها وناضلوا تحت لوائها، قد رسم لمشهدنا السياسي لوحة سوريالية أو صورة عبثية أدت بدورها إلى نفور الأجيال الصاعدة والشباب من السياسة، وفقدان الثقة في المستقبل. وإذا كنا نلتمس العذر لتقاعس النخب المثقفة عن مزاولة النشاط السياسي و النضال من خلاله في سبيل بناء المجتمع الديموقراطي الحداثي، ودولة الحق والقانون فإن التاريخ بطبيعته لا يرحم أحدا، ولابد أن يسائل يوما هؤلاء المثقفين عن رسالتهم وواجبهم تجاه مجتمعهم، ويحاسبهم على صمتهم وتركهم الميدان فارغا يصول ويجول فيه الأميون الجاهلون الفاسدون، والظلاميون والرجعيون.....
إن أكبر التحديات التي تواجه القوى الحية في البلاد هي جعل الانتخابات الجماعية فرصة للتعاقد السياسي بين الأحزاب والدولة والمواطن وخوض معركة فاصلة بين اليأس المستبد بالقلوب والأمل الكامن في طبيعة الحياة. ومهما يكن حجم الإحباط الناجم عن تكرار التجــارب الانتخابية الفاشلة فإن الظرفية الاقتصادية والسياسيةالدولية الراهنة تفرض على جميع المواطنين باختلاف مواقعهم الاجتماعية ومسؤولياتهم ضرورة التحدي ومواجهة اليأس والفشل وإشعال الشموع بدل أن يلعنوا الظلام.