علم النفس و المدرسة الحديثة
إن علم النفس هو العلم الذي يدرس سلوك الانسان بأوسع معنى لكلمة سلوك .و هو يشمل نشاط الفرد في تفاعله مع بيئته تعديلا لها بقصد تحقيق التلاؤم و التكيف المناسب معها بغية تحقيق التوافق.و السلوك بهدا الفهم يتضمن ما هو ظاهر نستطيع إدراكه و ملاحظته كالمشي و الأكل و الشرب و القفز و الجري و الاعتداء و انجاز الأعمال و المهمات .كما يتضمن ما هو غير مدرك لنا إلا من صاحبه كالتفكير و التخيل و الأوهام و المخاوف و الآمال و الحزن و السرور و الغضب و قس على دالك من الهواجس و الأحاسيس الداخلية.كما يتضمن السلوك أيضا ما لا يتحكم فيه حتى القائم به خصوصا الناتج عن اللاشعور مثل سلوكات النائم في تخيلاته و أحلامه و كوابيسه و مثل الأمراض النفسية و مظاهرها . و يتضمن السلوك ما تقوم به الأجهزة الجسمية من حركات التنفس و طرفة العين و غمزاتها نحس بها و أخرى قد لا نحس بها مثل إفرازات الغدد و غيرها .
و علم النفس كباقي العلوم الأخرى يهدف بالدرجة الأولى إلى:
1-الفهم و التفسير للظاهرة
2-الضبط و التحكم فيها
3التنبؤبمصيرها و مستقبلها
و انطلاقا مما سبق يتضح بان علم النفس متشعب الفروع يهتم بمجالات عدة تتسم بالتنوع و التعقد أحيانا. و طالما أن هدف علم النفس هو الكشف عن مظاهر و أسس هدا السلوك , و تعقب صوره و إشكاله لفهمها و تفسيرها و ضبطها و التحكم فيها و التنبؤ لها ,و الملاحظ أن هدا العلم تفرع إلى تفرعات نظرية و تطبيقية مختلفة و هكذا نجد له فروعا مثل علم النفس التربوي و علن نفس الطفل و علم النفس الاجتماعي و علم النفس المهني و علم النفس الصناعي و علم لنفس التاريخي و علم النفس المقارن ----الخ .
و هدا التفرع السريع ناتج لامحالة عن تطور العلوم و استجابة طبيعية لأسلوب الحضارة المعاصرة التي اخدت تهتم بالعنصر البشري و محاولة تأهيله و العناية برفاهيته و تعليمه و تثقيفه و بالتالي مساهمته في رقي الحضارة نفسها .
و تعتبر المدرسة من أهم الوسائل التي اعتمدتها الحضارة لرقيها و تقدمها و بدلك تركز البحث في هدا المجال على البحث المستمر عن الوسائل الفعالة التي تتيح لكل فرد من أفراد المجتمع أن ينال قسطه من التربية و التعليم إلى أطول مدة ممكنة حتى يتيسر له الخروج إلى المجتمع و هو مزود بالكفايات و المؤهلات و المهارات اللازمة التي تحقق له نجاحا في حياته الحاضرة و المستقبلية
و من تم بدأت تعمل كل النظريات التربوية على الاهتمام بشخصية المتعلم و العمل على اكتمال مقومات شخصية الطفل من كل نواحيها الفكرية و العقلية و الحركية و الوجدانية.كما تحرص على انفتاح المدرسة على المجتمع باعتبارها جزء منه تنطلق منه و تعود إليه.حتى تمد بالمجتمع بطاقات بشرية هائلة تساهم في تنمية مستدامة حقيقية .بل أصبحت حياة الشعوب تقاس بمدى حسن استثمارها للثروة البشرية الكامنة في أبنائها و توجيه سلوكهم الوجهة الإنشائية التي تسهم في تقدم الإنسانية.و من هنا تحددت و وظيفة المدرسة الحديثة أهدافها كما سيتضح لاحقا, و أصبح يقاس مدى تحقيقها لهده الوظيفة و هده الأهداف بمدى التغير الذي تحدثه في سلوك التلاميذ و التعديل الملائم الذي ينبغي أن نحدثه. و من هنا كانت مختلف العلوم تساهم بنصيب في رفع كفايتها و مستواها.و لكن علم النفس التربوي كان له النصيب الأوفر في هده الإسهامات .
