الرابييل........ نعمة التوظيف
تتوالى الأيام رتيبة متشابهة،مابين العمل في القسم ،مع أطفال براعم، ذكور وإناث ، أجتهد في تقديم البرنامج المسطر، ويجتهدون في إغداق حبهم الطفولي علي ،علاقتي بهم كانت أسرية أكثر ما هي أستاذية،لم يبق لاختلاف اللغة معنى ،غيابهم عني أيام الآحاد يخلق لي وحشة ما بعدها وحشة، ويسبب لي متاعب نفسية جمة
أما الأهالي فكانت بيني وبينهم ما يشبه القطيعة ،بسبب تباين اللغة، وعدم اكتراثهم بأهمية ما أقوم به، وولائهم للفقيه السي حسن الذي يدينون له بالتبعية العمياء ،والذي خاصمته منذ حادثة تلاوة القرآن ،يقودهم والدوار بيد من حديد. . .
غير أن استدعاء المدير المفاجئ لي في منتصف شهر يناير، جعلني أتوجس خيفة من مضمون الاستدعاء، كانت المفاجأة كبيرة حين رأت عيني الحوالة بين يديه،الدولة سخية بلا شك. وفت بوعدها، لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن تنسى أبناءها الأساتذة البررة، المرابطين وراء الجبال وفي قاع الأودية والمنتشرين في كل دوار،
على امتداد ربوع الوطن العزيز يبغون نشر العلم ومحاربة الجهل، هاهي ذي قد بعثت لي بطاقة صفراء من الورق المقوى بها خاتم دائري منقوش ، لا يقبل التزوير بتاتا ،وأكثر من هذا، مذيلة بتوقيع الخازن العام للملكة، لا شك
أني أصبحت رجلا مهما،مكتوب على البطاقة مبلغ 7200 درهم بالحروف والأرقام، و بها عدد أخر مكون من ستة أرقام: هو رقم تأجيري، أوصاني المديرـ حفظه الله ـ بأن أحفظه جيدا عن ظهر قلب ، لأن الدولة أضحت لا تعرفني بالاسم العائلي والشخصي ، بل بهذا الرقم الذي سيلازمني إلى غاية بلوغي سن التقاعد : ***349 ، حاولت جاهدا حفظه واستظهاره داخل مكتب السيد المدير، عملا بنصيحته، لكن فرحتي جعلتني أفقد جادة تركيزي ،انتبهت لنفسي أردد الرقم ، تلعثمت مرارا، الأرقام تتراقص أمام عيني ،تتداخل فيما بينها وتتشابك بين شفتي،ثم مالبثت أن تخلصت من الارتباك بأن مسحت العرق المتصبب على جبيني، وسجلت الرقم على ورقة دسستها في جيبي حتى لا يضيع رقمي , وتضيع معه هويتي لدى الوزارة، خرجت من مكتب السيد المدير وأنا أردد :***349 ، وأعيد: 309 ويتبخر رقم 4 ليحل محله رقم آخر، كتبت هذا الرقم على المذكرة،اليومية والتوزيع السنوي، واستعمال الزمن، وسجل الغياب، و، و، و. . .
كان هذا أول أجر أتقاضاه بعد ثلاثة أشهر ونصف من العمل الفعلي مقابل الاغتراب عن أهلي، مقابل وظيفة استنفذت17 سنة من عمري، في الدراسة والتحصيل، لكي أنعم، على إثرها، بوظيفة في مكان منسي، خارج التغطية وخارج التنمية، موجود فقط على الخريطة،
استأذنت السيد المدير في الغياب من أجل صرف الحوالة في مدينة طاطا، ولمَّا السائق بنعلي لم يكن متواجدا حينها،
قررت من جهة، ركوب التحدي، والذهاب مشيا على الأقدام، كما كان يفعل الأهالي قديما، و من جهة ثانية استكشاف طريق جديدة تغنيني عن خدمات بنعلي الغير المضمونة.
