الاجتياح البرغوتي ونهاية مدير
حل شهر أبريل وحلت معه الحرارة، التي عادة ما يتميز بها طقس الجنوب، كان السيد المدير قد اقترحني لترسيم انمحى لمعانه من مخيلتي، لم يعد يعني لي شيئا يُذكَر، من خلال ملء بطاقة معدة لهذا الغرض وسط أجواء مشحونة
بينه وبين الأساتذة القدامى بسبب تسلطه وفظاظته وغيابه الشبه الدائم، والتغييرات التي يجريها للأستاذة ،من فرعية لأخرى ومن مستوى لآخر، دون سند قانوني،فما كان من الأساتذة إلا أن انتفضوا واتحدوا، وطلبوا مني مرافقتهم للنيابة بهدف تقديم شكاية بالسيد المدير،كان موقفي هو الرفض . أبداً، لم يُشكل لي غيابه أي ضرر،ولم يقع أي اصطدام بيني وبينه بحكم حداثتي بالمهنة.
وكان اقتراحي أن يقدم المتضررون شكاية ، أما فكرة الاحتجاج داخل مبنى النيابة والتضامن من أجل التضامن أو انصر أخاك ظالما أو مظلوما، لم تحظ بموافقتي، اتهمت على إثرها بالخيانة العظمى لمدة غير محدودة،وبولائي للسيد المدير وبأني " خُوَّاف" أخاف من خيالي.
مقابلتي للسيد المدير لم تتعد في مجملها ثلاث مرات:
المرة الأولى خلال اجتماع بداية السنة، والمرة الثانية قابلته صدفة في المركزية،والمرة الثالثة حين سلمني "الرابييل".
والسيد المدير كما عرفته: شخصا انطوائيا، قليل الكلام،حزين، دائم التَّجهُّم،يبدو أن الابتسامة لم تعرف مكانا لها يوما بين شفتيه، ملامح وجهه تَشِي بِكآبة دفينة تُلازمه، كَمَنْ تَعرض للاغتصاب في الصِّغر،إذا قُدَّرَ لك وأن صادفته يوما ، تَخالُه قادم من مأتم . ناقِم على جنس الأساتذة، هَمُّه ، كُلُّ همه تَصَيُّد غيابات الأساتذة، يحن إلى العهد الخالي، يكره أن يُرد له طلب، يؤمن ب" التاموديريت" المطلقة، يرى من حقه إجراء التغييرات بين صفوف الأساتذة داخل المجموعة كل سنة، تبعا لما يُمْليه عليه مزاجه، دون حسيب أو رقيب،وليس لأحد الحق في محاسبته عن غيابه أو حضوره، وهو السيد المدير.وهل يجرؤ أحد على محاسبته؟؟؟؟ اتهم الأساتذة ب" الدْصَارَة " والتطاول على سيادته ،الواجب معها تأديبهم و إعادة تربيتهم.لذلك كُنتَ تراه يوزِّع بسخاء إشعارات بانقطاعات عن العمل وتغيبات وهمية ، منقولة عن مخبرين من الأهالي،إرضاءً لِسادِيَتِه من جهة،وإمْعانا في إذلال الأساتذة وتركعيهم، من جهة ثانية.
بدوري حصدت في عهده على انقطاعين عن العمل وثلاثة تغيبات ،لم يُجْدِ سلامي الحار، الذي كنت أبعثه له باستمرار مع الأهالي، نَفْعا، ولم تشفع استقامتي في شيء،
حتى إذن بالغياب الذي طلبته من أجل صرف "الرابييل "قوبل بالرفض لغياب المبرر، وخُصِمت مدة غيابي من أجرتي مع تنبيهي بتعرضي لإجراءات أشد صرامة في حقي، في حالة العَوَد.
