لا قيمة لقوانين واتفاقات لا تطبق
يجب التسريع بمأسسة الحوار الاجتماعي
خديجة غامري
يعتبر الحوار الاجتماعي آلية من آليات حل النزاعات وتطوير العلاقات المهنية، وكذلك مقياسا لتقدم أي بلد. إلا أن هذا المقياس يؤكد مدى تخلف بلدنا و غياب إرادة سياسية حقيقية لبناء دولة الحق و القانون و احترام حقوق الإنسان.
فمن جهة كل الحوارات الاجتماعية السابقة منذ 1996 تميزت بافتقادها لمقومات حوار اجتماعي حقيقي، منهجية الحوار، جدول أعمال اجتماعات الحوار و كذلك عدم الالتزام بالاتفاقات المتوافق عليها.
و من جهة أخرى فكلها تتميز بطابع الموسمية والارتجالية. فهذه الحوارات تنظم إما بمناسبة حلول عيد الشغل (فاتح ماي) أو جوابا و ردا على الحركات الاحتجاجية المكثفة في العديد من القطاعات. و لكن بمجرد إطفاء غضب المأجورين وتحقيق "سلم اجتماعي" تتلاشى الوعود و تستمر الأمور على حالها، بدون احترام الاتفاقات. و هكذا نجد أن نفس المطالب يعاد إدراجها في كل حوار مما يدل على غياب إرادة سياسية حقيقية عند الحكومات المتعاقبة على سن حوار اجتماعي حقيقي و مأسسته و الالتزام بالاتفاقات الصادرة عن اجتماعاتها التي يجب أن تكون منتظمة.
و قد جاءت جولات الحوار لسنة 2008 في نفس الإطار و بنفس المنهجية و قد بدأت الجولة الأولى يوم 7 أبريل في ظل ظروف اتسمت باحتجاجات متواصلة للطبقة العاملة و عموم المأجورين إلى جانب باقي مكونات الشعب المغربي على الارتفاعات المضطردة و المهولة في أثمان المواد و الخدمات الأساسية و تجميد الأجور، كما اتسمت بالهجوم على الحقوق و الحريات النقابية و انتهاكات حقوق العمال سواء المتضمنة في مدونة الشغل، على علاتها، و التي تم التوافق حولها و تم تقديم عدة تنازلات في ظل موازين قوى مختلة لصالح المشغلين و الطبقة البرجوازية، أو المتعلقة بالحماية الاجتماعية. و استمرار جولة حوار أبريل إلى 29 أبريل الذي تزامن مع مجزرة "روزامور" معمل النسيج بالدار البيضاء الذي قضت النار المشتعلة فيه على حياة 64 من العمال والعاملات، فاضحة بذلك زيف الشعارات حول الاعتناء بحياة المواطنين واستهتار الباطرونا بأبسط الحقوق و شروط الصحة و السلامة لعاملات و العمال و ذلك على مسمع مرأى السلطات التي لها دور كبير في ذلك.
و لكن نتائج هذه الجولة من الحوار لم ترق إلى مستوى انتظارات المأجورين من عمال و مستخدمين و موظفين نساء و رجالا و لم ترق إلى أبسط المطالب المقدمة من طرف مركزيتنا، سواء فيما يخص تقليص معدل الضريبة عن الدخل أو الزيادة في التعويضات العائلية و في الأجور و المعاشات مع تحديد الأجر الأدنى في 3000 درهم، بالإضافة إلى مجموعة المطالب الاجتماعية الأخرى. غير أن المقترحات التي قدمتها الحكومة و فعلتها بشكل انفرادي (الزيادة الهزيلة في الحد الأدنى للأجور والتعويضات العائلية والزيادة الهزيلة للموظفين) لم يكن لها وقع يسجل على مستوى تحسين أوضاع المعيشة للأجراء، بل عمقت سخط عموم المأجورين و أججته خلال تظاهرة الغضب لفاتح ماي 2008 و جعلت جميع المتظاهرين يصرخون بلسان واحد ضد المقترحات وضد المحرقة/الجريمة التاريخية لمعمل "روزامور".
و ردا على هذا الاستهتار الحكومي، دعا الاتحاد النقابي، للموظفين بمعية العديد من الجامعات الوطنية التابعة للاتحاد المغربي للشغل، إلى إضراب 13 يونيه و لعدة وقفات و احتجاجات اضطرت الحكومة للدعوة لجولة ثانية من الحوار.
في هذه الجولة (أكتوبر 2008)، تغيرت الطريقة و لم تتغير الخلفية و الهدف غير المعبر عنه و هو تمرير القانون التنظيمي لحق الإضراب. تجلت هذه الطريقة في الاتفاق على جدول الأعمال و تشكيل لجنتين: لجنة القطاع الخاص و لجنة القطاع العمومي. و تفرعت عن كلتيهما لجان موضوعاتية.
لقد تميزت هذه الجولة بالتماطل و غياب الجدية و المسؤولية:
ففيما يخص القطاع الخاص لم يتم الحوار في لجنتين مهمتين و هما: لجينة تحسين الدخل و لجينة الحقوق و الحريات و استكمال التشريع نظرا للغياب المتعمد لممثلي الباطرونا cgem، و ضعف الحكومة التي لم تستطع ضمان هذا الحوار.
