|
||||||
| دفاتر أخبار ومستجدات التربية الوطنية و التكوين المهني هذا الركن بدفاتر dafatir خاص بالأخبار والمستجدات الوطنية المتعلقة بقطاع التربية الوطنية والتعليم المدرسي و التكوين المهني |
| البحث في المنتدى |
| بحث بالكلمة الدلالية |
| البحث المتقدم |
| الذهاب إلى الصفحة... |
| أدوات الموضوع |
|
||||||
|
العولمة الثقافية </STRONG></SPAN>وأثرها على الهوية العربية الإسلامية</STRONG></SPAN> </SPAN></STRONG> </SPAN> تمهيد</SPAN> </SPAN></SPAN>:</SPAN> </SPAN> العولمة هي ظاهرة أفرزتها ثورة الاتصالات وتقانة المعلومات في ظل النظام العالمي الجديد،</SPAN> </SPAN></SPAN></SPAN></SPAN></SPAN> </SPAN>الذي أتاح </SPAN>للولايات المتحدة ودول الغرب السيطرة الكاملة والهيمنة على العالم، في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والتقنية والعسكرية. وقد اهتم المفكرون بهذه الظاهرة وما قد يترتب عليها من تداعيات ونتائج تؤثر على الناس في شتَّى مناحي الحياة، وبصفة خاصة، على هويتهم الثقافية، وثقافتهم القومية، وذاتيتهم الوطنية، ومعتقداتهم الدينية.</SPAN> </SPAN></SPAN></SPAN>ونتناول في هذا البحث مفهوم العولمة، وظهورها، والفرق بينها وبين العالمية، والآثار الإيجابية </SPAN>والسلبية الناجمة عنها، خاصة ما يتعلق منها بالجانب الثقافي، وأثر ذلك على الهوية العربية والإسلامية، ثم نبحث في سُبِل التعامل معها ومواجهتها.</SPAN> </SPAN> تعريف العولمة ومفهومها:</SPAN> تعتبر "العولمة" من أكثر العناوين والمصطلحات استخداماً في عصرنا الحاضر، بل أكثر قضايا العصر المثارة على نطاق العالم الواسع.</SPAN> </SPAN></SPAN></SPAN>ورغم كثرة ما كُتِب فيها، لم يتفق الباحثون والمفكرون على تعريف واحد لها، وتعددت مناهج الباحثين في تعريف العولمة، فركز البعض على أحد أبعادها، قي حين حاول البعض أن يعرفها بتعريفات تنسجم مع موقفه منها وتوجهاته من حيث الرفض أو القبول. </SPAN></SPAN> ويذهب بعض الباحثين (وﮔا ﮒ، 2002م، ص96) إلى أن أقرب تعاريف العولمة إلى الدقة هو: </SPAN>"أن العولمة هي دمج ودمقرطة ثقافات العالم، واقتصادياته وبنياته التحتية، من خلال الاستثمارات الدولية، وتنمية تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وتأثير قوى السوق الحرة على الاقتصاديات المحلية والإقليمية والعالمية"؛ ومنهم من يقول أنها حرية حركة السلع والخدمات والأيدي العاملة ورأس المال والمعلومات عبر الحدود الوطنية والإقليمية. وهناك من يرى (الشيباني، 2001م، ص331 ويسين، 1998م، ص27) أن العولمة هي إقحام الجميع في دخول ترس الآلة العالمية بسبب الثورة الجامحة للمعلوماتية وتطور تقنية الاتصالات، وبذلك يكون مصير الإنسانية مُوَحَّداً.</SPAN> </SPAN> وعندما نذكر مصطلح "العولمة" </SPAN></SPAN></SPAN>(Globalization)</SPAN> </SPAN></SPAN>، أو نسمعه، فإن الذهن يتجه فوراً إلى الكونية، أي إلى الكون أو العالم الذي نعيش فيه، ومن هنا ندرك أن المصطلح يعبر عن حالة من تجاوز الحدود السياسية الراهنة للدول إلى آفاق أكثر اتساعاً تشمل العالم بأسره. </SPAN>وهذا يعني تنازل الدولة الوطنية، أو حملها على التنازل، عن حقوق لها، لصالح "العالم"، أو بعبارة أدق، لصالح المتحكمين في هذا العالم.