الحــــلقــــــــة 15
ما أحــــلاها عـــطــــلــــــة 2/2
وصلنا إلى إنزكان في الصباح الباكر،المحطة تعج بالحافلات ، كل الخطوط متوفرة ،تناولنا فطورنا بالحريرة والإسفنج وبراد شاي، وافترقنا مودعين داعين لبعضنا البعض قضاء عطلة سعيدة.
كانت وجهتي البيضاء التي وصلتها ليلا،
كنت كالثّمِل، من فرط تعب السفر، منهك، أشعر بدوار، وألام في المفاصل، وغثيان. أرى كل من حولي يدور، سلمت على أسرتي في عجالة، لم أستوعب ما يقولون، وأسلمت جسدي لنوم عميق.
استيقظت في صباح اليوم الموالي على رائحة معروفة لدى حاستي، تنبعث من المطبخ، رائحة الزيت تحترق،
كانت أمي، كما توقعت، منهمكة في إعداد المسمن، ،تلك كانت عادتها في الترحيب بضيف عزيز غالي،تقدم له
مسمنات ساخنات ، مدهونات، مع براد شاي تقدم كوجبة فطور غنية للضيف، كنت ذلك الضيف ،موضوع حفاوة بالغة من طرف والدتي ،ضيافة دخلتها من بابها الواسع بسبب غيابي الطويل واشتياقها لي
أتراني فعلا أصبحت ضيفا؟؟؟ وأحظى بشرف الحفاوة و الترحاب؟حتما لن تراني إلا على رأس كل ثلاثة أشهر، كل عطلة.
ما تقوم به أمي اليوم ، ذكرني بزيارات جدي النادرة لنا، بجلبابه الفضفاض وعمامته البيضاء ـ رحمه الله ـ أيام الطفولة، قادما من " البلاد " يُقلُّه صاحب التريبورطور( دراجة نارية بثلاثة عجلات) إلى البيت ويساعده في إدخال
كيسين من القمح، وفك وثاق دجاجة عازبة (عتوكة، ثلاث نقط فوق الكاف) من على الصندوق الحديدي للدراجة
ما يهمنا نحن الصغار هو "العتوكة"، كنا نربيها و نَنْعم بما يجود به جوفها من بيض لمدة شهور،كان يحظى بنفس الترحيب و الحفاوة التي أحظى بهما هذا الصباح من قِبَل أمي
كنت أنظر إليها، لا تزال تواصل عملية إعداد المسمن،
فكانت واحدة على المقلاة ، والثانية على "القصرية" تأخذ نصيبها من التسوية وتنتظر دورها،استقبلتني أمي بابتسامة باهتة مصطنعة:
ـ كيف أصبحت؟ استرحت؟
ـ الحمد لله ،عيان شوية يا أمي، خصني نشوف الطبيب
ـ مالك؟؟؟
ـ .........
كنت أحكي لأمي عن مرضي، لم أكمل بعد ،لمحت أنها تشيح عني بوجهها، لا تُعير لحديثي اهتماما، صحت كأنني أدعوها لمتابعة حديثي:
ـ أمي ...
التفتَتْ نحوي، كانت دمعة تنساب على خدها،لم تستطع إخفاءها، وعينان متورمتان، حينها استدركت قائلا، للتخفيف من حدة التوتر والتقليل من شأن المرض:
ـ كيف والو، كيف والو، دابا ، الحمد لله بخير
علمت أن المرض الذي ألَمَّ بي، كان بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس لدى والدتي،وارتسمت خيبة أمل على ملامح وجها ،بلعت ريقها ومعه مصيبتها، لم تكن تتوقع أن ترى ابنها عائدا بملابس متسخة، تفوح منها رائحة العرق، بشَعر أشعت طويل ،لم يَرَ المقص لمدة ثلاثة أشهر بسبب انعدام صالون للحلاقة، وجه شاحب ،لون البشرة عليه أثار لفحات الشمس الحارقة، شفتان زرقاوان وأسنان بدأ يعتريها الصدأ بفعل تدخين أبخس أنواع السجائر، عينان غائرتان تختزلان جبلا من الهم والغم وفقدا بريق الحيوية والشباب.........