في هذا الجو الحار على الواجهتين المناخية والتربوية ، كنت منهمكا في فرعيتي بمطاردة وتعقب حيوان عاشب يدعى بالأمازيغية "أكوجيم " أو الضب ، من فصيلة الزواحف يشبه في مظهره التمساح لا يتعدى طوله 40 سنتم ووزنه 400 غرام، وجدته لاحقا يباع في الأسواق، عند العشابة الصحراويين، شَبه لي الأهالي طعمه بالسمك ، ويلقبونه ب ـ سمك الصحراء ـ، طعمه مستساغا، يصلح للأكل، غيرأن أطرافه لا تكف عن الحركة داخل الطاجين بعد الطهي،ما لم يتم تخريب نخاعه الشوكي بعموده الفقري ،بعد الذبح
كنت أقضي أوقات فراغي متسكعا بين قمم الجبال. وقت الظهيرة، غير عابئ بضربات شمس محتملة، أتنقل من غار لغار ، ومن حفرة لأخرى في جولة التنقيب على هذا الحيوان الذي يُغيني صيده عن شراء اللحم المفقود أصلا في الفرعية ، مستعينا بمرآة عاكسة لضوء الشمس داخل الغار، وبقضيب حديدي لإخراجه ، كنت أصطاد حتى 4 "أكوجيم" تكفيني لمدة أسبوع
لكن مرات تخطئ المرآة في تحديده، فأُخرِج ثعبانا مكان "أكوجيم"، وأفِرُّ هاربا،لا ألوي على شيء.في الحقيقة، جولة للصيد ممتعة و مغامرة في نفس الوقت، غير محمودة العواقب،
أما في الليل ، وبعد إلقاء رأسي على المخدة، تبدأ جولة أخرى من الصراع والحرب النفسية ، أبطالها براغيث، أصبحت تتقاسم معي الفراش، أشعر بحركة دؤوبة على كل أنحاء جسمي،دبيبها يزعجني ،
من أين حلت هذه الحشرة؟؟؟؟؟ وأين كانت مختبئة طوال هذه المدة؟ .خطر حقيقي يتهددني،لم يكن مصدرها غير تلك الأغطية التي استعرتها من بعض الأهالي أيام البرد الشديد ،حين كانت أغطيتي لاتوفر لي الدفء الكافي ،ها هي ذي قد توالدت وتكاثرت، واستطابت المقام ، واستلذت دمي النادر،فصيلة
+a
. التي كنت أحملها،شَكَّل لها جسمي مرتعا خصبا، قلَّ نظيره ،فسَلَّطت على لحمي خراطيمها،منقبة دون كلل ،عن الفرشة الدمائية،وكل عملية حفر،أشعر بوخز شديد،أبادر إلى حك مكانها، لم يمض أكثر من أسبوع
حتى ازدادت أعدادها، وكثر لسعها، وازدادت حكتي، حتى صرت أُتْقِن لعب "السْمُورف". أستعين بخدمات الحائط أو باب القسم أو الكرسي لحك ظهري، و المناطق التي لا تطالها يدي، أصبح جسمي كله ندوب وبثور.أتفحص ملابسي في الصباح، أعثر على بقع صغيرة حمراء قانية هي بقايا دمي أو برازها.البراغيث :حشرات شرسة، لعينة، لا تقفز إلى الأمام كبقية خلق الله،وإنما تقفز إلى الخلف ثارة، أو إلى اليمين أو الشمال ثارة أخرى، في محاولة منها للتمويه،ما العمل ؟؟؟من أين لي بالدواء؟؟؟يلزمني اقتناؤه .لا يمكنني التغيب ،المدير ينتظر مثل هذه المناسبة للتنكيل بي ، وإضافة يوم أو يومين غياب إلى لائحة غياباتي ،هل أصبر على ما فعلته بي هذه الحشرة حتى أصل المدينة؟؟؟. لا، لا يمكن، لا أطيق لسعها، استفحلت الحكة في كافة أنحاء جسمي، سأحملها معي لأهلي، بلا شك إذا سافرت، وسأنقل لهم حتما العدوى.
عباد الله تعود لأهلها محملة بالهدايا، وأنا سأعود محملا بحفنة أو حفنتين براغيث،
تصورت نفسي بين أهلي، و قد نقلت لهم البراغيث، وأصيبوا بالحكة،ونشروها في الدرب، قبل أن تعم كافة أرجاء الحي، وانتشرت الحكة في كل مكان، وعجزت وزارة الصحة كعادتها،عن تطويق الوباء، واستنجدت بمنظمة الصحة العالمية التي، أوفدت أطباء بلا حدود ببدلاتهم الواقية ومعداتهم المتطورة، وبعد إجراء التحاليل اللازمة على الحشرة، خلصوا إلى أن موطنها غير محلي، قادمة من الجنوب،وتساءلوا عمن القادم من هناك،فلم يكن غير الأستاذ، وتوبعت بتهمة بنشر وباء دون موجب شرع بين صفوف مدنيين آمنين مع سبق الإصرار و الترصد، وخلق حالة من الهلع والذعر بين صفوف المواطنين العزل ،دون إخبار السلطات وعلى رأسها المقدم، وحوكمت بعد أن رُشَّ علي بالمبيدات الكيماوية،بتقديم تعويض إجمالي ،لا تكفي لتسديده جميع حوالاتي إلى غاية تقاعدي.
انتهزت فرصة انشغال السيد المدير بحربه مع الأساتذة، وسافرت إلى "أولوز"ابتعت لنفسي أدوية من الصيدلية لمحاربة البراغيث ومعالجة الحكة، ( صابون خاص، محلول أسكابيول، أقراص ضد الحساسية ، مراهم ...)كما اقتنيت مبيدات كيماوية، وتخلصت من الأفرشة القديمة ، وأرجعت الأغطية لأصحابها شاكرا ممتنا، والتي كانت حاملة للحشرات قبل أن تتكاثر، كما قمت بإصلاحات للبيت بتبليط الأرضية، وطلاء الجدران بالجير،كما قمت بعملية تنظيف واسعة لملابسي بالماء الساخن.
كانت الحرب التي أعلنتها مفتوحة على جيش البراغيث توشك على نهايتها حين تناهى إلى علمي أن السيد المدير ملقى "كوما "بأحد مستشفيات تارودانت بعد زيارة لجنة نيابية للمركزية ووقوفها على خروقاته المتعددة
وغيابه الشبه الدائم، لا أعلم بالضبط الإجراء الذي اتخذ في حقه،
ما أعلمه جيدا،أني لم أر وجهه من حينها، لغاية اليوم، غير مأسوف عليه،وأن مديرا جديدا كان في استقبالنا في السنة الموالية.