ليس بالدرس وحده يتعلم التلميذ ويتفوق
اعداد: ناديا متى فخري
الإجازة المدرسية, حاجة معنوية توجب التوقّف عندها, وقد يتساءل البعض: ما هي التقديمات التي توفّرها الإجازة؟ ويرى البعض أن العطلة الصيفية لا تُجدي نفعاً, ويُنظر إليها كوقت ضائع لا نقطف منه ثمرات الإنتاج والإجتهاد ولا يخدم ثقافة النشء الطالع ومهاراته الذهنية والفكرية. والمؤسف, أن بين الأمهات من تبدي قلقها من الإجازة المدرسية وتعتبرها مُربكة, تضاعف مسؤوليتها كأم وربّة أسرة, وتنسى هذه الأم, أن إحتياج أولادها لاستراحة فصلية أمر ضروري لناحية إستئناف نشاطهم المدرسي بحيوية وإندفاع ومعنويات عالية.
ما الإفادة من الإجازة؟ هل هي محور مهم في حياة الطلاب, يخدم احتياجاتهم توجهاتهم الخاصة؟ ما مدى تأثيرها في نجاح الطالب وسلّم التعليم؟ وكيف يجب أن نتصرف في الإجازة مع أولادنا وما هي الطرق التي يجب إتباعها؟ الأسئلة المطروحة حول هذا الموضوع متعددة, وللتوضيح, ارتأينا إلقاء الضوء على الدور الذي تلعبه الإجازة المدرسية في واقع الطلاّب, مع الإصرار على كونها حاجة معنوية شديدة الأهمية نظراً لما تقدمه لهم من إفادة.
تعلّم لا أشغال شاقة
من المتفق عليه, أن مسؤوليتنا كأهل تطالبنا أن نهتم بتعليم أولادنا وبتزويدهم ثقافة فكرية سليمة تقدّم لهم الحوافز التي تمكنهم من مواجهة الحياة بشخصية متكافئة, متوقدة بالعلم ومقومات السلوك المستقيم. ذلك لا يعني أن نبالغ في إرباك أولادنا بالمسؤوليات ومطالبتهم ببذل جهد يفوق طاقتهم, فالإ**** وبجرعات يومية ضخمة, لا يؤدي الى النتيجة المتوخاة, دون الوقوع في إخفاق.
يسود إعتقاد أن الطالب يترتب عليه أن يقضي معظم وقته منكباً على العمل بإستمرار, حتى في فترات الإجازة, وهذا إعتقاد خاطئ, لأن الإ**** الفكري تنتج عنه مضاعفات تؤذي طموح الطالب وتدفعه الى الإستياء والإحباط النفسي. ولتجنّب الوقوع في مثل هذه الحال, علينا أن نتصرّف بحكمة ووعي وشفافية مع أولادنا, فالطالب في المدرسة يُمكن أن يُعاني من الإ****, بنفس القدر الذي يعاني منه الموظّف في عمله, بل أن معاناته أحياناً قد تتجاوز معاناة الكبار بمراحل, ولأسباب متعددة نذكر منها: الجدول اليومي بكل ما يحمل من مواد وواجبات, الخوف من الرسوب في الإمتحانات, حساسية بعض الطلاب الزائدة والشعور بالنقص والدونية الذي تعكسه الفروق الفردية ويشتد عند أي تفاوت في المعاملة بين طالب وآخر, إنهيار جسور التواصل بين الطالب وأهله ومدرسيه, عدم القدرة على مواجهة الذات بصدق وأمانة, والإعتراف بالخطأ, والإحساس بالعجز عن المشاركة في أي نقاش جماعي, وغير ذلك من أمور تجعل الطالب يعاني ويتكوّن لديه إحساس بالهزيمة, وطالما أنه غير قادر على المواجهة بشجاعة يجد نفسه فريسة للتشنج والتوتر.
على هذا نلمس مدى أهمية الإجازة الفصلية, ويثبت لنا أنها ضرورية ومفيدة, لأنها تؤمن للطلاب فرصة إستعادة توازنهم وإستقرارهم النفسي والذهني... نحن نعرف أن تفاصيل الحياة اليومية تحاصر الطالب داخل حدود تفرض عليه أن يبذل جهداً لتلبية نداءاتها, ما يدفعه للتحمس للفوز بإستراحة قصيرة تمنحه الإستقرار.. ونعرف أيضاً, أن أولادنا لا يلتقون في مسألة الإ**** حول محور واحد, فهناك شريحة من الطلاب معرضة أكثر من غيرها للإصابة بالإ****, وتقع المسؤولية هنا, في جزء منها على كاهل الأهل, والأصح قولاً, على البعض من الآباء الذين يفرضون حول أولادهم حصاراً من المسؤوليات التي لا تتناسب مع قدراتهم الذاتية وتتحدى قواهم البدنية والفكرية, كما سبق وأشرنا. والخطأ كل الخطأ, أن نحمّل أولادنا عبء القيام بأعمال مبالغ فيها ونضعهم تحت رحمة الإ****, لأننا بذلك نحدّ من إندفاعهم ومن إنطلاقتهم لتحقيق ذاتهم وإستقلاليتهم.