ستة ساعات مشيا على الأقدام هي التي تفصل الدوار عن مدينة طاطا ، هكذا قال دليلي،خرجنا فجرا نسلك طريقا غير تلك التي تسلكها سيارة بنعلي عبر المسالك والأودية والفجاج والمنعرجات، من جهتنا ،كنا نتسلق الجبال رأسا وننزل المنحدرات عموديا،كنا نتجه طولا في اتجاه طاطا، ما يشبه الرحلة الاستكشافية أو العلمية، كنت أضع أحجار كبيرة كعلامة فوق كل قمة ،تساعدني لاحقا في معرفة الطريق ،دونما حاجة إلى خدمات الدليل المرافق،
كان مرافقي متطوعا خدوما، أعد كل مستلزمات الرحلة من خبز وماء وتمر، في منتصف الطريق، أوقد النار وأعد الشاي
وصلنا مدينة طاطا ظهرا، وقد نال مني الإ****، لم أعد أقوى على السير،رجلي تؤلمانني، لم تعد تقويان على حملي ،هي في الواقع أكثر من ستة ساعات،قدرتها في ثمانية ساعات و نصف دون توقف، والمسافة في الحقيقة،لا تقل عن 45 كلم
حللنا بفندق حجزته لمدة ثلاثة أيام على نفقتي،كانت كافية لاستجماع قواي واسترجاع نشاطي، و صرف الرابييل .سلمت لدليلي مبلغ 200 درهم مقابل مرافقته لي
سعادتي بالرابييل لم تدم طويلا
ومن مزاياه أني قبضته بيد، وأهدرت علاقة عاطفية عزيزة، تربطني بخطيبتي بيد أخرى، ضاربا بمشروع زواج، طالما حلمت به، عرض الحائط
ذلك أن علاقتي تبعها الغاوون والمهرطقون، وحامت حولها الشكوك والإشاعات،وتعقبتها القيل والقال منذ بدايتها، بين مستنكر لها، وشاجب ،ومستكثر على طالب مثلي، حقه في إنشاء علاقة عاطفية مغلفة بخطوبة واهية طال أمدها، لا يعترف المجتمع بشرعيتها، من شخص لا زال يتردد على الكلية، مستقبله مُعلق ،على كف عفريت، وبين وظيفة مغتربة في آخر بقعة في الدنيا،قيل بخصوصها:أنه سيمكث هناك، و بتعيينه بالجنوب ،هاذاك ما بقاه تَمََّ، لن يعود منه أبدا،ولا يمكن التضحية بالبنت في منطقة لم يسمعوا بها قط، يستدلون على ادعاءاتهم بما توفر لهم من شهادات أساتذة عُيّنُوا قبلي بسنوات ولم يعودوا، ينتقلون فقط من قرية إلى أخرى، ومن داور لآخر، حياة كلها قرى و دواوير، لمن أراد أن ينعم بالتوظيف
حتى تلك اللحظات السعيدة والتي لازالت تحتفظ بها ذاكرتي، والتي كانت معلنة مرة، وسرية مرات، نشعر أننا سرقناها قسرا في غفلة من الزمن
لم أنس حين سألني أهلها عن مكان تعييني، وأجبتهم ب: "طاطا" دون ذكر القرية التي تبعد عن المدينة ب 90 كلم، فما كان منهم إلا أن أجابوا بعد أن تبادلوا نظرات الأسى والحزن فيما بينهم والحسرة ملء فيهم:
ـــ الله. . . مسكيييييييييين . . .
موقف شبيه بموقف تعرضت له من قبل، حين صدمتني دراجة نارية وفر صاحبها، وتحلق على رأسي، لما كنت ممدا على الأرض، رهط من الفضوليين متحسرين، مرددين مثل هذه العبارة
لم أكن أتصور أن وظيفتي ستجر عليَّ الشفقة والمَسْكَنة، كنت أعتقدها محط فخر و اعتزاز، لكن وللأسف، كان اعتقاد خاطئ، سوء تقدير من جانبي ، لا يعدو كونه انطباع شخصي لا غير. . .
من جهتها حاولت خطيبتي مخالفة أهلها وتسويفهم
انطلاقا من اتفاقنا، ووعدي بالزواج مباشرة بعد حصولي على الرابييل، الذي سيقطع الشك باليقين، ونثبت للعالم أننا جادين. . .غير أني حين سددت ما بذمتي
من كريديات(ديون) لم يبق من الرابييل إلا 3000 درهم،مبلغ لا يكفي حتى لأُجرة "نكافة "محترمة، فما بالك بمتطلبات عرس متكامل ،اضطررت إرجاء الزواج للصيف،اعتبرته خطيبتي تملص من التزاماتي، وتسويف لا حدود له، لما عدت في الصيف،وجدت خطيبتي تزوجت بعد أن ملت الانتظار، وتعمدت إنهاء علاقة باتت مقرفة، فضَّلتْ رجلا جاهزا جادا، خير من أستاذ مغترب مماطل
وليذهب الحب ومناصريه إلى الجحيم
فأضافت، بقرارها هذا، إلى سجل تعيني بالجنوب نكسة جديدة، يتعين علي تدبر أمرها، والتعايش مها، والقبول بالأمر الواقع،
في الحقيقة أعبر عن أسفي الشديد لإنهاء علاقة على هذا النحو، غير أني أعبر عن سعادتي لكون خطيبتي سابقا، لم تكتو معي بنار الحل والترحال بين القرى النائية والدواوير المنسية التي تؤثث رقعة وطننا الحبيب ، وبقيت ذكرى جميلة، من ذكريات أيام الكلية . . .