جزاك الله خيرا على الإضافة القيمة
--------------------------------------------------------
أسباب عذاب القبر
قال ابن قيم الجوزية/ الروح :
المسألة التاسعة و هي قول السائل ما الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور ؟
جوابها من وجهين مجمل ومفصل أما المجمل فانهم يعذبون على جهلهم بالله وإضاعتهم لأمره وارتكابهم لمعاصيه فلا يعذب الله روحا عرفته وأحبته و امتثلت أمره و اجتنبت نهيه و لا بدنا كانت فيه أبدا فان عذاب القبر و عذاب الآخرة أثر غضب الله و سخطه على عبده فمن أغضب الله و أسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه فمستقل ومستكثر ومصدق ومكذب
و أما الجواب المفصل فقد أخبر النبي عن الرجلين الذين رآهما يعذبان في قبورهما يمشى أحدهما بالنميمة بين الناس ويترك الآخر الاستبراء من البول فهذا ترك الطهارة الواجبة وذلك ارتكب السبب الموقع للعداوة بين الناس بلسانه وإن كان صادقا وفي هذا تنبيه على أن الموقع بينهم العداوة بالكذب والزور والبهتان أعظم عذابا كما أن في ترك الاستبراء من البول تنبيها على أن من ترك الصلاة التي الاستبراء من البول بعض واجباتها وشروطها فهو أشد عذابا
و في حديث شعبة أما أحدهما فكان يأكل لحوم الناس فهذا مغتاب وذلك نمام وقد تقدم حديث ابن مسعود رضى الله عنه في الذى ضرب سوطا امتلأ القبر عليه به نارا لكونه صلى صلاة واحدة بغير طهور ومر على مظلوم فلم ينصره
و قد تقدم حديث سمرة في صحيح البخارى في تعذيب من يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق و تعذيب من يقرأ القرآن ثم ينام عنه بالليل و لا يعمل به بالنهار وتعذيب الزناة والزوانى وتعذيب آكل الربا كما شاهدهم النبي في البرزخ
و تقدم حديث أبى هريرة رضى الله عنه الذى فيه رضخ رءوس أقوام بالصخر لتثاقل رءوسهم عن الصلاة والذى يسرحون بين الضريع والزقوم لتركهم زكاة أموالهم والذين يأكلون اللحم المنتن الخبيث لزناهم والذين تقرض شفاههم بمقاريض من حديد لقيامهم في الفتن بالكلام والخطب
و تقدم حديث أبى سعيد وعقوبة أرباب تلك الجرائم فمنهم من بطونهم أمثال البيوت و هم على سابلة آل فرعون و هم أكلة الربا
و منهم من تفتح أفواههم فيلقمون الجمر حتى يخرج من أسافلهم وهم أكلة أموال اليتامى
و منهم المعلقات بثديهن و هن الزوانى
و منهم من تقطع جنوبهم و يطعمون لحومهم و هم المغتابون
و منهم من لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم و صدورهم و هم الذين يغمتون أعراض الناس
و قد أخبرنا النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن صاحب الشملة التي غلها من المغنم انها تشتعل نارا في قبره هذا و له فيها حق فكيف بمن ظلم غيره ما لا حق له فيه
فعذاب القبر عن معاصي القلب و العين و الاذن و الفم و اللسان و البطن و الفرج و اليد و الرجل و البدن كله