</SPAN> </SPAN>والصيغة الصرفية للفظة "عولمة"، هي "فَوْعَلَة"، وقد فرضتها على اللغة العربية حاجة العصر وما طرأ عليه من مستجدات. وهي تدل على تحويل الشيء إلى وضعية أخرى مثل "قولبة" من "قولب"، أي وضع الشيء في صيغة قالب ... الخ. ومن ثم، يكون معنى "العولمة" هو وضع الشيء على مستوى "العالم" (الجابري، 1997م، ص135). فعندما نقول مثلاً عولمة النظام الاقتصادي، أو عولمة السياسة، أو عولمة الثقافة، فإننا نعني تحول كل منها من الإطار القومي ليندمج ويتكامل مع النظم الأخرى المثيلة لها في العالم. </SPAN>لقد ظهر مصطلح العولمة أول ما ظهر في مجال المال والتجارة والاقتصاد، غير أنه لم يعد مصطلحاً اقتصادياً محضاً، فالعولمة الآن يجري الحديث عنها بوصفها نظاماً أو نسقاً ذا أبعاد تتجاوز دائرة الاقتصاد. إنها الآن نظام عالمي، أو يراد لها أن تكون كذلك، يشمل مجال المال والتسويق والمبادلات والاتصال ... الخ، كما يشمل أيضاً مجال السياسة والفكر والإيديولوجيا. </SPAN>والعولمة هي فرض نمط أو نموذج معين على البشر جميعاً؛ بما يعنيه ذلك من القضاء على الخصوصية، والمنافسة، والتنوع، والاختلاف، الذي هو قانون الله النهائي غير القابل للتعديل أو التغيير (أبو صقر، 2000م، ص 51-53).</SPAN> ومصطلح "العولمة" هو ترجمة لكلمة </SPAN>Globalization </SPAN></SPAN></SPAN> </SPAN>الإنجليزية التي ظهرت أول الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تفيد معنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل. وبهذا المعنى يمكن أن نفترض، أن الدعوة إلى العولمة بهذا المعنى إذا صدرت من بلد أو جماعة فإنها تعني تعميم نمط من الأنماط التي تخص ذلك البلد أو تلك الجماعة وجعله يشمل العالم كله. وقد </SPAN>رأى الباحثون أن العولمة في صورتها الراهنة هي الدعوة إلى تنميط العالم بالنمط الغربي، أو بعبارة أدق، هي الدعوة إلى توسيع النموذج الأمريكي وفسح المجال له ليشمل العالم كله. </SPAN>لذا نجد </SPAN>هناك من يقرن بين العولمة وبين "الأمركة"، بصفتها معنية بنشر الطابع الأمريكي وتعميمه (الجابري، 1997م، ص 137).</SPAN> إن تحَكُّم الولايات المتحدة الأمريكية في أكثر من 65% من وسائل الإعلام العالمية، ساعدها إلى حد بعيد في نشر الطابع الأمريكي. </SPAN>ولما كان من اليسير على الولايات المتحدة نشر القيم والمبادئ الأمريكية، لامتلاكها وسائل القوة الاقتصادية والعسكرية، كان من البديهي أن تسخر هذه العولمة لصالحها. فالعولمة هي هذا النظام العالمي الجديد، أحادي القطب، يدور في فلكه كافة دول العالم، ويسيطر اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وعسكرياً وتكنولوجياً ومعلوماتياً، وتلعب فيه الولايات المتحدة دوراً فاعلاً ومحركاً وأساسياً (الشيباني، 2001م، </SPAN>ص 332، والمرسي، 1999م، ص 178-182).</SPAN> </SPAN></SPAN></SPAN></SPAN> </SPAN></SPAN></SPAN></SPAN> نشأة العولمة</SPAN> :</SPAN> لقد تعددت الآراء في تحديد التاريخ الدقيق الذي نشأت فيه ظاهرة العولمة، وكذا مراحل تطورها (الخضيري، 2001م، ص 59-70 وعبد الغني، 1999م، ص 97-98 ويسين، 1998م، ص 30-32).