مصداقية العمل النقابي التشاركي على المحك
التاريخ: Friday, April 21
الموضوع: مشاكل وحلول
في لحظة بحث عن الذات مفهوما أنطلوجيا يتأثث بماهية تساير عصر المعرفة والعولمة.. وتبني المستقبل من خلال الحاضر باستثمار الماضي في بعده التاريخي والجدلي؛ وتستفيد من التراكم التصاعدي للخبرة الوطنية والعالمية، بتسلح علمي يفيدها في دراسة واقعها وإكراهاته المحلية، وضغوطاته العالمية الدولية، ويخرجها من التآكل الداخلي والخارجي؛ ويجلي عنها نواتج الصدأ المتعلقة بها، نتيجة وجود حفريات ومستحثات دفينة في مسارها الحياتي؛ تستوطن المركز الدماغي لها، وتستحوذ عليه استحواذ المتعصب لذاته ولرأيه ولرؤيته، في مستوى واحد، ذي اتجاه واحد؛ لا ترى من خلاله إلا ذاتها دون سواها؛ فتقصر الرؤيا وتحبس الرؤى في بؤرة الذات فقط.
في لحظة بحث عن حقيقة الوجود من أجل الوجود؛ ارتفع في الآونة الأخيرة الفكر النقابي المغربي عن ذاته اللصيقة بذاته ليعي ذاته الممتدة في ذواته؛ فبدأ يؤسس لذوات متعددة في ذاته؛ فكانت الرسالة المشتركة بين التنظيمات النقابية والجمعيات المهنية في شأن الملف المطلبي لهيأة التفتيش بقطاع التربية الوطنية، الموجهة إلى السيد الوزير الأول للتدخل العاجل لحل هذه الأزمة عنوان صحوة فكرية عميقة، تؤسس لثقافة نقابية جديدة ترتفع عن مجال تعريف دالة ذاتها؛ لتتعرف بمجموع دوالها؛ وهي هنا ترحل الفكر النقابي من الماضي إلى المستقبل عبر محطة الحاضر، لتنتقل معه الثقافة المتمحورة حول الأنا بمفهوم " أنا " إلى الثقافة المتمحورة حول النحن بمفهوم " نحن " الجماعية، التي تكسر الحواجز السيكولوجية، وتذيب الجليد بين هذه الذوات الذات. لتوطن حكامة الملف المطلبي قطب العمل بالمجموعات؛ فيرتوي الفعل النقابي من منبع الفكر التربوي؛ وترفد من مرجعيته ما تراه الشغيلة التعليمية مدعما لها في الميدان؛ جاعلا من المؤسسة التربوية والتكوينية نسقا تتكامل أجزاؤه وتتناغم مفاصله، وتتناسق مهامه كأنها الجسد الواحد في أداء دورة الحياة، إذا تداعى جزء منه إلى السقوط سقط كليا.<br />
إن هذا الفجر الجديد من الفكر والثقافة والعمل النقابي الجماعي لحقيق عند كل لبيب بالتحفيز والدعم والتحصين مهما اختلف معه حول آليات اشتغاله أو أساليب أدائه؛ مهما دام همه هو إنجاح مفاوضاته وحواره بصدق نية مع محاوره؛ وما دام يفتح الملفات المطلبية للشغيلة التعليمية بأسلوب جماعي وبدون شروط مسبقة؛ ذلك أن التكتل الجماعي والحكامة الجماعية في العمل النقابي، لكفيل بتحقيق أرضية مشتركة بين التنظيمات النقابية والجمعيات المهنية، للانطلاق بالملفات المطلبية المشتركة؛ التي تعبر عن إجماع يؤكد " ما اجتمعت أمتي على ضلالة " وتنفي عنها الفوضوية بل تؤكد بكل المعايير على مسوغات الاحتجاج والصيغ النضالية المشروعة التي يتخذها الملف المطلبي في إحقاق حقوقه. ويحرج الآخر عندما يمد يده مدعمة بتنازلات عملية إجرائية؛ تفيد بأن الوعي النقابي الجماعي يرتفع عن كل الحزازات والأحكام المسبقة والنوايا المبيتة، ويقابل الآخر الذي أبدى مجرد تفهم وتعاطف مع قضايا الشغيلة التعليمية