يوم الجمعة صباحا ، توجهت الى مكتب التصويت ، وهناك ، ناولوني كفنا أبيضا ، عكروا صفوه برموز وثنية . اندلفت في صمت نحو المعزل ، فانتزعت صوتي من أحشائي ، كفنته ، وعلى نعشه رسمت صليبا ، بدل قراءة الفاتحة ، لأنه لم يمت شهيدا .حملته الى مثواه الأخير ، وبيد مرتعشة وضعته في صندوق شفاف ، وكأنه جثمان سطالين المحنط ، جاءه الزوار - وبدافع الفضول - يكتفون باكتشاف ملامحه ، ولا أحد منهم يدرف دمعة حزن ، أو يتمتم ببنت شفة ، ترحما على روح الفقيد .
وحتى لا أتذكر - لأن الذكرى تنفع المؤمنين - استعجل الزبانية يوم النشر ، ومن الصندوق أخرجوه ، فأحصوه في عداد الموتى ، ثم في نار الجحيم ألقوا به من غير حساب .
وعند بزوغ الفجر ، تعالت الأصوات ممتزجة ، الصوامع تنادي ، حي على الفلاح ، وأبواق السيارات تزمجر معلنة بشرى النجاح .من المستيقظين من توجه الى المسجد ملبيا نداء الحق ، ومنهم من طفق يخترق موكب السيارات ، يتربص للنائب الجديد القديم ، ليجدد له الولاء والاخلاص .
خابت الآمال ، لما شرع المحصن يشيد برجا غير مرخص ، على جثث الأصوات المنتحرة ، غير مبال بتحول عظامها الى رميم ، فينهار البناء ، ويهوي الى الحضيض الأسفل .
وكلما جاء ليزور البلدة ، متفقدا غنائمه ، تراه في سيارته الرباعية الدفع ، يرتدي نظارة سوداء ، تحول المناصرين الى أطياف خفية لا ترى .
سأمنح صوتي من يقبل أن يضع يده في يدي ، لنصنع من تربة المزارع ومياه الآبار ، المجد والازدهار . ومما ستجود به المصانع والمعامل ما يلحقنا بموكب الكبار ، ومن حجرة الدرس ، نصنع العقول والسواعد لنضمن الاستمرار .
غير ذلك ، لن أسمح لصوتي بالانتحار مرتين ، بحبل مشنقة الالحاد . وسأحتفظ به حيا يرن في الآذان ، يطاردهم في كل مكان ، يدخل قاعة مؤتمراتهم بدون استئذان ، وفي جدول أعمالهم ، يأخذونه بعين الاعتبار ، فيتلاومون ويتساءلون ، أين الخلل ، ومن المسؤول .هم حتما يعرفون ، ولكنهم يتجاهلون . وعنوة يغيرون رؤساءهم، ويأبون أن يغيروا ما بأنفسهم .
وسيبقى السؤال معلقا [ ما هو واجبي الوطني ، عندما ينادي المنادي ]