كانت تنتظر أن ترى على محياي نعمة التوظيف،كما يدل على ذلك اسمه ، مرتديا أحلى الثياب، مترجلا من على طاكسي صغير أحمر لا من أو طوبيس، محملا بالهدايا.لا بصاك يعتليه غبار تاسوسفي،ويحتوي على ملابس لا تعيدهاـ أيةُُ آلة التصبين ـ لحالتها الأولى
منظر ابنها واقف أمامها: كحفار القبور، عائد ،و بعد غيبة طويلة معطوب
لا شك أن أمي أسقط في يدها من ناحية مهنة التعليم، وغسلت يديها عن مهنة طالما قيل عنها شريفة،لم تصدق ما رأته عينُها حمدا الله،أني وصلت ليلا،ولم يلمحني أحد من الجيران،لكانت فضيحتها بِـبَنْديـــر
سألتني أمي:
بشحال المركوب لطاطا؟؟؟
ـ 5000 ريال(250 درهم)
واك واك، واك واك... شحال بعيدة. 5 المرات باش بعيدة على "البلاد"
كانت أمي ذكية، تخمن المسافات، وتستنتج بعدها بمقارنة ثمن تذكرتها مع ثمن تذكرة حافلات النقل ل "أسفي "المعروفة لديها والتي لا يتجاوز ثمن تذكرتها 50درهما ولا تتعدى مسافتها 240كلم
فإذا كانت50درهم لمسافة 240كلم، فإن خمسة مرات أبعد
من "أسفي" وبثمن 250درهم، تعني بالضرورة1200 كلم
وكانت أمي على صواب، رياضية بامتياز ...
قضيت يومي الأول بين الذهاب للحمام والحلاق والمقهى بفضل 50 درهم كمصروف الجيب من صندوق تدبير والدتي،كنت في المقهى أتحاشى الحديث عن مكان تعييني، فإذا سألني أصدقائي ،أكتفي بالإجابة بأني أعمل غير بعيد عن طاطا، المدينة المعروفة بجودة تمورها ،ولغة أهلها الأمازيغة التي أرغب في تعلمها
قضيت أيام عطلتي أتردد على عيادة الطبيب جسوس( أذكره جيدا) الذي كشف علي،كان عندي انتفاخ والتهاب في الكلي بسبب البرد،صرفت ما يقارب 1200 درهم مابين الفحص و الأشعة و"التلفزة"( الفحص بالصدى) والتحاليل والدواء، أزور العيادة كل صباح لأخذ حقنة مقويات.
مبلغ لا بأس به في ذلك الوقت،لا أدري من أين تدبرت أمي أمره ،ولم أكن قد قبضت" الرابيل "بعد.
التقيت حبيبتي مرتين على ما أذكر،كنت قليل الكلام على غير عادتي،( لم أبح لها بتفاصيل تعيني لغاية اليوم ) شارد الدهن كالمعتوه،تحت وطأة صدمة التعيين، فكري مشتت ما بين البعد ،وظروف العمل، وحالة الطرقات ،وانعدام وسائل العيش و النقل ،وبين استحالة الانتقال
كلها أسباب دفعتني لتجنب الخوض في الحديث عن مشروع الزواج الذي طالما لوحت به ،و الذي لم يعد يحظى بالأولية في أجندتي اليوم ،لضبابية المستقبل وصعوبة أجرأته على أرض الواقع
استمر مسلسل الكوابيس يقض مضجعي،
أتخيل نفسي مرات نائما على الطاولات وأنا على سريري في ببيتنا، كما يتراءى لي الفقيه مرات عديدة في منامي، بضحكته الماكرة، واستهزاءاته السخيفة، ومكائده اللامتناهية، وبعينين تشعان دهاءً ، يتوعدني بالاقتصاص مني، وكانت كلما اقتربت العطلة من نهايتها،كلما زاد قلبي انقباضا
و زادت عزلتي و انطوائيتي .
أفكر في متاعب العودة إلى الجنوب التي تنتظرني:
رحلة لا تنتهي، إلا لتبدأ من جديد