دفاتر مقالات الرأي والتقارير الصحفية التربويةهنا نرتب أهم وآخر مقالات الرأي والتقارير الصحفية الواردة بالصحافة الوطنية والمتعلقة بموضوع التربية والتعليم
أبرز الشاعر المغربي، سعد سرحان، أن العربية عاشت صراعات طويلة مع الفرنسية ابتدأت مع عهد الحماية، ولم تنته بتعريب التعليم الذي انطلق منذ عقود، مضيفا أنه "لا عربية المغاربة تحسنت ولا فرنسيتهم حافظت على مستواها، فوحدها الدّارجة ازدهرت خصوصا في شِقِّها السوقي ".
وفي موضوع دعوة رجل الأعمال، نور الدين عيوش، إلى اعتماد الدارجة، لفت سرحان ضمن مقال توصلت به هسبريس، إلى أنه في أمريكا، تشومسكي من يتحدث في أمر اللغة لمكانته المرموقة، وليس هذا الثري أو ذاك حتى لو كان روكفيلر" وفق تعبيره.
وفيما يلي نص مقال الشاعر سعد سرحان الذي اختار له عنوان "لسان الحليب": لسان الحليب
التشرميل اللغوي
حتى عهد قريب، كانت الحدود بين العربية والدّارجة شبه مُرَسَّمة، وكان حسن الجوار يطبع العلاقة بينهما. فكان الآباء، وأغلبهم لم يلجوا المدارس قط، يستمتعون بـ"القمر الأحمر" و"راحلة" بنفس القدر الذي يفعل أبناؤهم بـ"بنت بلادي زينة" و"يا المسرارة"، مثلما كانوا جميعا يستمتعون بـ"الرّسالة والحرّاز والمعلم عزّوز والأزلية..." غير آبهين لأمر اللغة. فالوحش في العربية هو نفسه الوحش في الدارجة، أما الفلا فلم تكن تبعد عن الفلاة بأكثر مما يبعد الراديو عن منجد الطلاب.
لم تكن اللغة العربية تستعصي على أحد. فبشغف كبير كان الآباء يتابعون المسلسلات التاريخية، وبمثله كان الواحد منهم يضع المذياع على أذنه ويصيخ السمع لإذاعة لندن وكأنها تُسِرُّ إليه وحده عظائم الأمور.. أمّا الأمهات فكنّ يصادقن مذيعات الصباح ببرامجهنّ التي ما كان لها أن تنجح لولا لحمة الموضوع وسداة اللغة.
ولم تكن الدّارجة يومًا مرفوضة من قِبَل المتعلمين، وإلا لكانوا قلبوا الصينية بكؤوسها على ناس الغيوان. لقد كان للدّارجة فضل كبير على الجيل الذي أنتمي إليه. ففي الوقت الذي كان أجدادنا ما زالوا يجترّون بطولاتهم في لاندوشين، كانت القاعات السنيمائية تعرض كل أسبوع أفلاما هندية وأخرى صينية، فنرى على أيّ أبطال انتصر أجدادنا وفي أيّ أرض ضربوا وأيّ نساء ركبوا...
لقد كان الأمر يتعلق بأضغاث أفلام، للرّكلة فيها صوت وللقفزة فيها آخر، أما أصوات الممثلين فقد كنّا مرغمين على قراءة أسفل الشاشة لنعرف ما تقول، وهو ما كنا نضحّي به غالبا في سبيل الجمال الهندي قبل أن يظهر ملاك الرحمة، المرحوم ابراهيم السايح، الذي أنطقَ نجومَ الهند وجميلاتها بدارجة مغاربية كأن أجدادنا علّموهم إياها قبل أن يعودوا ظافرين. فكانت الدّارجة بذلك هي اللغة الأولى التي استفدنا منها في الترجمة حتى قبل أن نستفيد من ترجمات المنفلوطي التي لا تَقِلُّ إِضحاكًا.
في الإعلام كما في الإعلان بدأت الدّارجة تربح مساحات أكبر، فبها تدبلج المسلسلات الرخيصة وبها يتمّ الإعلان عن البضائع الأرخص، مستهدفة بذلك العامة، لأن الخاصة غالبا ما تشاهد الأفلام العالمية بلغتها الأصلية، وتقتني الماركات الثمينة التي لا تستطيع الدّارجة الْمْكَرّدَة الإعلان عنها.
