خيمت عتمة الليل وسكونه على القرية الصغيرة التي لم يكن يرى منها سوى تلك الاضواء الخافتة المنبعثة من نوافذ المنازل الصغيرة. اما في زاوية القرية عند منعطف الطريق الغربية ،كان هناك كوخ صغير ،كلما اقتربت منه بدت خيالات تتحرك على غير عادتها انها ليلة ليست كالليالي الاخرى بالنسبة لساكنيه.
في خطوات مثوثرة و في محاولة لتهدئة نفسه،كان رب الاسرة يمشي ذهابا و ايابا في اطراف الغرفة ،اما الطفلان الصغيران فكانت اعينهما ترافقا تحركات والدهما الغريبة ،لم يفهما ماذا يحدث .
في الغرفة المجاورة كانت تسمع صرخات والدتهما التي تتعالى شيئا فشيئا ،مما جعل الطفلين يتشبت كل منهما بالاخر من الخوف ،وفي بعض الاحيان يبدأ الطفل الاصغر بالبكاء كلما سمع الصراخ مرارا وتكرارا.
فجاة فتح باب الغرفة المجاورة لتخرج امراة نحيفة حادة القسمات.
-اين هو الماء الدافئ الذي طلبت؟هيا اسرع احضره لي.....
-انه فوق النار....إإإ ولكن اخبريني لماذا تاخرت هذه المرة ؟هل من مشكل؟
-اجل،لقد نزفت كثيرا ووضعية الجنين ليست سليمة يمكن ان نفقده او نفقد امه .إإإ
-ماذا يمكنني ان افعل ؟ ارجوك اخبريني...إإإ
-ليس لك سوى ان تدعو لهما بالنجاة.إإ
دخلت المراة مرة اخرى .اما الرجل فرجلاه لم تستطيعا حمله من الخوف و التوثر .
توالى الصراخ والانين لفترة طويلة ظن معها الرجل انها لن تنتهي ابدا.لم يعد يستطع سماع ذلك الصوت ،وضع اصابعه في اذنيه واستند الحائط منهكا خائر القوى .
فجأة عم سكون رهيب ،هرع الرجل الى باب الغرفة المجاورة و دقات قلبه تتسارع في انتظار معرفة ما يحدث.هذه المرة ليست كالمرات السابقة لم يسمع صوت طفل يصرخ لا بد ان هناك خطب ما.
خرجت المراة النحيفة مرة اخرى لكن هذه المرة بملامح حزن و تاسف.
-هيا اخبريني،ماذا حدث؟هل هما بخير؟
اشاحت المراة بوجهها عنه .ابت الكلمات ان تخرج من فمها. فهم الرجل ان هناك خطب ما . دفع المراة في غضب و دخل الغرفة يتفقد حال زوجته التي كانت جثة هامدة.
لم يصدق ما يرى ،بدأ يرجها من كتفيها و يمسك يديها
-هيا استفيقي....لا تموتي ،لا تتركيني وحدي ...ارجوك..لماذا ...لماذا...انا بحاجتك.
حاولت القابلة التهدئة من روعه واعادته الى صوابه
-سيدي انها ميتة الان ،يجب ان تحترم الموتى ،ثم يجب ان اخبرك شيئا اخر عن الطفلة التي ولدت.
هز راسه في تثاقل خائر القوى وكانه استسلم للوضع
-ماذا بها ؟هل ماتت هي ايضا؟
-لا ......انها........مشوهة..إ
-ماذا تعنين بذلك؟
حملتها المراة من مكانها لتعطيها لابيها.
لم يستطع الرجل حملها لقد صدم لما راى .
-يا الهي ،ما هذا؟وجهها ......لا يمكنني حملها ...إإإ لا ...انها ملعونة ....بسببها ماتت زوجتي........
انهار الرجل مرة اخرى وبدا بالبكاء.
-لا تقل هذا سيدي ،مهما يكن فانها ابنتك ،ولا يمكنك التخلي عنها ، انها سوى طفلة صغيرة وليس لها ذنب فيما حدث .
-لا ابعديها عني ،لا اريد رؤيتها.....
شعرت المراة بالرافة على هذه الطفلة التي حرمت من امها ونبدت من ابيها ،وقررت ان تاخدها معها حتى يهدا الرجل ويستفيق من صدمته.
مر اسبوع على الفاجعة ،حملت المراة الطفلة وتوجهت الى عائلتها .
طرقت الباب ،هرع الابن الاصغرليفتحه
-هل والدك موجود؟
-نعم سيدتي ،هل هذه اختي؟دعيني انظر اليها،انها صغيرة جدا .ولكن ماذا حدث لوجهها ؟هل هي مريضة؟
-نعم بني، قل لي الان اين والدك؟
-انه بغرفته،ساعلمه بالامر.
دخل الطفل يجري في عفوية
-ابي،ابي ،انها تلك المراة تسال عنك ،وتحمل اختي.إإ
لم يسمع أي رد من والده
دخلت المراة غرفة الرجل حاولت التكلم معه ولكن لم يجبها .
وضعت الطفلة امامه وهمت بالانصراف.
-انتظري،انا لا اريدها، يمكنك اخدها.
-انها ابنتك سيدي وعليك تقبل الوضع ،انها طفلة صغيرة فقط،ما ذنبها .لا اريد ان اتحمل مسؤوليتها،انت تعرف اني امراة فقيرة لا اتحمل نفقة شخص اخر،ثم اني لا اريدها ان تكبر وتلومني لانني اجدتها من عائلتها .اذا لم تردها فارمها في الغابة للذئاب ان استطعت، وعش مع ذلك الاثم حتى تموت مقهورا.
خرجت المراة في غضب واوصدت الباب وراءها في عنف.
..................تابع في الحلقة القادمة