بقلم: لعزيز أضهشور
تناقل فايسبوكيون مغاربة مؤخرا فيديو لتلميذة تتابع تعليمها الأساسي في قرية نائية، تفتقر على ما يبدو لأ شياء كثيرة لعل أحدها التعليم السليم. يطلب المدرس في الشريط من التلميذة أن تكتب العدد 5 على السبورة، غير أن الطفلة أبدت عجزا حقيقيا في إتمام المهمة على أكمل وجه. خطت التلميذة بعض الخطوط العمودية دون أن تستفيد من توجيهات المدرس المستهز ئة بجهلها. المهمة الصعبة التي تطلبت اكثرمن دقيقتين، انتهت برسم العدد 5 بشكل مشوه. المدرس نفسه وثق الحدث و نشره عن طريق الفايس بوك، دون أن يدرك أن ذلك قد تكون له عواقب وخيمة عليه. فانتشر الشريط كالنار في الهشيم وتوالت الردود المنددة بهذا التشهير الذي تعرضت له التلميذة من لدن مدرسها وليس من غيره. جمعيات حقوق الإنسان، صحفيون ومواطنون عاديون... الكل استنكر هذا العمل غير الأخلاقي الذي يمس بكرامة تلميذة بريئة لم يعلمها أحد بعد كتابة الأرقام بشكل صحيح. طالبت الردود جميعها السلطة ووزارة التعليم بالخصوص، بمعاقبة المدرس العقاب الذي يستحقه على ما جنت يداه. وصلت القضية قبة البرلمان، فطالب برلمانيون من وزير التعليم الإجابة على أسئلتهم المستعجلة التي انصبت هي الأخرى على المطالبة بمعاقبة المدرس الذي لم يحترم مبادئ مهنته النبيلة.
العقاب لا يحل الإشكال
أسال الشريط مدادا كثيرا وأثار ردود فعل عديدة، لكن الإهتمام كله ظل منصبا على جزء ضيق من الحدث، ألا وهوالمتعلق بضرورة معاقبة صاحب هذا السلوك المتهور، ولم يتعداه الى نطاق أوسع وأشمل. والغريب أن حتى برلمانيي المغرب بشكل عام لم يكونوا في مستوى الحدث. بدا ذلك من خلال نوعية الأسئلة التي طرحت في قبة البرلمان. فقد حامت معظم الأسئلة المطروحة حول الأعراض بدل التعرض للب الموضوع. فممثلي الشعب أرادوا بهذه الأسئلة مجاراة الفئة الغاضبة فقط، وهذا بطبيعة الحال لن يساهم البتة في حل الإشكال.
نعم، لقد تضامن الكثيرون مع التلميذة الضحية تضامنا مطلقا وهذا أمر في حد ذاته جيد جدا. نعم للتنديد بكل ما من شأنه المس ببراءة الأطفال كيفما كان وحيثما حل. نعم، لقد اقترف المدرس خطأ فظيعا في حق الطفلة وهو الذي كان عليه أن يوفر لها ولكل الأطفال في حجرة الدراسة الأمن والأمان وصون الكرامة... ولكن ردود الفعل هذه المنددة و والمهددة، ماهي في نظرنا إلا تعبيرا عن تذمر شرائح واسعة من المجتمع من تدني المستوى التعليمي في المغرب. لذلك صب الكثيرون جام غضبهم على المدرس الذي بدا في نظرهم وكأنه يمثل المنظومة التعليمية برمتها. غير أن معاقبة هذا الرجل ولو بأشد العقاب، لن يحل مشاكل التعليم المتجذرة في البلد. ولذلك ينبغي على الأوصياء على التعليم أن يتجاوزوا الظاهرة إلى ما وراء الظاهرة، ولا ينبغي التوقف طويلا عند الأعراض. فما رأيناه ماهو إلا كجبل الجليد الذي يخفي أكثر مما يظهر.
مالذي دفع الرجل للمخاطرة بسمعته ووظيفته؟
الردود العنيفة التي جوبه بها صاحب الشريط، أجبرته على الإعتذار العلني باكيا متحسرا عما اقترفت يداه. المدرس أعلن أن غايته لم تكن أبدا الإستهزاء من التلميذة ولا الحط من كرامتها. ولكنه قصد من وراء ذلك توجيه الإهتمام لوضعية التعليم السيئة ولمشاكل المدرسين الذين يمارسون مهنتهم في القرى والمداشر النائية. كما أفصح أن الصبية من ذوي الإحتياجات الخاصة التي تتطلب تدريسا من نوع خاص ليس بوسعه تقديمه لها ولا لمثلها.
