المجاهد أيت يدر: انتخابات مندوبية المقاومة توحي بعودة البلاد إلى سنوات الرصاص:
بنسعيد يطالب المسؤولين بالتحرك لإعادة الاعتبار للمقاومين
قال محمد بنسعيد أيت يدر، الأمين العام السابق للحزب الاشتراكي الموحد، وأحد مؤسسي وقادة المقاومة وجيش التحرير إن الانتقاد، الذي وجهه أعضاء من مكتب المجلس الوطني المؤقت للمقاومة وجيش التحرير، لأسلوب التدبير بالمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، جاء بعدما طفح بهم الكيل بسبب تجاوز المندوب السامي لصلاحياته.
واستغرب بنسعيد كيف لا يتحرك المسؤولون للتجاوب مع مطالب المقاومين، الذين رفعوا مذكرات للمعنيين بالأمر، من أجل وضع حد لهذا التجاوز، مطالبا الوزير الأول، الوصي على القطاع، بالخروج من الصمت، واتخاذ ما يلزم من تدابير لإعادة الاعتبار لأسرة المقاومة، التي تتعرض كرامة أفرادها للانتهاك.
وأوضح المجاهد محمد بنسعيد، الذي كان يتحدث إلى "المغربية"، أن المندوب همش الهيئات الوطنية المسؤولة، وحرمها من وسائل العمل، التي ركزها في يده وتحت سلطاته، وحرم المقاومين المسؤولين بالأجهزة الوطنية من التصرف، وكشف أن مجرد كتابة مراسلة إدارية من قبل مكتب المجلس، في غياب الوسائل، أصبح أمرا صعب التحقق، ويحتاج إلى إذن المندوب، الذي قال إنه ركز المهام في يده، خلافا لما هو منصوص عليه في القانون، إذ تحول المندوب من أداة تنفيذية، إلى المتصرف الأول، والمقرر، وحول الهيئات التقريرية الحقيقية إلى مجرد هيئات تنفيذية لتوجهات المندوب.
وأبرز بنسعيد أن المندوب السامي للمقاومة وجيش التحرير، الذي هو مجرد إداري، ووسيط بين الدولة والمجلس الوطني، تجاوز وظيفة "الموظف" و"الوسيط"، إلى "رئيس فعلي للمجلس الوطني للمقاومة"، في وقت لا صلة له بحركة المقاومة وجيش التحرير. واستغرب كيف يقع السكوت على موظف أصبح يستعمل سلطات رئيس المجلس، وكل المسؤوليات المخولة للأجهزة المسيرة للمجلس الوطني، بدل أن يقتصر دوره على تنفيذ قرارات هذه الهيئات.
وأوضح أن تدخل المندوب في مهام المقاومين، من الأسباب التي جعلت هؤلاء ينتقدونه، خاصة أن المقاومين المسؤولين بالهيئات التقريرية والتنفيذية للمقاومة، نزعت منهم المسؤولية دون موجب حق.
وشدد بنسعيد على أنه يتبنى ما جاء في الحوار، الذي أدلى به المجاهد الغالي العراقي لصحيفة "المغربية"، معربا عن استغرابه من الرد الانفعالي على الحوار، من قبل المندوب، الذي قال إنه من غير المقبول أن يصف انتقادات عبر عنها أحد أطر المقاومة وجيش التحرير بكامل المسؤولية، تجاه الوضع القائم بالمندوبية، بأنها ادعاءات ومغالطات وافتراءات.