فالنمام و الكذاب و المغتاب و شاهد الزور و قاذف المحصن و الموضع في الفتنة و الداعي إلى البدعة و القائل على الله و رسوله مالا علم له به والمجازف في كلامه وآكل الربا آكل أموال اليتامى وآكل السحت من الرشوة و البرطيل و نحوهما وآكل مال أخيه المسلم بغير حق أو مال المعاهد و شارب المسكر وآكل لقمة الشجرة الملعونة و الزاني و اللوطي و السارق و الخائن و الغادر و المخادع وا لماكر و آخذ الربا و معطيه و كاتبه و شاهداه وا لمحلل و المحلل له و المحتال على إسقاط فرائض الله وارتكاب محارمه ومؤذي المسلمين و متتبع عوراتهم و الحاكم بغير ما أنزل الله و المفتي بغير ما شرعه الله و المعين على الاثم و العدوان وقاتل النفس التي حرم الله و الملحد في حرم الله و المعطل لحقائق أسماء الله و صفاته الملحد فيها و المقدم رأيه و ذوقه وسياسته على سنة رسول و النائحة والمستمع إليها
و نواحوا جهنم وهم المغنون الغناء الذى حرمه الله و رسوله و المستمع إليهم
و الذين يبنون المساجد على القبور و يوقدون عليها القناديل و السرج و المطففون في استيفاء ما لهم إذا أخذوه وهضم ما عليهم إذا بذلوه
والجبارون والمتكبرون والمراؤون والهمازون واللمازون والطاعنون على السلف والذين يأتون الكهنة والمنجمين و العرافين فيسألونهم ويصدقونهم وأعوان الظلمة الذين قد باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم
والذى إذا خوفته بالله وذكرته به لم يرعو و لم ينزجر فاذا خوفته بمخلوق مثله خاف و ارعوى وكف عما هو فيه و الذى يهدى بكلام الله ورسوله فلا يهتدى ولا يرفع به رأسا فاذا بلغه عمن يحسن به الظن ممن يصيب ويخطىء عض عليه بالنواجذ ولم يخالفه
والذى يقرأ عليه القرآن فلا يؤثر فيه و ربما استثقل به فاذا سمع قرآن الشيطان و رقية الزنا ومادة النفاق طاب سره و تواجد و هاج من قلبه دواعى الطرب و ود أن المغنى لا يسكت
و الذى يحلف بالله و يكذب فاذا حلف بالبندق أو برئ من شيخه أو قريبه أو سراويل الفتوة أو حياة من يحبه و يعظمه من المخلوقين لم يكذب و لو هدد وعوقب
و الذى يفتخر بالمعصية ويتكثر بها بين اخوانه وأضرابه و هو المجاهر
والذى لا تأمنه على مالك وحرمتك
و الفاحش اللسان البذىء الذى تركه الخلق اتقاء شره و فحشه
والذى يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها و ينقرها ولا يذكر الله فيها إلا قليلا و لا يؤدى زكاة ماله طيبة بها نفسه ولا يحج مع قدرته على الحج ولا يؤدى ما عليه من الحقوق مع قدرته عليها ولا يتورع من لحظة ولا لفظة ولا أكلة ولا خطوة و لا يبإلى بما حصل من المال من حلال أو حرام و لا يصل رحمه و لا يرحم المسكين و لا الأرملة و لا اليتيم ولا الحيوان البهيم بل يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين و يرائى للعالمين و يمنع الماعون و يشتغل بعيوب الناس عن عيبه و بذنوبهم عن ذنبه
فكل هؤلاء و مثالهم يعذبون في قبورهم بهذه الجرائم بحسب كثرتها وقلتها وصغيرها وكبيرها
و لما كان أكثر الناس كذلك كان أكثر أصحاب القبور معذبين و الفائز منهم قليل
فظواهر القبور تراب وبواطنها حسرات وعذاب
ظواهرها بالتراب والحجارة المنقوشة مبنيات وفي باطنها الدواهى والبليات تغلى بالحسرات كما تغلى القدور بما فيها
ويحق لها وقد حيل بينها وبين شهواتها و أمانيها تالله لقد وعظت فما تركت لواعظ مقالا و نادت يا عمار الدنيا لقد عمرتم دارا موشكة بكم زوالا وخربتم دارا أنتم مسرعونى إليها انتقالا
عمرتم بيوتا لغيركم منافعها وسكناها وخربتم بيوتا ليس لكم مساكن سواها
هذه دار الاستباق ومستودع الاعمال وبذر الزرع وهذه محل للعبر رياض من رياض الجنة أو حفر من حفر النار