الحلــــقـــــــــــة 14
أبشروا،العطلة على الأبواب،ولكن......
كنا ننتظر العطلة كمن ينتظر العتق ،نبدأ بالعد التنازلي قبل حلولها بشهر،يعلو البِِشْرُ وجوهننا ،ويكثر الحديث عن موعد ملء نتائج التلاميذ التي تعتبر إيذانا بالعطلة ، ويتساءل الأساتذة عن تاريخ استدعائنا من طرف السيد المدير، وغالبا ما نخبر بتواجده في المركزية من قِبَل الأهالي الذين يذهبون إلى ابن يعقوب للتبضع أو طحن الشعير،بأسبوع قبل العطلة، فإذا أخبرونا برؤيتهم ل، سيارة رونو 4 متوقفة في المركزية، نعلم حينها أن المدير حاضر ,و أن عملية ملء النتائج وشيكة، وإذا كنا نعلم بخبر تواجد المدير من طرف الأهالي، فإن العكس صحيح، فالمدير يعرف حضور الأساتذة بدوره من طرف الأهالي، ويتأكد من تواجدهم بالسؤال عنهم مباشرة أو يبعث في طلب معلومة صغيرة: كأن يطلب عدد الطاولات أو الباقي من مواد المطعم ، أو عدد المنقطعين ؟ ويكتب خلف الورقة: عاجلا
وهي طريقة ناجعة لضبط غياب الأساتذة ومعرفة الحاضر من المتغيب، وإذا حدث وأنكر بعض السكان رؤيتهم للأستاذ، فإن هذا الأخير يعتبر غائبا بقوة شهادة الشهود، وأن اقتطاع من الأجرة في انتظاره،لا محالة، مسألة حتمية،و عادة لا نعلم بالاقتطاع من الحوالة إلا بعد مضي ستة أشهر، وهي المدة التي تفصل تاريخ كتابة السيد المدير عن تاريخ مباشرة الاقتطاع،ولتفادي كل ما من شأنه المساس بوضعيتي المالية، انتهجت إستراتيجية جهنمية من صنعي ،تؤكد وجودي وتجنبني المشاكل، وذلك أنني كنت كلما لمحت أحدهم يمتطي بغلته متوجها إلى المركزية، أُبادِره:
ـ إذا التقيتَ بالسيد المدير، رجاءً بلِّغه سلامي الحار،يرحم ربي ايفْقيرَنْ( الله يرحم الوالدين)
ضمنيا قل له:ها أنا موجود
وهكذا أكون قد أتبثُّ حضوري بالفن وتحاشيت اقتطاعا جائرا.
غير ما ميز الفترة التي كنت أنتظر فيها عطلة نهاية الدورة الأولى هي اعتلال صحتي،كنت أعيش بدون مرحاض،أقضي حاجتي خارجا، لكن مع حلول فصل الشتاء البارد وانخفاض درجات الحرارة إلى أدنى مستوياتها، وتبعث لنا جبال الأطلس الكبير المكسوة بالثلوج بردا قطبيا قل نظيره، أصبح الخروج مستحيلا، نصحني الأساتذة باستعمال قنينة بعد قطع جزئها العلوي، والتبول بداخلها بدل الخروج مرات متعددة، وإخفائها تحت الطاولات إلى حين اعتدال الجو، رفضت الفكرة جملة وتفصيلا،لم أعتد على ذلك،ولم أستسغها ،ومبادئي لا تسمح لي ،استمررت بالمغامرة في الخروج، أضحت الرغبة في التبول تتملكني كل نصف ساعة، فَسَّرْتُ ذلك بالإكثار من شرب السوائل خصوصا الشاي الصويري المعروف بجودته وقوته، لكن بعد توالي الأيام،تبين لي أن بولي ممزوج بالدم،مصحوبا بآلام مبرحة في خصري، استفحل المرض اللعين يقطع أحشائي أجزاء، أصبحت أتبول قطرة أو قطرتين دما خالصا، وتعاودني الرغبة الملحة مع الحرقة كل ربع ساعة ،علمت أن صحتي لسيت على ما يرام،وأن نتيجة انعدام المرحاض و التجول بالمقراش ليلا بحثا عن الخلا، أعطت أُكْلَها، كما كنت أجني ساعتها نتيجة عنادي باستعمال القنينة ،وإصراري على الخروج ،كانت هذه أول مرة في حياتي، أتعرض فيها لمرض قوي وبالآم مماثلة،الأمراض التي كانت تصيبني خفيفة، لا تتعدى نزلة برد،مغص عابر، دوار بسيط، أما أن تصل لدرجة التبول دما وبعيد عن الأهل والمستشفى،أصارع الموت، ولا أحد يستمع لشكواي إلا الله، فتلك مسألة أخرى لا يعلمها إلا المكتوون بالعمل في القرى النائية،
شكوت لصديقي محمد بن "ب" ما حل بي،صَعُب عليه الأمر،لن أنسى جميله ما حييت، سلمني مبلغ 2000 درهم كانت مخبأة بإحكام تحت المخدة، وقال لي: خُذْ اللي خصك، أنا مْصَّرف المانضا ،صحتك هي الأولى ،
رفضت بلطف، بحكم أن العطلة على الأبواب،ولم يبق تقريبا إلا عشرون يوما،فإذا ذهبت اليوم ، يتطلب السفر ثلاثة أيام،ومثلها في العودة، وما يلزمني من راحة ، وما يعقبها من إجراءات إدارية طويلة ومعقدة: طلب رخصة مرض، ‘شهادة طبية، استئناف العمل،هي نفس المدة التي تفصلني عن العطلة،فضلت الصبر على التغيب من أجل المحافظة على نصاعة ملفي الإداري ،خاليا من الغياب، يدعم حاجتي للترسيم،
احتجت لشخص أبوح له بحقيقة معاناتي وتفاصيل آلامي ، يستمع لشكواي ،احتجت في الحقيقة ل أمي ، هي أمي،حتى وإن كبرتُ،وإن توظفت، وإن متُّ ، هي أمي ،وإني لا أخجل من الحديث ل أمي عن ما أصابني ويصيبني كطفل صغير، حينها أدركت معنى الأمومة وأدركت مكانة الأم، وتساءلت لماذا يذكر الرجل أمه ـ ولو بلغ الثمانين من عمره ـ حتى في سكرات موته،ينطق باسم أمه ولا يذكر أباه، كانت هذه أول مرة أفارق فيها أمي مدة ثلاثة أشهر، لم أرها فيها ،ولم اسمع صوتها،
أينكِ يا أمي؟ كنت أفتح عيني على فطوري في بيتي، توقظنني أذا تأخرت، أعود مساء و أجد نصيبي من الغداء في انتظاري، تُرتّبين لي بيتي الذي كنت ألقي فيه ملابسي حيثما اتفق، تذكرينني برعونيتي قائلة:
ـ أنت فوضوي، ما تقبل عليك حتى وحدة
ما أجمل عصبيتك أمي
أتنكرين علي وجود من تجمع أشلائي؟؟؟؟؟؟بالطبع :أنتِ، أطال الله عمرك
اشتقت لك كثيرا يا . . .
وجدتني أردد: مِّيْمتي ، مِّيمْتي مِّيمْتي ... من شدة الأم الذي يعتصرني
لا بأس، غدا تقلع النيسان نحو الحضارة