خطورة الإ****
حين يطرق الإ**** أبواب أولادنا, يفقدهم توازنهم النفسي, ويُثبط من عزيمتهم الى حد كبير, وهذا يؤثر سلباً على أدائهم المدرسي. وقد يُحدث الا**** نوعاً من التغيّر في الطباع, والميل الى الخمول والتمرد والجنوح الى سلوكيات مرفوضة إجتماعياً وبيئياً, بدلاً من التركيز على الإجتهاد والمثابرة لتحقيق النجاح, فنحن حين نطلب من أولادنا العمل ونحرمهم اللوذ الى الراحة, وأيضاً نطالبهم بإنجاز أعمال لا تدخل في حقل خبراتهم, ونفرض عليهم الإمتثال لرغباتنا من دون مناقشة, فلا بد أن يخسروا مهاراتهم ومهارات جديدة المفروض إكتسابها من خلال المشاركة الإيجابية التي هي من صميم العمل الثقافي...
في المقابل, إن الا**** والروتين والمسؤوليات تترك ردود فعل قلّما يكون تأثيرها إيجابياً, فهي تبعث الملل في النفس وتجعل الأفراد غير قادرين على تقبّل الواقع كما هو.. أما الإجازة المدرسية فتقدّم إلينا فرصة جيدة, كونها تشكّل مخرجاً إيجابياً للخروج من دوّامة المسؤوليات وحالتي الا**** والشلل المعنوي, وتشرّع الأبواب أمامنا للإندماج في برامج الحياة اليومية بنفسية متفائلة وذهن صاف.
صحيح أن المدرسة توفّر للنشء تقديمات مهمة, إلا أنه ليس بهذه التقديمات فقط تنمو طاقات الفرد وتتلبنن نفسيته وتتوسع معرفته, فهو يحتاج أيضاً الى وسائل الراحة, الى اللعب, والترفيه عن النفس, المشاركة في نشاطات تدرّب قواه الذهنية, والى الخروج للتعرف الى الطبيعة وتنشق الهواء النقي, حاجاته الى الغذاء والنوم والتعلّم. فما يكتسبه الأولاد في المدرسة يوازي أهمية ما يكتسبونه خارج نطاقها... والمطلوب من الأهل, إحترام أوقات الراحة وإستغلال الإجازة المدرسية أفضل إستغلال بشكل يدعم الأبناء معنوياً ويساعد في انعاش نموّهم المعرفي.. فالتقرّب من أولادنا ومناقشتهم, والتعرّف الى مشكلاتهم النفسية, والعمل على معالجة الثغرات التي تمنعهم من الإستجابة لمتطلبات الموسم المدرسي كما يجب, مسألة ضرورية, إذا أردنا أن نقدم للمجتمع جيلاً ناجحاً.
الإجازة.. حافز مهم
ضروري جداً أن نتعاطى مع الإجازة المدرسية بمسؤولية, وأن لا ننظر إليها نظرة هامشية فهناك أمور لا ندرك أهميتها إلا بعد فوات الأوان.. ولعلّ أفضل الخطوات المطلوبة في هذا السياق, أن نبتعد عن الأجواء المشحونة بضغط العمل في فترة الإجازة, وأن نتفرّغ لأولادنا ونخصص لهم وقتاً كافياً للراحة ونمنحهم فرصة التمتع بنقاهة نفسية.
إن المشارة في أي نشاط ترفيهي هي بحد ذاتها نوعٌ من الثقافة العامة.. فهي تساعد على التركيز في أجواء مربحة وتنمي قوة الملاحظة, وتبث روح التعاون, كما تنمي القدرة على التحكم بالإرادة وعلى فهم الأشياء على حقيقتها؛ والإنفتاح على العوالم الخارجية.. إن الإجازة المدرسية تخدم الأبناء وتتيح لهم فرصاً جيدة للتأقلم مع الواقع بكل ما يحمل من متناقضات, لذا كان الحرص على جعل العطلة الصيفية كفرصة للمتعة المقرونة بالفائدة وليست دائرة موسمية تحاصر الولد وتشلّ حركته.
ما يحدث هو أنه في الإجازة تتبدّل المعادلات وبدلاً من أن يكتسب الولد معرفته من البيئة المدرسية, يتحوّل الى إكتسابها من البيئة المحيطة به.
لا شك في أن تنظيم نشاطات الولد في الإجازة مسألة ملحة, غير أن لجوء الأهل الى إعتماد نشاطات غير مدروسة يؤدي الى نتائج غير مرضية تسيء الى الأبناء والى الغاية التي من أجلها اعتُمدت الإجازات المدرسية الصيفية.
