صراع الأجيال ليس وليد عصرنا الحالي، بل هو صراع قائم منذ نشأت الحضارات، يرتكز على الاختلاف الدائم و المناحرة بين الأبناء و الآباء، كل له منظوره وثقافته الخاصة حيث يظهر إشكال الصراع في كل من الصراع الفكري و الفني و اللغوي و السلوكي و السياسي.
و نلاحظ أن في السنوات الأخيرة الفجوة بين الأجيال والمتمثلة بالصراع بين الشباب وآبائهم زادت بتطور وسائل الاتصال الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي وعصر الصورة ، ففي غفلة من الآباء نشأ جيل جديد منفتح اجتماعيا وثقافيا وبالتالي رفض كل ما هو تقليدي وموروث.
من هذا المنطلق الآباء يعتبرون أن هذا الجيل تغلب عليه السطحية، ولامبالاة، والاستهتار، في حين أن الأبناء يرون عكس أبائهم، إذ يتهمونهم بالتخلف و التدخل في شؤون لا تعنيهم، بالإضافة إلى عدم مواكبة عالم الاتصال، في هذا الصدد تقول ف.ز ، “أن مشكلتها مع ابنها أيمن ، ابتدأت منذ أن اقتنت له احد الهواتف الذكية، إذ بدأ يقضي معظم وقته أمام شاشة الهاتف، بعد ذلك تغيرت طريقة اختياره للملابس، وتسريحة شعره”، تضيف ف.ز “فجأة أصبح من الملمين بالتقاط الصور، فتوسل أخاه الأكبر منه سنا الذي يقيم في الديار الفرنسية، ليرسل له آله تصوير احترافية ‘كانون’، منذ ذلك الحين لم أعد أشاهد أيمن يحمل كتبه للدراسة تقول المتحدثة “حيث تراجعت علامته خلال السنة الأولى وفي السنة الموالية رسب”
تتابع والدة أيمن والتي تتحدث بحرقة والدموع تنهمر على وجنتيها، كان هذا التغيير هو شرارة الصراع القائم بيني وبين طفلي المراهق، فكلما حدثه و وعضته يثور غضبا ويصرخ في وجهي أني لا أعرف شيء، وفي بعض الأحيان يكسر كل ما جاء في يده، ويصفع الباب خلفه بقوة ويذهب.
الحال نفسه يتكرر مع سعاد، التي تحكي أن مشكلة التي تعشيها تتمثل في صراعها مع ابنتها البالغة من العمر 17 سنة، إذ تعتبر أن اهتمامات ابنتها بالموضة والأزياء و الماكياج بالإضافة إلى العلاقات الغرامية مع الشباب، هي نوع من الاستهتار و الجنون المراهقة وهذا ما يجعلها تخاف على مستقبل ابنتها من الضياع. قائلة “ابنتي لا تعير نصائحي وكلامي أي اعتبار، فكلما كلمتها، توهمني أنها فهمت كلامي وفي الغد أجدها تكرر سلوك الأمس”، تتابع “أكثر ما يزعجني علاقاتها مع الشباب، أخاف أن يؤديها أحدهم وهي لازالت قاصرا”.
من جهة أخرى تقول سارة وهي شابة في العشرين ربيعا، إن أصل المشاكل هو جهل الآباء بميولات أبنائهم، وعدم وجود حوار دائم داخل البيت، مما يعجل لغة السؤال و الرقابة هي الرائجة، بالإضافة إلى جهلهم التعامل مع وسائل الاتصال الحديثة، يجعل لغة التفاهم والتفاعل بين الطرفيين صعب، علما أن شباب هذا الجيل أغلبهم يقضي معظم وقتهم يبحرون في عالم الإنترنيت”.
يقول أسامة 23 عاما “أحب الجلوس أمام شاشة الحاسوب لساعات طويلة مما يزعج والدي حيث يقول على الدوام بأن “الكمبيوتر” لن يفيدني بشيء، حيث يرغمني للذهاب للجامعة أو إيجاد عمل” معتبرا أن ما يتخذه والده من إجراءات في المنزل يعتبر نوعا من عدم الوعي بالتكنولوجيا الحديثة.
وفي هذا الصدد يقول أخصائي اجتماعي محمد الارضي ، إن “مشكل صراع الأبناء والآباء في ظل الثورة التكنولوجية، تزداد سوءا بين المراهقين والشباب وآبائهم في غياب التواصل بين الجيلين.
وأضاف الأخصائي الاجتماعي أن انشغال الآباء بالعمل وتغير العادات والتقاليد وتراجع دور المدرسة والأسرة في التنشئة الاجتماعية والتربية على الاحترام وتقدير الآخر، يسبب نشوب الصراع بين الطرفيين.
وأكد الأرضي أن لهذا الصراع تأثيرات نفسية سلبية على جميع أفراد الأسرة ، حيث تنقطع أواصر التواصل والحرمان العاطفي مما يؤدي إلى تمرد الأبناء وميلهم نحو السلوكات العنيفة.