سبق لي و ان كتبت في هذا الموضوع المؤلم منذ اكثر من سنتين عندما كنت اعمل بمجموعة مدارس اولاد موسى الفارسية بسطات. و بالرغم من انتقالي الى مدينتي الاصلية بعد معاناة تزيد عن 23 سنة.فانا لازلت اتابع من بعيد اخبار تلاميذ و سكان دوار اولاد موسى الفارسية.
غير ان هذه الاخبار لا تسر و لا تبعث على الارتياح خاصة في ما يتعلق بالهدر المدرسي او ما اسميه بالهدر القسري عن التمدرس..حيت ان ظاهرة اجبار التلاميد على مغادرة المدرسة و خاصة الفتيات اصبحت عادة سيئة تنتشر في العالم القروي..مما يتطلب معه تعبأة واسعة من طرف الجميع.
و تنويرا للراي العام الدفاتري احببت ان اعيد سرد هذه القصة الواقعية التي حدتت قبل سنتين من الان في المدرسة التي كنت اعمل فيها.
و بالمناسبة لازلت و لن انسى تلك الايام و السنوات الطويلة الحلوة و المرة معا التي قضيتها بمجموعة مدارس اولاد موسى الفارسية ..
سنوات كانت شاهدة على فترات االمرض و الصحة و الحزن و الفرح و النجاح و الفشل و ..حتى البكاء...
سنوات كانت شاهدة على مجئ ابنائي التلاثة الى هذه الدنيا و قضوا في هذه المنطقة معظم حياتهم الدراسية فيها .
سنوات كانت شاهدة على روح التضحية و المعاناة و صبر رفيقة دربي و شريكة حياتي و ربة بيتي التي نجحت و لا زالت في مشاركتي بتقاسم مرارة الحياة و حلاوتها .
لن اطيل عليكم..و اليكم قصة زينب..
كنت دائما عندما ادخل الى القسم وقبل بداية اية حصة دراسية اسال الثلاميذ سؤالا تردد كثيرا حتى خيل الينا وكانه مقدمة او تمهيدا لدرس من الدروس. وهذا السؤال هو: هل عادت زينب ?.
ففي يوم من الايام وخلال فترة الاستراحة . رايت ثلميذات المستوى السادس ومن بينهن ابنتي ايمان ينتحبن من شدة البكاء .
في البداية توجست خيفة ان يكون اصابهن مكروه . وبعد تردد تقدمت نحوي ابنتي وفي يدها ورقة هي عبارة عن رسالة خطية بعثتها
زينب الى صديقاتها ثلميذات مجموعة مدارس اولاد موسى الفارسية .تقول فيها :
صديقاتي العزيزات. يحزنني ان اخبركن انني لن استطيع متابعة دراستي هذه السنة وذلك لان الله سلط علي ابا غير متفهم ( هكذا قالت ) . لقد منعني من الذهاب الى المدرسة . بل منعني من الخروج حتى من المنزل...
فقد كانت طموحاتي كبيرة ..لانني كنت احلم ان اكمل دراستي واصبح طبيبة ..فانا قضيت معكن خمس سنوات بمدرستنا الحبيبة اولاد موسى الفارسية...بنيت عليها كل احلامي وطموحاتي ...لكن هذه الاحلام تهاوت في لحظة بقرار من ابي المتسلط الجبار الذي طغى وتكبر( هكذا قالت ) ...
يا اخواتي ...انا الان حبيسة المكان ...ابكي وانتحب من شدة القهر والضيق بالليل والنهار...
اتخيل حركاتكن وسكناتكن داخل القسم وفي الساحة ...اتصور ضحكاتكن وهمساتكن ...
اتخيلكن في القسم تتابعن دروسكن بنشاط وحيوية...
ابكي من شدة الحزن لانني لست بينكن...اشارك فرحتكن وحزنكن ...
منذ بداية الدخول المدرسي وانا اذرف بدل الدموع دما وبدل العبرات نحيبا...وانا اشاهد سنوات الضياع امامي تهدد مستقبلي وحياتي...
اخواتي العزيزات...لقد بعثت لكن هذه الرسالة لاخبركن انني بدات منذ هذه اللحظة بالعصيان الاسري...واغلقت علي باب غرفتي ..
بل واضربت عن الطعام احتجاجا...
ارجو منكن صديقاتي ان تساعدونني لاتجاوز هذه المحنة ...انصحوني ماذا افعل ...?
هل اعصى والدي واذهب الى المدرسة رغما عنه ...?
هل اهرب من المنزل واذهب الى مكان اخر...?
هل افوض امري الى الله واستسلم وانتظر حظي العثر ?
للاشارة صديقاتي فانني اشعر بامر مبيت يحاك ضدي ...وهو تزويجي في هذه السن المبكرة ...وهذه اكبرجريمة في حقي .
اختي وصديقتي ايمان ...اناشدك بل اترجاك ان تطلبي من والدك واستاذي العزيز ان يمارس كل ضغوطاته على ابي حتى يسمح لي بالعودة الى المدرسة ...فانا اعرف ان كل سكان الدوار يحترمونه ويقدرونه...فاذا تحدث مع ابي فربما قد يستمع له ويرضخ لطلبه...
ارجوكم ساعدوني ...فانا انتظر ...
عندما قرات رسالة التلميذة زينب .ح تاثرت كثيرا وحزنت حزنا شديدا خاصة وان زينب كانت تلميذة مجتهدة ومجدة ...تواظب على
حظورها الدائم للدروس بالرغم من المسافة الطويلة بين منزلها والمدرسة...
في نفس اليوم بعثت في طلب والد زينب...فامتنع عن الحضور ...
اعدت المحاولة عدة مرات ...لكن بدون جدوى ...لانه كان يعرف مسبقا موضوع هذه المحاولات...
عرضت هذا الموضوع على بعض السكان ثم قررت الذهاب فورا الى منزل زينب...
لكن هذه المحاولة باءت ايضا بالفشل...
اتصلت بعون السلطة وطلبت منه الوساعدة ...فوعدني بالقيام بالمحاولة هو ايضا...
في هذه اللحظات كم تمنيت ان تكون هناك قوانين مفعلة ترغم الاسر على عدم ارغام الاطفال لمغادرة المدرسة...
بعد مرور عدة ايام على هذه الاحداث ...تفاجات بحضور والد التلميذة زينب الى المدرسة يطلب مقابلتي ...
بفرحة كبيرة خرجت اليه مسرعا وانا اتوجس خيرا من هذا اللقاء ...
وكم كانت دهشتي عظبمة عندما طلب مني والد زينب بالكف عن الالحاح في رجوعها الى المدرسة...واكد لي انه لن يسمح لها بمتابعة
دراستها .
تسمرت في مكاني ( بهذا المعنى) وتمنيت لو استطعت لاوسعته ضربا ...
سالته عن السبب ...فكانت اجاباته كلها رجعية ولا تمت للواقع في شيئ...
هددته باللجوء الى السلطة والقانون ...لكنه لم يكترث لتهديداتي...كما انني كنت اعرف انه يدرك انني لن استطيع فعل اي شيئ
حيال هذه المشكلة ...حتى ان بعض التلاميذ هددوا بالقيام باعتصام امام منزل زينب لكنني رفضت خوفا من العواقب راجيا منهم انتظار
الاحداث...
لقد فوضنا امرنا الى الله تعالى...لك الله يا زينب اولاد موسى الفارسية...
ونحن جميعا ننتظر طيف عودتك الينا...لتشغرين مقعدك الشاغر ...والذي سوف يبقى شاغرا الى الابد...