إنه ليس من الفطنة في شيئ أن نعتقد أن حل مشاكل التعليم قد يتم عن طريق المحاسبة والمعاقبة فقط. فالسلوك الغير حضاري الذي أبان عنه هذا المدرس اتجاه تلميذته، يمكن أن يكون مناسبة للشروع في نقاش جاد حول جودة التعليم وكيفية الرفع من مستواه. نقاش من هذا القبيل في المنابر الإعلامية وداخل قبة البرلمان من شأنه أن يمارس ضغطا فعالا على صناع القرار حتى يتم إعطاء ملف التعليم الأهمية التي يستحقه. فليس المطلوب من النقاش الجاد هو التركيز على الإنفلاتات السلوكية والحالات الشاذة لرجال التعليم، بل ينبغي أن يتركز الإهتمام على محورين إثنين على وجه الخصوص: محتوى وكيفية تبليغ الرسالة التعليمية التربوية.
إن الرجل أماط اللثام عن أشياء مهمة: عدم إدراكه بخطورة مافعل وعجزه عن معالجة حالات مستعصية في حجرة داسته. إنه إذا واقع تعليمي غير سار. هل يتعلق الأمر بحالة منفردة؟ ألا يشاركه هذا النقص الكثير من زملائه من رجال التعليم...؟ فلا يخفى على أحد أن إشكالية التعليم في المغرب قد وصلت الى مستوى لا يمكن التغاضي عنه. فإذا كان علينا تصديق البحوث والدراسات الدولية، فإننا نتوصل الى خلاصة مفادها أن مكانة التعليم المغربي حاليا ليست بأحسن حال من الدول التي تتذيل القائمة في هذا الجال. أمر مفزع كهذا كان ينبغي أن يكون كافيا لإثارة ضجة برلمانية تهتز لها الجدران. فهل حدث ذلك؟ لعل ممثلي الشعب قد تعودوا على سماع أخبار من هذا القبيل فأصبحت هذه الأنباء لاتحرك فيهم ساكنا. فنقاش مطول على المنابر الإعلامية، حول الملفات الساخنة كهذه، سيساعد لا محالة في تنبيه ممثلي الشعب، للتطرق الجاد للأولويات التي لا يمكن لبلد يحترم نفسه أن يتجاهلها.
ميزانية التعليم
ميزانية التعليم في المغرب متواضعة الى أقصى الحدود. الميزانية التي تخصص له غير كافية لتهيئ الأجيال القادمة لمستقبل معرفي وعلمي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم. إهمال كهذا لميدان التعليم، هو إجراء دام سنين طويلة ومتواصلة. فالتعليم ميدان لا تعطى له في المغرب لا الأولوية ولا الميزانية التي يستحقهما، رغم أنه ركيزة أساسية لكل تقدم أو نمو إقتصادي.
هل هناك ميزانية مثلا مخصصة للأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة؟ هل هناك ميزانية مخصصة لتأطير وتقوية كفاءة المدرسين الذين تواجههم ظروف عمل معقدة أو لها خصوصية ما؟ هل توفر إمكانيات مادية وخبراتية لتكوين المدرسين التكوين المناسب، ليصبحوا بدورهم مصدر نصح وإرشاد لزملائهم داخل المؤسسات التعليمية الواحدة أو ضمن مجموعة مدارس؟ وسيلة كهذه، قد تجعل من فئة داخل طواقم التعليم تساهم في رفع كفاءات باقي المدرسين، دون حاجة الى تكوين جيش عالي التكلفة لتأطير الآلاف من رجال التعليم.
إن التعليم الجيد لايتطلب فقط توفير قاعة للدرس، مقاعد، سبورة ورجل تعليم. المتعلمون يختلفون فيما بينهم باختلاف أسمائهم. سرعة تعلم المهارات وجودة إتقان ما يتم تعلمه يتفاوت من متعلم لآخر. فهناك دراسات دولية كثيرة أجريت ولا زالت تعاد وتكرر، بهدف تحسين الطرق البيداغوجية والديداكتيكية داخل المؤسسات التربوية والتعليمية، وبالتالي تقوية كفاءات المدرسين ورفع مردودية التعليم بشكل عام. غاية هذه الدراسات والبحوث بالدرجة الأولى هي تقديم تعليم يتماشى مع الفوارق داخل حجرة الدرس، حتى يتم تمكين كل طفل من تعلم واستيعاب ما يمكنه تعلمه واستيعابه. لماذا إذا لا تتم الإستفادة من هذه الدراسات وتطبيق ما يمكن تطبيقه من نتائجها واستنتاجاتها؟
الحالات المستعصية
لا تتوفر غالبية المدارس الأساسية في المغرب، على الخبرة المفترضة للتعامل مع الفوارق في مجال التعلم والإستيعاب بين المتعلمين. حيث يتم التلقين بطريقة عمودية بإعتبار أن جميع الأطفال بإمكانهم أن يستفيدوا بنفس الكم والحجم. وهذا مناف لواقع الحال. فلا زال التعليم المغربي في غالب الأحيان يعتمد كليا على مبدإ التلقين والحفظ، ولا تعطى الأهمية للعمل التشاركي إلا في ما ندر. أما حينما يتعلق الأمر بذوي الإعاقات الذهنية، فإن المدرس غالبا ما يدرك ذلك في حينه، لكن نقص الخبرة والإمكانيات تحول دون تقديم العون الفعال لهؤلاء الأطفال ولا لذويهم.
