من شرفة بيتي تعودت أن أسبح طليقا في بحور خيالي ، وأن أمتح رحيقا عبقا من ذكريات شبابي ، وكلما عدت إلى نفسي شعرت بالخجل بسبب هوايتي ، الهواية التي ظلت تميزني عن غيري وتحقق لي متعة الزهو والتفرد ردحا من حياتي .
إنها الفرية ... أهواها وألازمها، وأستأنس بها . أفتري على نفسي ، وأجعلها تهيم في دوامة الأوهام ، وأنسب لها ما حقق واستحق غيري .
وأفتري على جل من حولي بلا داعي ولا مناسبة .
لا أستطيع تحديد متى أصبحت متمرسا محترفا لها . كل الذي أذكره أني برعت فيها منذ سنوات العمر الأولى . سنوات التعلم والدراسة . كنت أتقن التلفيق والتبليغ ، وأرتاح كلما أنتج شجارا أو تنافرا أو عداء . وأذكر أني كنت وراء العديد من التشنجات داخل الأسرة وبين الأصدقاء .
طفقت مع الأيام أفتري وأنسى أني فعلت فأفتري من جديد .
ما ثبت عندي أني صدقت الفعل أو القول إلا ناذرا . وأذكر لما كان رئيسي المباشر يطالبني بإنجاز مهام أو تنفيذ زيارات التتبع والمراقبة لبعض الفروع البعيدة عن مركز عملي ، أكتفي بتدبيج التقارير وتضمينها ما يبرز أدواري الناجعة في توفير ظروف العمل الملائمة لكافة العملين هناك . أحدد الحاجيات ، وأعدد المحفزات ، وأستنتج النتائج ، معتمدا- فقط - على ما أتوصل به من أخبار وأسرار . لا أبرح مكاني ولا أتجاوز عتبة بيتي . أغتنم الأيام المقررة للزيارات لقضاء العديد من مآربي الشخصية والخاصة .
يسر رئيسي دائما بمضامين تقاريري . ويذيلها بارتسامات جيدة ، ويرفعها بدوره إلى المسؤولين .
لازمني هذا العبث وعم كل خطواتي وتصرفاتي
متيقن ... أن جل من حولي وخاصة العاملين تحت إمرتي ، يدركون زيف ما أفعل وأقول ، ولا يقوى أحد على مواجهتي . ومن يجرؤ على المغامرة بمكانة أو مكافأة ؟ أو التضحية بعطف أو حماية أو رعاية ؟
أزداد زهوا بكون اختلاقاتي صارت مفرقعات تتقاذفها الالسن ، وتوزعها في كل اتجاه .
قبل أن أصبح أبا لطفلي البكر كنت غير مهتم ولا مبالي . والآن أنصت بإمعان إلى وغوغته ، وأتتبع بشوق خطو نموه ، وأتطلع بشغف إلى كونه رجلا شهما مقداما سويا في الغد البعيد. تسري حركات رأسه وأطرافه - وهو يداعب النسيم - في عروقي دما فاترا نقيا ، وسيعود عبر قنوات رعايتي يلطخ طبعه ويعكر صفوه ويتحكم في مساره . أجده حين يبكي يستغيث ويستنجد ويستنكر ويتبرأ مما أنا فيه . يستهجن ويستثقل ويتهيب ما هو مقبل عليه
يناديني من أعماقي بصوت واضح ونطق فصيح ؟ لقد عشت طويلا لا تتفوه بصدق إلا إذا نسيت . إني أمقتك وأمجك ، وأتقي شرور لسانك بمجاملتك .
أطرقت قليلا وأجبت : لن ألومك ولن أعاتبك . إنك غض طري لا دراية لك بما يجري . التعامل بالفرية والتزييف والنفاق في مجتمعنا غدا أصلا أصيلا محببا للناس . التاجر في ذكانه يضلل زبناءه ليمرر أصناف سلعه . والعامل الأجير يتملق ويفتري ليزداد دخله وترتفع رتبته والأب والأم يزرعان بذور الكذب في حقول الأسرة بالقدوة والمثال ... والمحامي ينسج فقرات دفاعه ويؤسسها على نكران الحقائق المهددة لبراءة موكله . والسياسي ينثر حوله الوعود الكاذبة بسخاء رغبة في الفوز بمقعد وثير ، أو الحصول على امتياز مغري .
ولا أخفي عنك أني أقف على المفترق . أشعر بالحاجة لمراجعة هوايتي ، وإعادة النظر في مدلولات وصيغ قيمي التي تشبعت بها مع الأيام ، وتعودت - خطأ - على اعتبار تزييف الحقائق أو إخفائها مهارة لا يتقنها إلا متمرس بارع .
وجم الصغير وتوارى ، وأرسل بكاء مدويا في الآفاق . تتبعت نبرات صوته المتعالي في عنان السماء . فبقيت فاغرا مشدوها محملقا ، أعد النجوم ، وأفرك عيني بكلتا يدي ، لعلني أتبين ما ذا يجري حولي