وقال بنسعيد إنه لا يجب السكوت على هذه التهجمات، التي عللها بكون الجهات المسؤولة تقف متفرجة على تصرفات المندوب في عدة قضايا، دون أن تتخذ الموقف المطلوب، وطالب بتقييم الانتخابات الأخيرة للمجلس الوطني للمقاومة وجيش التحرير، ومساءلة أجوائها ومدى نزاهتها وسلامتها، خاصة أن المقاومين يلاحظون أن عناصر كانت لهم تصرفات قمعية تجاه المقاومين أنفسهم، بمن فيهم من أشرف على تعذيب والتنكيل بالرئيس الحالي للمجلس الوطني، فإذا بها تتبوأ مراكز قيادية بالمجلس الوطني الجديد، واستدرك بن سعيد قائلا إنه لحسن الحظ أن جلالة الملك لم يصادق بعد على هذا المجلس. وقال نتمنى ألا يظهر للناس أن عهد الرصاص، الذي حاول محمد السادس معالجته، يعود من جديد، مشيرا إلى أنه كان من الواجب على تلك الوجوه ألا تتحرك، خاصة تلك التي كانت لها مسؤوليات في ذلك العهد.
وأضاف بنسعيد أن التقييم يجب أن يطرح أيضا السؤال: لماذا صعدت وجوه مثل تلك، ولماذا همش المندوب مكتبا منبثقا من المجلس الوطني المؤقت، في فترة لم يحسم فيها بعد في المجلس الجديد، وما هي النصوص القانونية، التي يستند إليها المندوب، في اتخاذ قرار تجميد هذه الهيئات.
وأكد بنسعيد أن المشكل بشكل عام يبين نظرة الدولة لهذه المؤسسة، التي تضم حركة التحرير، التي لعبت دورا في عودة الشرعية للملك محمد الخامس، مضيفا أن هذه المؤسسة همشت، متسائلا لماذا لا يجري الاهتمام بها، ولماذا يقع تهميشها إلى هذا الحد، رغم مرور أكثر من 50 سنة على استقلال المغرب، مشيرا إلى أن الكثير من المقاومين قضوا نحبهم، ومشكل المقاومة مازال قائما، ما يبين أن الدولة لو اهتمت بهذه المؤسسة، لاستطاعت حل مشاكل فئة عريضة من المقاومين وأسرهم.
وأشار بنسعيد، في هذا الصدد، إلى أن القضايا الأساسية للمقاومين، التي من المفروض أن تحلها المندوبية، مازالت عالقة، من قبيل أن عددا من المقاومين كانوا طردوا من وظائفهم، بالداخلية أو بأجهزة الأمن، في مرحلة تاريخية معينة، لم يقع إرجاعهم ولا تعويضهم، وجرى نسيانهم، بل هناك من وافته المنية دون أن تحل مشاكله.
وأضاف أن هناك أيضا المشكل الاجتماعي للمقاومين، إذ أن أغلبهم لم تقع تسوية أوضاعهم، وهناك من كانوا استفادوا من امتيازات في قطاع النقل، لكن تلك الرخص لم تعد لها قيمة، وهناك من غرق في الديون لإصلاح سيارات النقل.
وأشار بن سعيد إلى أن عائلات كثير من المقاومين تعاني وتعيش البؤس، ولم تفلح المندوبية في حل مشاكلها بتحقيق مطالبها.
وأكد بنسعيد أن انتقادات كثيرة مطروحة داخل هذه المؤسسة، ومشاكل المقاومين كثيرة، وبدل أن يتفرغ المندوب للاستجابة لمطالب المقاومين والتجاوب معها، ومناقشة مطالبهم، والاجتماع بهم كموظف للدولة، أغلق الأبواب وهمش المجلس، رغم أنه ليس من حقه توقيف المكتب الحالي، وحرمانه من كل وسائل العمل، مباشرة بعد الانتخابات، التي لم تصبح رسمية بعد.
وحمل بنسعيد الدولة المسؤولية، لأن المندوب يمثلها، كما أنها تركت الأمور تتعقد، وكان من المفروض أن تنصت إلى المنتقدين، الذين لم يجدوا الآذان الصاغية، فلجأوا إلى بيانات الاستنكار، لأن الأبواب موصدة في وجوههم، واعتبر أن ذلك ليس معقولا، لأنه سينعكس سلبا على المؤسسة، والضحايا هم عامة المقاومين.