أحيانا تواجه المدرسين قضايا مستعصية لم يكتسبوا دراية كافية للتعامل معها. من بينها مثلا مشكلة الأطفال الذين يعانون من قصور الإنتباه وفرط الحركة (أو كما تسمى اختصارا بالإنجليزية: أي دي أيتش دي). وهناك أيضا أولائك الذين يعانون من اضطراب التوحد أو ما يسمى باضطراب الطيف الذاتوي(أوتيزم سبيكترم). ثم هناك أيضا أطفال مشكلتهم الكبيرة أنهم نابغة يملكون ذكاء فوق العادة... فلكل من هؤلاء وهؤلاء، احتياجاتهم التعليمية الخاصة التي تتطلب طريقة تعامل مميزة ومختلفة. فما هو تموقعهم داخل منظومة التعليم المغربي وكيف يتم التعامل مع انفراديتهم من طرف مدرسيهم ومدارسهم؟
لن نغوص في هذا المقال في الجوانب الأكثر تعقيدا مثل كفاءات التسيير الإداري وأدوار مفتشية التعليم ومسؤولياتها، ولن نتطرق إلى دور السلطات في توجيه دفة التعليم وتدبير الشأن التربوي. كما أننا لن نتحدث عن وضعية قاعات التدريس البئيسة أوالساحات المدرسية المكتضة ولا عن المراحيض إن وجدت، أو التدفئة و التهوية وما إلى ذلك من المرافق الحيوية. ناهيك عن استعمال التقنيات الحديثة كالحواسيب والسبورات التفاعلية وغير ذلك. . . فذلك موضوع لا يتسع له المجال هنا.
استقطاب الأدمغة
فيما مضى كانت دول نامية عديدة من بينها المغرب، تتحسرعلى هجرة الأدمغة من أوطانها الأم، في اتجاه دول غربية ضمنت لها تعليما راقيا وآفاقا أكثر رحابة. هذا الإشكال لم يعد واردا، لأن الدول الغربية الآن لم تعد تفتح أبوابها إلا لمن لم تنجح في إغلاق المنافذ كلها في وجهه.
وهاهو المغرب قد بدأ يستفيد من دروس الأمس، فصار في السنوات الأخيرة يلجأ الى سياسة استقطاب أطر من مغاربة العالم، تتوفر على خبرة عالية في مختلف التخصصات العلمية والمعرفية. تهدف هذه المبادرة في أحيان كثيرة، الى الإستفادة من هذه الكفاءات في ميدان التدريس الجامعي والبحث العلمي. ورغم أن هذه الخطوة تعتبر خطوة نيرة في حد ذاتها، الا أنها غير كافية. ينبغي أن تليها خطوات أخرى لا تقل عنها فعالية. ألا وهي الإهتمام بإصلاح منظومة التعليم من جذوره. فوزارة التعليم لم تنتبه الى أن قوة البنيان ينبغي أن تبدأ قوية من البداية. فحتى فيما يتعلق بالنهوض بالتعليم الأساسي، يمكن لأصحاب الحل والعقد، الإعتماد على مغاربة العالم الذين يتوفرون على الخبرة والدراية والتجربة في هذا الميدان. وهناك فعلا من يشرفه وضع خبرته وكفاءته رهن الإشارة لإصلاح وتقوية ما يمكن إصلاحه وتقويته. فإن البداياة التعليمية الناجحة، غالبا ما تبشر بمسيرات قادمة ناجحة.
وأخيرا
الكثير من المدرسين المغاربة يجدون أنفسهم أمام مسؤوليتين إثنتين: الحرص على تقديم تعليم جيد لجميع الأطفال من جهة، والتعامل مع الحالات المستعصية داخل حجرة الدراسة من جهة ثانية. فما دامت السلطات تتغافل عن تمكين المدرسين من الحصول على الدعم والخبرة الضروريتين للتغلب على الصعاب، وما دام النقاش الحاد يتركز على أخطاء المدرسين الديداكتيكية والبيداغوجية (أعراض المشكل دون عناء التنقيب عن جوهرالإشكال) ، فإن ضعف مستوى التعليم في المغرب سيستمر سنين طويلة أخرى، ومحدودية المردودية تبقى محدودة إلى أجل غير مسمى. وحسب اعتقادنا، سوف لن تتوقف أشرطة الفيديو التي تباغت الجميع بمشاهد تعكس سلوكيات بعض المدرسين البيداغوجية غير السليمة. ولا نستبعد أن تنحى هذه السلوكيات الخاطئة، منحى أكثر تطرفا وخطورة مما رأيناه وسمعناه حتى الآن.