يعتقد بعض الأهل أن إبقاء الولد في المنزل أمر مطلوب لتدريبه على الإنضباط والطاعة ولجعله أكثر نضجاً ووعياً, فيما إطلاقه على عوالم جديدة ما هو إلا مجلبة لفساد أخلاقه وتعويده على حياة اللهو والبطالة.. ويخشى البعض أن يُصاب أولادهم بأضرار جسدية نتيجة اللعب في الحديقة مثلاً, كالوقوع نتيجة التعثّر سهواً, أو التعرّض لأشعة الشمس الحادة, وأذية الرفاق وغير ذلك من المخاطر الوهمية.
الواقع أن ما يراود ذهن هؤلاء الآباء مردّه الى شعورهم أن أولادهم غير مؤهّلين للتآلف مع أترابهم ولا يعرفون كيف يتدبرون أمورهم, ويتصورون أن الطبيعة رغم مناخها النقي ضارة أكثر منها مفيدة, وبكلمة, يظنون أن الأخطار التي تهدد سلامة أولادهم الفكرية والأخلاقية والصحية تأتي من خارج المنزل.
إلا أن هذا غير صحيح, وللآباء الذين هذا دأبهم في التربية ويختارون لأولادهم ما يجدونه هم مناسباً لهم, نقول: جيد جداً أن نراقب أولادنا حذراً من وقوعهم في الخطأ, ولكن الممتاز هو أن نسمح لهم بممارسة هواياتهم والإشتراك بكل نشاط يدرب أذهانهم ويغذي معرفتهم, وأن نطلقهم في رحاب الطبيعة, ليلعبوا ويمرحوا ويكتشفوا خيرات الأرض وعطاءات السماء. فأين الخطأ, إذا خرج الطفل الى الحديقة وعبث في التراب, واستوقفته الأزهار وحضنته الشمس, وقضى بعض الوقت يمرح بين الأشجار ويتعرّف إليها.. ولماذا لا نعطيهم فرصة لإكتشاف ما يجب أن يتعرفوا إليهم عن كثب, وإطلاق الطاقات الحبيسة لديهم وتفجيرها والتعبير عنها؟
ليس بالدرس وحده...
إن كل موهبة في الفرد تحتاج الى صقل وتشجيع, وعلينا معرفة ميول أولادنا وإهتماماتهم, فإذا كان الولد شديد التعلّق بفن الرسم مثلاً, علينا أن نشجعه وندعمه, فقد يعبّر برسومه عما يجيش في نفسه, وهكذا الأمر إذا كان متعلقاً بالموسيقى وغيرها من الفنون الإبداعية؛ فإذا كانت هذه الميول توفّر له الطمأنينة النفسية فلماذا نحرمه منها, ومن الفوائد التي تقدمها له وتسهم في تعميق معرفته؟ ... وكمثال: أحياناً نلاحظ أن أحد أولادنا يفضّل البقاء وحده والإختلاء بنفسه سارحاً مع خياله, يدندن لحناً موسيقياً بإستمتاع كلي, فيأخذنا الإستغراب, ونطلب منه التراجع عن هذه الدندنة وننتقده, طالبين منه القيام بعمل أكثر إفادة.. وكثيراً ما نصادف أحد الأبناء منصرفاً الى الرسم وكأنه يصنع تحفة نادرة, فلا يترك الريشة إلا مرغماً, وبتأنيب منا.. وهذا الموقف السلبي الذي نتخذه في تعاطينا مع أولادنا له تأثير مباشر على رفاهيتهم النفسية, فنحن نحرمهم من أمور هي في الواقع ضمانات تعزز رفاههم المعنوي. فالموسيقى فن وخلق وقد تكون أفضل الوسائل التعبيرية التي يطمئن إليها ولدنا, ويميل الى إتقانها؛ فضلاً عن كونها رياضة فكرية تساهم في تنشيط الذهن, تماماً, كالرسم والكتابة, فلا تحرموا أولادكم من متعة الإستسلام الى النشاطات التي تصقل مقومات الطاقة الذهنية والإبداعية لديهم.
ينتظر الطلاب الإجازة المدرسية بشوق كونها تتيح لهم الخلود الى الراحة بعيداً عن هموم الدراسة, وما أن ينتهي موسم المدرسة حتى يسارع الطلاب الى إطلاق زفرة إرتياح وقد انقضى عنهم وإنحسر كابوس النهوض باكراً والسهر حتى منتصف الليل مع الكتب والأوراق ومعاجم اللغات. فهل يحق لنا أن نحرمهم متعة الراحة؟
وأخيراً وليس آخراً, إن حرمان أولادنا من ممارسة هواياتهم المفضلة, هو إنتقاص لحقوقهم علينا, وتصرّف لا يطال منه أولادنا إلا الأذية, وأقسى عقاب نقدّمه لأولادنا هو الحرمان, كونه يجعل ربيعهم خريفاً ويبدّل إستقرارهم الى إضطراب. وفي موسم الإجازة المدرسية الموسمية, المفروض أن نبحث لأولادنا عن فسحة لإستراحة مفيدة.