بما فيها المفتش بإجراءات ميدانية تلتسقط بهموم قضايا هذا القطاع الحكومي. وفي مقابل ذلك، يضع كل من أطراف الحوار مصداقيته الميدانية والإجرائية أما الرأي العام وأمام مرجعيته التي ينطلق منها ويرجع إليها. فإذا نجح الحوار نجح الجميع ونجح بنجاحهم المجتمع قاطبة، وتلاحمت مكوناته، والتحمت أواصره، فيغدو مجتمعا قوي البنية ومتينها.. تصمد في وجه تلك الإكراهات والضغوطات الداخلية والخارجية، وتجتاز المحنة بسلام. أما؛ إذا لا قدر الله وفشلت المفاوضات والحوار فالكل في سلة الفشل سواء؛ يرتد الفعل على الفاعل سلبا، وينعكس على المجتمع كله بما يناقض أسس بناء المجتمعات. فتجد الحواجز النفسية والمادية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية.. كل منها تتقوقع داخل ذاتها؛ وتغذي ذاتها بما يلغي الآخر ويسقط عنه حق الوجود وشروط الوجود؛ وبالتالي ينكفئ الفكر عامة والفكر النقابي خاصة على عاقبيه، ويرجع إلى نقطة الصفر والبداية من جديد؛ وتبدأ دورة أخرى تستدعي الإيمان بأسس الفكر الحداثي، الذي يؤمن بوجود الآخر وبالتنوع وبالديمقراطية وبالقيم الإنسانية وبالتشارك والحكامة الجماعية بما يضمن حقوق الأقلية والانفتاح على الآخر.. <br />
من منطلق الفكر الحداثي وفكر عصر المعرفة، تطل علينا اليوم الرسالة المشتركة في الملف المطلبي لمفتشي التعليم، التي ما كانت لتكون لولا الوعي النقابي الجماعي بمظلومية هيئة التفتيش؛ التي غدت منذ زمان أزمة منظومة التربية والتكوين؛ ليس فقط على مستوى مطالب فئة معينة من نساء ورجال التعليم بل في مستوى بنية ووظيفة هذا الجهاز في تدبير الشأن التعليمي التعلمي؛ فلا يمكن الوعي بمطالب هذا الجهاز في غياب الوعي بدوره الحقيقي في تلك المنظومة خاصة، وفي سيرورة بناء المجتمع عامة. فموقعه وجسامة مسؤوليته التاريخية، لا يعرفها إلا الخبير الحقيقي بالتربية والتكوين، والمتمرس في الفكر المؤسساتي الحديث. ومن هنا أستغيث بالمتخصصين في الميدانين المذكورين أن يدلوا بما ينير الرأي العام حول دور التفتيش في منظومة بناء الأمم والثقافة والحضارة والوجود. وأستحضر اليوم قولا لأستاذ بالمركز حفظه الله، حين قال لنا:" اعطني مفتشا قويا كفؤا صامدا أعطيك مجتمعا قويا كفؤا صامدا؛ واعطني مفتشا ضعيفا أعطيك مجتمعا ضعيفا "! والوعي بأهمية وظيفة التفتيش في المنظومة التربوية والتكوينية يجب أن لا يلغي الوعي بأهمية وظائف المتدخلين الآخرين فيها، لهذا؛ فالوعي بهذه الدرجة يرفد الفكر والثقافة والعمل النقابي التشاركي ويحصنها أمام الفكر المزاجي؛ ولا يضع فئة مقابل فئة كما يفعل الفكر السطحي العامي غير الواعي بوجوب تنوع الوظائف وتكاملها وتناسقها في بناء وظيفة المؤسسة التعليمية في المجتمع المغربي وتأهيلها لممارسة بناء الإنسان والمجتمع على السواء.<br />
