هل من حق الأستاذ أن يدافع عن نفسه؟؟؟
===========================
في حجرة دراسية متواضعة تلقي درسا ..تحاول استدراج انتباه متعلميها بما تملكه من وسائل بسيطة ...تمسح سبورة باهتة السواد ...تصفق بيديها مبعدة عنهما غبار طباشير تغلغل في شقوق يديها...تأخذ من جيب وزرتها طبشورة ملونة ترسم بها بطل حصة اليوم...حرفا...رقما...شكلا...غارقة حد النخاع معهم تسألهم و يسألونها...تبتسم تارة و تنفرج أساريرها أخرى لتفوق بعضهم و تندهش من إجابات غريبة مرة أخرى...غارقة...إلى أن لفت انتباهها ظل قرب باب... الحجرة..
توجهت نحوه مستغربة من يكون هذا الزائر يا ترى ؟ صراخ..بل عويل...ماذا دهى هذا المخلوق لا تكاد تفهم شيئا مما يقوله...حاولت أن تهدئ من روعه...حاولت...فهمت من كلامه البذيء أنه والد تلميذها فلان...يستفسرها عن سبب تأنيبها لابنه بالأمس.أرادت أن تشرح و تنصح و تقدم له إرشادات تعينه ليفهم الموقف ..لكن صراخ صاحب الظل كان عاليا...لعابه يصل إلى وجهها المشدوه...لقد أعطى تأنيبها و زجرها لتلميذها نتيجة فقد أتى صبيحة اليوم متمكنا من حصة أمس و منجزا واجباته بخط أفضل و...راحت المسكينة تفكر و تحلل وسط موجة غضب الأب و لم تشعر إلا و قبضة كف قوية قاسية توجه إلى وجهها جعلتها تترنح إلى الخلف لتسقط بقوة وسط حجرتها أمام عيون أطفال تملكهم الذعر...اسود عالمها فجأة و أدركت أنها هالكة لا محالة أمام غضب هذا العدو الكاسر الذي لا يهمه إلا استعراض عضلاته أمامها و هي التي لم تقو يوما على إيذاء ذبابة...شعرت أن وجهها تجمد من قوة الضربة و سمعت صوت طفلة مرعوبة تصرخ " دم دم !! " وضعت يدها على خدها و تحسست شفتيها بلسانها فتذوقت طعم دم داخل فمها...كيف؟ كيف تواجه مخلوقا مزمجرا كهذا؟ دلف بجسده الثائر و توجه نحوها مزمجرا مهددا ...لم تعد تفقه مما يقوله شيئا...كيف تدافع عن نفسها و هي الوحيدة هنا في هذه الفرعية بلا زميل و لا سند...من سيسمع صراخها؟هل...هل ستصبح هي أيضا ضحية هجوم ...هل ستفقأ عينها؟ هل ستكسر يدها؟ هل سيهشم أنفها؟..من يساعدها...من...لا أحد...لا القضاء سينصفها...و لا المحاكم ستساندها...لا النقابات ستثأر لها و لا سجن هذا المتوحش سيشفي غليلها...موجة سريعة من الأفكار انتابتها في ثوان و ارتجف جسدها خوفا و غضبا...أبصرت بجانبها عصا غليظة تستخدمها لقراءة لوحات معلقة...أخذتها و توكأت عليها رغم الدوار الذي أصابها ..تراجعت إلى الخلف خطوتين ممسكة بالعصا الغليظة بكل ما أوتيت من قوة لتباغثه بكل غضبها و ثورتها و خوفها بضربة نحو وجهه جعلته يسقط أرضا غير متوقع هجومها...استغلت سقوطه و انشغال يديه بتحسس أسنانه التي تحطمت لتوجه له ركلات من حذائها الشتوي إلى بطنه ..تأوه بعدها بشدة ...أرادت أن تذيقه آلام زملائها ..توقفت و الدم يسيل من شق في شفتيها ...أرادت أن تبتسم في وجه أطفالها لتهدئ من روعهم لكنها عجزت...فصرخت بكل ما أوتيت من قوة...صرخت و صرخت من شدة الألم ...من شدة الضعف ..و الظلم الذي شعرت به...صرخت و بكت...صرخت و هي تتخيل نفسها ضحية له لو أنها لم تدافع عن نفسها.....أغمضت عينيها على صور و مشاهد من صحف و قنوات ستجعل منها مجرمة اعتدت على أب تلميذها...صرخت صرخة يأس و تمنت لو أن كل أمثاله ذاقوا آلامه التي أذاقتها له...صرخت...و لم تتوقف عن الصراخ إلا بعد أن رأت أفواجا من ساكنة الدوار تعدو نحوها...حينها فقط خارت قواها و سقطت أرضا...