وأبرز بنسعيد أن شعار التواصل، الذي يرفعه المندوب، لم يكن له انعكاس إيجابي على المقاومين، الذين لا يتوصلون إلا بالفتات، والأشياء البسيطة، متسائلا عن معنى التواصل في غياب حل للمشاكل الحقيقية؟ وأوضح بنسعيد أن التحولات الكبيرة التي عرفها المجتمع المغربي، أثرت جذريا على مردودية الامتيازات السابقة، لأن مردودية 150 أو 300 درهم، لم تعد اليوم كافية، وطالب بصرف رواتب للمقاومين، على الأقل 3 آلاف درهم، لضمان العيش الكريم للمقاومين وأسرهم، مبرزا أن الامتيازات، التي كانت منحت لهم تضاءلت مردوديتها ولم تعد موجودة، والله أعلم بمصيرها، وهناك التوزيع غير العادل لهذه الامتيازات في حال وجودها، ففي الوقت الذي تمنح فيه رخصة حافلة أو اثنتين أو أربعة لشخص واحد، تمنح رخصة نقل يتيمة لثلاثين أو أربعين شخصا، بل إن بعض أصحاب هذه الرخص يوجدون، حاليا، في حكم المشردين، وعائلاتهم مشردة، في حين كان من اللازم وضع حد لهذا التدهور. واستشهد بنسعيد بالنهج، الذي مضى فيه الجيران، حيث جرى حل المشاكل المادية والنقل والصحة وغير ذلك من الامتيازات للمجاهدين في الجزائر، بينما هنا سادت المحسوبية والزبونية.
وعلل بنسعيد هذا الوضع بكون المقاومة المسلحة وجيش التحرير المغربيين لم يفرزا، في مرحلة ما بعد الاستقلال، قيادة تتدخل في المعادلة السياسية المغربية، وتدخل في المفاوضات للمشاركة في تدبير الشأن العام، وهي مرحلة، يقول بنسعيد، تنم عن عدم الوعي بهذه المسؤولية، على عكس المرحلة السابقة، حين كان المقاومون يكافحون من أجل عودة الشرعية إلى الحكم، وزاد بنسعيد مفسرا "إنك عندما كنت تسأل المقاومين عن سبب كفاحهم، يقولون إنه من أجل عودة محمد الخامس والاستقلال، وهذا يعبر عن وعي في تلك الفترة التاريخية"، مؤكدا أنه في فترة الاستقلال، لم تكن الحكومة الأولى، أي حكومة التحالف المكلفة بالمفاوضات، لم تكن تطرح ضمن برامجها فئات المقاومة لأجل حل مشاكلها، كما وقع في بلدان أخرى، التي أنشئت فيها وزارة خاصة بالمقاومين، وكونت مؤسسات خاصة بهم.
وأكد أن المقاومين ظلوا دون إطار منظم لمدة تقارب عقدين من الزمن، إذ لم يتحقق ذلك إلا خلال سنة 1973، بحيث ظل الفراغ سيد الميدان منذ سنة 1956.
وأوضح بنسعيد أن إنشاء مؤسسة خاصة بالمقاومين لم تكن بمبادرة من الدولة، بل جاءت باقتراح من طرف المقاومين أنفسهم، حيث فتحوا مكتبا بالدارالبيضاء لمباشرة حل مشاكل المقاومين، سواء من خرجوا من السجون، أو الذين عادوا من المنفى، أو الذين خرجوا من السرية.