فعلم النفس التربوي هو أحد فروع علم النفس العام الذي تخصص في دراسة ظواهر النمو التربوي التعليمي.و النمو التعليمي ظاهرة تصاحب عملية التربية .و مند ميلاد هدا العلم و ولدت معه المدرسة الحديثة .فكيف كان ميلاد هدا العلم ؟و كيف ونشأت معه المدرسة الحديثة ؟لقد كانت التربية حتى أواخر القرن التاسع عشر خاضعة للفلسفة.اد انفصالها عنها جاء متأخرا بالنسبة لبقية العلوم الاجتماعية الأخرى .و لكن هدا الانفصال لم يكن كليا كما حدث في بقية العلوم الأخرى ,و إنما هو انفصال جزئي لا يتعدى الجانب العملي أو الجانب التجريبي ,أما الجانب النظري منها فهو من الفلسفة و إليها .لان مهمة التربية قبل كل شيء هو الحلقة الموصلة للدخول إلى المثل العليا التي تضعها الفلسفة ,و قد عبر عن دلك بعض الفلاسفة اد قيل :"ان التربية هي الجانب العملي الديناميكي للفلسفة "و هدا ما يفسر لنا كون جميع علماء التربية القدامى و المحدثين كانوا فلاسفة .ففلاسفة اليونان هم الدين وضعوا أسس التربية اليونانية. و فلاسفة المسلمين هم الدين حددوا أهداف التربية الإسلامية و إغراضها.و في عصرنا الحاضر نجد بعض علماء التربية فلاسفة مثل الفيلسوف لانجليزي "تراندروسل "و الفيلسوف الأمريكي "جون ديوي " و غيرهما .و قد كان الخضوع للفلسفة في العصور القديمة يحدث في التربية بعض الارتباك مما كان يعوقها عن السير في الميدان العلمي و التجريبي على وجه الخصوص , و عندما بدأت تسود في القرن السادس عشر و السابع عشر طريقة البحث العلمي المعتمد على الملاحظة و الوصف و القياس و التجريب ,ووضع القوانين العلمية ,و عممت هده الطريقة حتى شملت العلوم الاجتماعية في القرن التاسع عشر.كان لزاما على التربية كذلك أن تطبق هده الأساليب بأن تدرس المشكلات التربوية على النمط نفسه الذي تدرسه العلوم الطبيعية و الاجتماعية, و تحللها على نفس القوانين مستعينة في دلك ببعض العلوم الأخرى كعلم الاجتماع و علم الأخلاق, و علم النفس.
على أن التربية و أن استقلت جزئيا عن الفلسفة بقي الصراع قائما حول أهدافها من أين تستمد ؟هل تستمد من علم الأخلاق و فلسفته, على أن يضاف إلى دلك ما يحقق الحد الأدنى للفائدة العلمية و التربوية ؟فتكون مهمة التربية من وجهة نظر الأخلاقيين لا تكتفي بأن تكشف عن ما هو كائن في الإنسان من تقابليات و إمكانات . بل من واجبها أيضا تزويد النشء بالوعي الثقافي المستمد من الدين و التاريخ و اللغة للوصول إلى تثقيف نفسه بنفسه.و استثمار قابليته المختلفة. أو بتعبير أدق ؛ من معرفة ماهر موجود تنشأ القواعد حول معرفة ما يجب إن يوجد .