إن الفعل النقابي التشاركي يسعى في هدفيته إلى حل الملفات والقضايا بما يضمن حقوق المتضررين، وبما يساعد المؤسسة التعليمية على أداء واجبها الوطني في ظروف ميسرة وشروط مدعمة، حتى تحقق أهدافها المعلنة في الميثاق الوطني للتربية والتكوين. وهو بذلك سيواجه الصعوبات أمام هذه المنهجية الجديدة؛ التي لم توطن نفسها بعد كثقافة جديدة تعيها الذات النقابية. وعليه أن لا يلتفت إلى سدنة الفكر الانعزالي وال*** السياسوي والنقابوي؛ الذي سيحاول الطعن في مشروعية هذا الفكر وهذه الثقافة وهذا الفعل النقابي التشاركي بلجج شتى. وللصمود يجب إنجاح هذه التجربة بما يضمن مصداقية هذه المنظمات النقابية والجمعيات المهنية في التعاطي مع هذا الملف والملفات المستقبلية، بما يؤسس قناعة عند المناضل النقابي أو ما يسمى بالمنخرط النقابي أنه سيجد نفسه وذاته في كل تلك المنظمات كإطار معين تدافع سواسية على حقوقه،فيرى فيها الذات النقابية الممتدة في ذواتها؛ وتبقى قناعة الانتماء لهذه المنظمة أو الجمعية أو تلك مرتبطة فقط بمرجعياتها الفكرية والعقائدية والإيديولوجية والسياسية.. وهي المؤشر الذي يتحكم في انتمائه، بمعنى: مبدأ الانتماء إلى العمل النقابي مبدأ قائم عنده، لأن أية مؤسسة نقابية أو جمعوية ستدافع عن حقه؛ لكن التحكم في هذا المبدأ وأجرأته يرجع إلى مرجعياته المختلفة. وهي التي تشير عليه باختيار وجهته. وهذا كله يعني أن العمل النقابي المغربي سيرجع الثقة التي فقدها البعض منا فيه؛ وسيرجع قيمته التداولية في المجتمع، ولن يخسر في الميدان إلا من ناحية الكم لا النوع؛ فيتجلى ذلك من خلال نسب التمثيل في اللجن الثنائية، وهذا الكم في ظل مبدأ الديمقراطية يضمن حقوق الأقلية كما يقع في عالم السياسة الحقيقية. حيث تنضبط الأقلية للأغلبية بما يضمن حقوق هذه الأقلية.<br />
وفي الأخير لقد عانى العمل النقابي من الكوارث ما جلب عليه سخط المناضل وغير المناضل، ووجب أن نقف اليوم مع النقد الذاتي لاسترجاع قيمة العمل النقابي ومصداقيته وقيمته المجتمعية، لأنه مكون من مكونات بناء المجتمعات الديمقراطية، ولأنه مدخل أساس لنقد القطاعات وتصحيح مسار القطاعات العامة والخاصة وشبه العامة في مغرب القرن الواحد والعشرين بكل مسؤولية وصدق دون التهافت على الإقصاء والإلغاء والذاتية والركوب على مصداقية العمل النقابي من أجل كسب الكم، فالكم يذوب في النوع إن أحسن تدبير هذا النوع، ووظف بالطريقة الرزينة في إعادة الثقة بمؤسساتنا النقابية والجمعوية. وتحية صدق إلى كل من: نقابة مفتشي التعليم والجامعة الوطنية للتعليم والجمعية المغربية لمفتشي التعليم الثانوي والجامعة الوطنية لموظفي التعليم وجمعية مفتشي التعليم الابتدائي والجامعة الحرة للتعليم والنقابة الوطنية للتعليم كدش والنقابة الوطنية للتعليم فدش والجمعية المغربية لأطر التوجيه والتخطيط التربوي على قيادة هذه الثورة في الفكر النقابي وثقافته وعمله بالمغرب، وأتمنى لهم النجاح مهما اختلفت معهم حول الأسلوب والطريقة والمنطلقات .. فأنا معهم من حيث المبدأ ومن مناصريهم المدعمين لهم في فتح الملف المطلبي لهيئة التفتيش مع الوزارة الأولى بل قل الحكومة برمتها؛ فنجاحهم نجاحي وفشلهم فشلي وفشل العمل النقابي المغربي؛ بما سيعيد الصدى: لابد من نقد ذاتي حتى يجد العمل النقابي المغربي ذاته.. ومع الدعاء لهم بالتوفيق
عبد العزيز قريش مفتش تربوي
تاونات