لقد أريدَ للدارجة أن لا تكتفي بكونها لسانًا بتحويلها إلى قلم يكتب بنفس حروف العربية. هكذا صارت اللوحات الإشهارية تُكتب بالدّارجة، وفرنسية الأفلام المغربية تظهر مترجمة أسفل الشاشة إلى الدّارجة، فيما دارجتها تظهر مترجمة إلى الفرنسية الفصحى في مماحكات واضحة للعربية مكتوبةً ومنطوقةً.
ليس سهلا على العربية أن ترى حروفها "تُمتهن" كتابةً في لغة الشوارع والأسواق، هي التي عاشت الشفاهة قبل قرون وكان انتقالها إلى الكتابة ثم وضع النقاط والحركات على حروفها على يد كبارها، ودُوِّنَ أول ما دُوِّنَ بها ديوانُها والذّكْرُ.
لقد خُطَّ الحرف العربي على جلود الغزلان ونقش على صفائح الذهب وعلى أبواب القصور وقباب المساجد، وبه كتبت المخطوطات التي ضمنت للعرب مكانا في رَفِّ التاريخ... ومنذ قرون وهو فن قائم بذاته، فكيف، بعد هكذا مجد، تستعمله الدّارجة مكتوبًا في الترويج لحفَّاظات الرّضّع؟
فلو اقتصر الأمر على الكلام لكان مفهوما كونه موجها لغير المتعلمين، أمّا أن يتحوّل إلى الكتابة، فهو موجّه إلى من يستطيع القراءة، ومن يقرإ الدّارجة يقرإ العربية أحسن، اللهم إذا كان وراء الأكمة من وراءها، خصوصًا وأنّ الحقول التي تزدهر فيها الدّارجة توجد في القلب من ضيعة عرَّابها ونسله النجيب.
ليس سهلا على العربية أن ترى أختها الخلاسية تُدفع دفعًا إلى سرير الكتابة حيث فحولة القلم، فما من أخت تقبل بأختها ضرّة.
لقد عاشت العربية صراعات طويلة مع الفرنسية ابتدأت مع عهد الحماية، ولم تنته بتعريب التعليم الذي مرّت حتى الآن عقود على بدايته، فلا عربية المغاربة تحسنت ولا فرنسيتهم حافظت على مستواها، وحدها الدّارجة ازدهرت كما لم يسبق لها أن فعلت، خصوصا في شِقِّها السوقي والبذيء. ومَثَل العربية والفرنسية هنا كمَثل العايق حاضي الفايق والدّارجة هي الدمدومة اللي قاضية حاجة في نفس عيوش بعدم تركها.
طيلة حقبة التعريب التي أشرفت على نهايتها بانطلاق العمل بالباكالوريا الدولية، كان فضاء القسم وزمنه مقسمين بين الدّارجة والعربية: الأولى للكلام والثانية للكتابة.
لذلك، فإن الدعوة إلى التدريس بالدّارجة تبدو نافلة لأنها حاصلة. أما إذا كان المقصود هو كتابة الدروس بالدّارجة، فإن المغرب سيحتاج إلى إنشاء مكتب لتحديث التدريج، نقترح أن يترحم على الراحل الكبير أحمد الأخضر غزال بتدريج شاهدة قبره، قبل أن يتحفنا بإصدار كتيبات لتدريج كل المواد الدراسية دون استثناء يتعلم منها المدرسون قبل التلاميذ مقابل الكلمات التالية بالدّارجة: المثلث، المربع، الموازي، الدالة، المقارب المائل، البتلة، الأُسْدِية، العصارة الهضمية، الكتلة الحجمية، شبه الموصلات، التفاعل الكيماوي،الغدة الكظرية، المسيرة الخضراء، معركة وادي المخازن،المفعول به، الإحليل والخصيتان... وآلاف غيرها، فيعرف المدرسون قبل التلاميذ مرة أخرى أنهم طاعنون في الجهل، جهل الدّارجة الفصحى.
لحسن حظّي أني استمتعت بالأزلية في ذلك الزمن البعيد، قبل أن يصبح ذو يزن حَلُّوفْ دْ لْخْلا،وشامة صاطة، وميمون الهجام العشير، وسعدون الزنجي العزوة، وقبل أن يسمّى السيف مسطرة نكاية في المدرسة والقانون معا، وقبل أن تسمّى غزوات ذي يزن وجيشه تشرميلا. وعلى ذكر هذه الأخيرة فهي عندي كلمة السنة بلا منازع، فهي استعارة لذيذة جدًّا لولا ما يُراق على جوانبها من كيتشب.