و فكرة استمداد التربية أهدافها من علم الأخلاق ره الجديدة في الواقع لأننا نجد أرسطو يعبر عن هده الحقيقة بقوله :"إنما لا ندري هل نربي النشء للخير المطلق , أم نربيه على ما ينفعه في الحياة "
و هناك من يرى أن التربية عليها أن تستمد أهدافها من علم الإحياء. و هي نظرية نادي بها أصحاب نظرية النشوء و الارتقاء. محاولين تطبيق نظرية التطور في المجتمعات البشرية معتمدين على مبدأ الارتقاء و البقاء للأصلح.لتيسير مجتمع مثالي يتحقق فيه نوع من التوازن الكامل بين الإنسان و الوسط المحيط به, مستمدا قوانينه من علم الأحياء. و هو العلم الذيالمجتمع.الطبيعة تسعى لبقاء الفرد .كما تسعى لبقاء المجتمع . و لدلك فالتربية من و جهة نظر هؤلاء يجب أن تربي الفرد على الإنتاج. و على نمو النوع و كماله ليقوم الفرد بواجبه الاجتماعي .حيث أن التكيف من خصائص الأحياء و منهم الإنسان, على أن يكون نمو الحضارة و الثقافة إنما هو جزء ثانوي من أهداف التربية.
على أن التربية تخطت جملة من الأمور و النظريات حين بدأت تستعين بتدخلات و أبحاث علم النفس مند القرن الماضي و دلك لوجود علاقة وطيدة بين هده الحركة و أهداف التربية و المتمثلة أساسا في أبراز شخصية الفرد و توجيهها وجهة صحيحة تتفق مع الحياة المستقبلية ووجود التوافق القوي بين الفرد و المجتمع .
و علم النفس يهدف إلى إيجاد نوع من السلوك الذي يربط بين جميع الأفراد لتكوين المجتمع المتماسك. الخالي من الشدود و من الأمراض الالجوانب.لعصبية .حتى نكون شخصية متماسكة و مكتملة الجوانب .و بين أهداف العلمين , يمكن أن يبرز نوع من التكامل و التوافق يتجليان في العناية بإصلاح المبادئ الطبيعية في التربية و تمحيصها و استخدامها في التعليم , ثم العناية بالطفل و دراسة ميوله و نزعاته الطبيعية و نشأته العقلية مما يدخل في اختصاص علم نفس الطفل و ثم السعي لإصلاح التربية بإصلاح طرقها و مناهجها و إصلاح طرق التعليم و طريقة إعادة المعلمين مما يدخل في اختصاص التربية التجريبية .
و قد ظهرت جذور هدا التعاون بين التربية و علم النفس على يد الكثير من المربين و على رأسهم "يوهان بستولوتزي" الذي تأثر كثيرا بآراء "روسو" المصلح الفرنسي , و تبني نظرية التربية و اتخذ منها منطلقا للتربية العملية ,كما آمن بصلاح الفرد و فساد المجتمع , و أن التجديد في التربية هو السبيل لتقويم الحياة الاجتماعية .إلا أن "بستولوتزي كان له الفضل في دراسة الطفل دراسة علمية نظامية تقوم على قوانين النفس و خاصة قانون الحدس فيها حيث يرى أن التربية تقوم على مساعدة الطفل على الانتقال من الحدسيات الغامضة إلى الحدسيات الواضحة .
و بهدا يكون قد تجاوز بالدراسات النظرية عند روسو إلى الصعيد التطبيقي سواء في النظم التربوية أو إصلاح المناهج التعليمية .
و قد كان لآراء بستولوتزي هده كبير الأثر في نفسية تلاميذه و أتباعه الدين حملوا لواء توثيق العلاقة بين التربية و علم النفس , خاصة منهم "فريديرك فروبل "الذي أنشأ أول روضة للأطفال , وشق له طريقا في التربية أساسه النشاط الذاتي و الحرية و اللعب و الأشغال اليدوية
سأكمل الموضوع