"الدروس الخصوصية" التي أتلفت نبوغ المدرسة المغربية
دفاتر مقالات الرأي والتقارير الصحفية التربويةهنا نرتب أهم وآخر مقالات الرأي والتقارير الصحفية الواردة بالصحافة الوطنية والمتعلقة بموضوع التربية والتعليم
"الدروس الخصوصية" التي أتلفت نبوغ المدرسة المغربية
"الدروس الخصوصية" التي أتلفت نبوغ المدرسة المغربية
حمادي الغاري ============ النهار المغربية يوم 02 - 01 - 2015
منذ عقود طفت على السطح "عادة سيئة" لم يستطع أحد لحد الآن وقفها أو القضاء عليها لدرجة أنها أصبحت مع مرور الوقت شيئا عاديا بل مطلوبا ومفروضا، وما على الآباء والأمهات سوى الرضوخ والإذعان. تكمن هذه العادة فيما أُطْلِق عليه اسم "دروس التقوية أو "الدعم" بالمقابل. وهو اسم مُفترى عليه. وليس هناك "دعم" ولا "تقوية". ووجد بعض رجال التعليم ضالّتهم في هذا السبيل، وتخلّوا، تدريجيا، عن مهمتهم النبيلة في تعليم وتربية أجيال الغد. وإزاء هذا، عجزت كل الحكومات المتعاقبة، منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين إلى اليوم، في التصدّي لهذا الورم الخبيث الذي تسرّب إلى قطاع التعليم فجعله قطاعا يتراجع، سنة بعد سنة، عن القيام بواجبه الوطني. أكثر من هذا، لم تتردّد الحكومات في تحويل مجال التعليم والتربية إلى مختبر تجارب لمختلف الطرق والمناهج "البداغوجية" التي تحوّلت، بقدرة قادر، إلى طرق ديماغوجية. وبالرغم من صيحات الاستهجان، ونداءات الغيورين من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فإن تلك الحكومات اكتفت، في أحسن الأحوال، بامتصاص غضب الغاضبين وانتقادات المنتقدين من خلال إخراج وصفات انتهت صلاحيتها في بيئتها ومحيطها ودولها؛ وأكثر من ذلك ليس فيها شيء من "تامغربيت". لكن هذه "التامغربيت" ستطل برأسها، بشكل مشوّه، من خلال إقدام مجموعة من رجال التعليم، هنا وهناك، على جعل منازلهم مجالا ل"الدروس الخصوصية" إلى أن اجتاحت الظاهرة مختلف ربوع الوطن. وصار الجميع يبحث، عبثا، عن المدرسة المغربية التي بدأت، منذ ذلك الوقت، تفقد بريقها ونبوغها بسبب مسلسل "الدروس الخصوصية". دعونا نقول، بكل صدق، إن دروس "التقوية والدعم" التي كانت تتم تحت يافطة "الدروس الخصوصية"، خلقت شرخا وتمايزا في المجتمع، فأصبح هناك الآباء القادرون على الاستجابة لهذه "الدروس" في مقابل آخرين لا حول لهم ولا قوة. وضمن هؤلاء فئة من المسحوقين أصبحت مجبرة على التعامل مع هذا النوع الجديد من الدروس، وإلاّ فإن أبناءها وبناتها لن ينجحوا في نهاية الموسم الدراسي. وكان من شيوع هذه الظاهرة و"إقبال" الآباء والأمهات عليها، أنّ بعض رجال التعليم وسّعوا "نشاطهم"، ولجأوا إلى اكتراء منازل لاستقبال العدد المتزايد من التلاميذ، وأصبحت هذه المنازل تحمل اسم "مدرسة" على مرأى ومسمع مندوبيات وأكاديميات وزارة التربية، والسلطات المحلية والإقليمية والولائية، والحكومة، والناس أجمعين؛ بل أصبحت شيئا عاديا. وكان من النتائج السيئة للظاهرة أن أغلب الناجحين هم من التلاميذ المسجلين في هذه "المدارس". كما كان من مخلّفاتها تزايد الانقطاع عن الدراسة والهدر المدرسي. والكارثة أن هؤلاء رجال التعليم "استقالوا" من التعليم العمومي بعد أن أصبحت لهم "مدارسهم" الخاصة، وحصلوا على "تفرّغ" ما أنزل الله به من سلطان. والحكومة ورجال الحكومة ووزراء الحكومة يتابعون المشهد ويتفرّجون وكأنهم غير معنيين بالأمر، وكأنّ الأمر يجري في جزر الواقواق، بينما المدرسة المغربية تنزف وتنزف وتنزف، ولا أحد تطوّع أو سارع بالتدخّل من أجل وقف النزيف أو على الأقل القول "اللهم إنّ هذا منكر". اليوم، تخرج وزارة التربية الوطنية عن صمتها الطويل والغريب إزاء ظاهرة فُرِِضَت على المواطنين فرضا، واستأنسوا معها قَسْرا، وتكتفي بإصدار مذكّرة تحظر، بأي شكل من الأشكال، "تنظيم المدرّسين والمدرّسات لدروس خصوصية مُؤَدّى عنها لفائدة تلميذاتهم وتلاميذهم"، في محاولة لوضع حدّ للابتزاز الذي مارسه بعض رجال ونساء التعليم في حقّ التلاميذ والتلميذات، وفي حقّ آبائهم وأمهاتهم، وفي حقّ المجتمع بِرُمّتِه، طيلة عقود، من دون أن يرف لهم جفن، بل إن البعض وجد في العملية مصدرا إضافيا لمدخول إضافي، وتجارة بدون ماركة مسجّلة، وغير خاضعة للضرائب أو المراقبة، تتم ممارستها آناء الليل وأطراف النهار، وأصحابها يردّدون هل من مزيد. لقد اتّسع الخرق على الراقع أيتها الحكومة. فماذا أنت فاعلة غير التلويح بالوعد والوعيد بينما مسلسل ضياع الأجيال وخطورة تدهور المدرسة المغربية ما زال معروضا أمام الجميع؟ وهل باستطاعة الوزير والوزارة والحكومة أن يعملوا شيئا لإعادة الرشاد لهذا الغيّ الذي ساهم في إتلاف نبوغ المدرسة المغربية؟