وكشف بنسعيد أن الاتصالات، في تلك الفترة، كانت مباشرة مع الملك محمد الخامس، الذي أعطى تعليماته وتوجيهاته لوزير الداخلية آنذاك إدريس المحمدي، وعامل الدارالبيضاء أحمد بركاش، لتيسير عمل قيادات المقاومة في معالجة المشاكل المطروحة، بما فيها التوظيف ومنح بعض الامتيازات، وجرى بالفعل حل عدد من القضايا، التي لم تكن سهلة، رغم أنه في تلك الفترة برزت ظروف غير طبيعية وغير جيدة، وخلقت مشاكل أخرى لهؤلاء المقاومين، لأن الدولة لم تتكلف بهذا الجانب لإنشاء جهة رسمية لهؤلاء المقاومين، مما ترتب عنه كثير من المشاكل والصراعات، كما أن عددا من المقاومين، الذين وظفوا في تلك الفترة، في الداخلية كعمال أو قياد أو خلفاء أو شيوخ، أو في الأمن، أو في مؤسسات أخرى، ومنحت لهم بعض الامتيازات، تعرض أغلبهم للطرد سنة 1961، دون مقابل ولا تعويض، بدعوى أنهم أميون، وأن من عوضوهم أطر متخرجة من مدارس متخصصة، لكن الواقع أن قضية طردهم كانت سياسية وليست مهنية، ولم تحل مشاكلهم، لحد الآن، ومنهم من توفي.
وأشار إلى أن ذلك حدث في أعقاب التوترات، التي عاشها المغرب في ما عرف بسنوات الرصاص، ولم يعد مكتب الدارالبيضاء يقوم بدوره الحقيقي، ووقع تهميش المقاومين، وشهدت البلاد العديد من التوترات، من قبيل المحاولتين الانقلابيتين، وأحداث 3 مارس 1973، مشيرا إلى أن الملك الحسن الثاني فكر، في تلك الفترة، في مناخ من الانفراج السياسي في البلاد، وفي مقدمتها استدعاء أغلب المقاومين الحقيقيين لتكوين هذه المؤسسة، التي كانت فكرة إيجابية، رغم أنها جاءت متأخرة، لكنها تعتبر مؤسسة تهتم بقضايا المقاومين، بعد أن منحت قانونا ومسطرة خاصين بها، وبدأت بداية مهمة جدا، لكن لم تكن تتوفر على الإمكانيات للاستمرار ليكون هناك تقدم في الميدان، كما لم يكن هناك وعي من طرف المقاومين بالدور المهم، الذي ستلعبه هذه المؤسسة، ليس فقط الدور الاجتماعي، بل أيضا الدور الثقافي والتاريخي، الذي يمكنها من أن تكون مؤسسة تهتم أيضا بالوضع السياسي أو بالحياة اليومية للقضايا المغربية، كما أن الحكومة لم تتدخل لتساعد هذه المؤسسة لتتطور وتلعب دورا مهما في هذه الميادين.
وقال بنسعيد إنه كان، في الفترة التي كان فيها برلمانيا، يتوصل بالعديد من الشكايات من طرف المقاومين، واضطر، في العديد من الأحيان، إلى التدخل لحل بعض القضايا، التي من المفروض أن تقوم هذه المؤسسة بحلها، خصوصا أن العديد من المقاومين يعانون مشاكل، التي من الممكن أن تحلها مؤسسة المقاومين، لكن لم يجدوا أي حل لها.
وتذكر بنسعيد، في هذا الصدد، أن المندوب السامي السابق، رغم ما يمكن أن يقال عن أسلوب التدبير، كان، على الأقل، يأخذ بعين الاعتبار رأي عدد من وجوه المقاومين، وكان يستشيرهم، أما المندوب الجديد، ورغم أنه يعتبر مثقفا، وكان بإمكانه أن يرفع من مستوى المندوبية، لكنه أصبح يتولى أدوارا ليست من اختصاصه، ولم يلعب دورا مهما في إخراج المندوبية أو المقاومين من هذا الواقع المهمش، بالعكس زاد تدبيره في تهميشهم. أحمد نشاطي
المغربية 20/10/2008