أما في لجنة القطاع العام، فقد تم تهميش جميع النقط المقترحة من طرف نقابتنا في جدول الأعمال و المتعلقة بـ:
- تحسين الدخل و تفعيل السلم المتحرك للأثمان والأجور.
- مراجعة قوانين الوظيفة العمومية و الأنظمة الأساسية للفئات والترقية الاستثنائية لسنوات 2003-2008،
- احترام الحقوق و الحريات النقابية في الوظيفة العمومية،
- الإجراءات المصاحبة للعمل بالتوقيت المستمر.
- الاستجابة لمطالب الجماعات المحلية و المؤسسات العمومية.
و قد كان غياب ممثلي بعض القطاعات الوزارية و عدم تمكين أعضاء اللجان من الوثائق الضرورية و مشاريع القوانين سببا في تعثر و تجميد عمل هذه اللجان، و تجدر الإشارة إلى أن لجنة تحسين الدخل تم تجميدها لمدة أسبوعين في انتظار جواب الوزير الأول.
و بشكل عام، فقد كانت مقاربة الحكومة هي نفسها التي اتخذتها في الجولة الأولى و بقيت المطالب الحقيقية للأجراء بدون جواب. و ذلك راجع لغياب رؤى واضحة لمعالجة الملفات الاجتماعية و غياب إرادة جادة و مسؤولة لحل النزاعات و تحسين ظروف العمل و المستوى المعيشي لعموم المأجورين.
و احتجاجا على ذلك، نظم الاتحاد النقابي للموظفين التابع للاتحاد المغربي للشغل و بتنسيق مع بعض المركزيات النقابية إضرابا وطنيا يوم 23 يناير 2009 بمختلف القطاعات الوزارية و الجماعات المحلية و المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري.
و بعد هذا الإضراب صعدت الحكومة من لهجتها و جندت جميع إمكانياتها و وسائلها و خصصت حيزا كبيرا في وسائل الإعلام المكتوبة و المرئية للهجوم على العمل النقابي و على الحق في الإضراب مستعملة بذلك:
- التهديد بالاقتطاع من أجور الموظفات و الموظفين المضربين خلال أيام الإضراب
- تبخيس إضراب 23 يناير
- التوجه للرأي العام لإظهار الإضراب كأنه عطلة يستفيد منها المضربون كيوم راحة.
و قد كان هدف الحكومة من ذلك هو إفشال إضراب و الوقفة الاحتجاجية ليوم 10 فبراير.
لكن رهان الحكومة كان فاشلا حيث نجحت هذه الحركة بشكل كبير و بلغة الأرقام فقد اعترفت الحكومة بنسبة 41% و حددت عدد المشاركين في 280 ألفا.
و قد كان هذا النجاح عاملا محفزا للمناضلات والمناضلين و مشجعا للموظفات و الموظفين و المأجورين بصفة عامة لمواصلة النضال والتعبئة الشاملة لإنجاح المسيرة الوطنية التي دعا لتنظيمها الاتحاد النقابي للموظفين التابع للاتحاد المغربي للشغل يوم 22 فبراير 2009 مما اضطر الوزير الأول، للمرة الثانية، للدعوة للحوار يوم 12 مارس بمراسلة نقابتنا التي أجلت المسيرة و وجهت مذكرة مشتركة بين المركزيات النقابية إلى الوزير الأول يوم 14 مارس تشمل أهم نقاط الملف المطلبي العام للاتحاد النقابي للموظفين وضمنها تحسين الدخل و الترقية الاستثنائية.
و في 30 مارس عقد اجتماع لتحديد منهجية الحوار والاتفاق على جدول الأعمال بين الحكومة و مركزيتنا النقابية وحدد كآخر اجل للوصل إلى النتائج النهائية يوم 25 أبريل 2009.
خلاصة:
إن الحوار الاجتماعي في المغرب لازال بدائيا و لا يعبر عن وجود إرادة حقيقية للنهوض به، و أن المسؤول الأول و الأخير عن ذلك هي الحكومة التي فشلت في الجولات السابقة و أهدرت وقتا طويلا في النقاشات داخل اللجان الموضوعاتية، وقد كان هدفها الأساسي هو اللعب على الوقت و إيهام المأجورين بأن ملفاتهم لها اعتبار.
إن الحوار الاجتماعي يجب أن يرقى إلى تفاوض جماعي من خلال:
* الأخذ بعين الاعتبار مطالب النقابات وإعطائها الأولوية المستحقة،
* اتخاذ إجراءات واضحة وأكثر جدية وعملية لضمان توفير شروط أحسن لعموم المأجورين سواء المتعلقة بتحسين الدخل و إعمال السلم المتحرك للأثمان و الأجور، أو الحماية الاجتماعية،
* احترام الحقوق و الحريات النقابية و حقوق الشغيلة.
و حتى لا يبقى الحوار الاجتماعي موسمي، يجب التسريع بمأسسته.
و تبقى نقطة ذات أهمية كبرى هي احترام الاتفاقات، إذ لا قيمة لقوانين واتفاقات لا تطبق.
و نحن على بعد 12 يوما من تاريخ 25 أبريل كآخر أجل للتوصل إلى نتائج نهائية بخصوص هذا الحوار، يحق لنا التساؤل حول مدى جدية و مسؤولية الحكومة و إلى أي مدى هي مستعدة للاستجابة للملفات الاجتماعية المطروحة.
المصدر: بيان اليوم - 2009/04/19