</SPAN> </SPAN></SPAN></SPAN></SPAN></SPAN> </SPAN>فيربطها البعض بفترة الكشوف الجغرافية في الغرب، التي تم جزء كبير منها في القرن الخامس عشر الميلادي، ويذهب البعض الآخر إلى تحديد تاريخها بالقرن الثامن عشر، حيث شهدت أوروبا في هذا القرن تطورات إنسانية كثيرة. </SPAN>وعلى أية حال، فإن معظم الآراء تتفق على أن مصطلح "العولمة" قد هبَّ على العالم وانتشر انتشاراً واسعاً وسريعاً إثر انتهاء الحرب الباردة واختفاء الاتحاد السوفيتي (الببلاوي، 1999م ص 32-33). </SPAN> ومع أن كلمة "العولمة" لم تنتشر ولم تصبح كما هي عليه اليوم من الرواج إلا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وعلى وجه الخصوص، </SPAN>منذ أواخر الثمانينيات من القرن العشرين، فإن مضمونها بوصفها ظاهرة تهدف إلى أمركة العالم، قد تم التعبير عنه بجلاء في منتصف الستينيات على الأقل، عندما تقدم بعض المنظرين في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1965م، بمبادرة اشتملت على برنامج عمل يضمن للولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة على العالم (الجابري، 1997م، ص144). </SPAN></SPAN> ويربط البعض بين ظهور مصطلح "العولمة" وظهور ما عُرِف بالنظام العالمي الجديد، الذي بدأت بذوره الأولى في منتصف الستينيات من القرن العشرين، ثم بدأت توجهاته تتضح في السبعينيات، وتسارعت خطاه في الثمانينيات، بحيث اتضحت خطوطه العامة وملامحه الرئيسة مع بداية التسعينيات (يسين،</SPAN> </SPAN></SPAN></SPAN></SPAN></SPAN>1998م، ص 29، وانظر: الخضيري، 2001م، </SPAN>ص 59-60 وعبد الغني، 1999م، </SPAN>ص 97-102).</SPAN> وتجدر الإشارة إلى صعوبة تحديد الوقت الذي بدأت فيه ظاهرة العولمة تأخذ الصورة التي نراها عليه اليوم. ومع ذلك، يمكننا أن نشير إلى عدد من الأحداث الرئيسة التي شهدها العالم، والتي حملت للبشرية إرهاصات العولمة. ومن بين هذه الأحداث: أول خدمة دولية للتلغراف عبر المحيطات (1866م)، وإدخال التنسيق على مستوى العالم للساعات وفقاً لتوقيت "جرينتش" (1884م)، وظهور أول نظام للاتصالات الهاتفية بين لندن وباريس (1891م)، وإنشاء أول نظام لانتقال الأموال عبر الحدود الدولية في لوكسمبورج (1929م)، وافتتاح أول مطعم "مَكْدُونالْد" (1955م)، وبدء أول اتصالات دولية بالأقمار الصناعية (1962م) وإنشاء أول نظام إلكتروني لأسعار صرف الأوراق المالية (1971م)، وغير ذلك من أحداث مشابهة (عبد البديع، 1999م، ص 94- 95 والخضيري، 2001م، </SPAN>ص62). </SPAN></SPAN> ومن استعراض هذه الأحداث يتبين لنا أن "العولمة" في مراحلها الأولى، لا ترادف "الأمركة"، ولا نلمس أنها نشأت أو ظهرت تحت تأثير أمة معينة، أو أنها فُرِضَت وفقاً لمشيئة هذا الزعيم السياسي أو ذاك القائد العسكري، بل ندرك أنها تحققت وتطورت بسبب مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، التي تنتمي إلى تراث البشرية بأكملها. وعلى أية حال، وبعيداً عن التتبع التاريخي لظاهرة العولمة، فإنها قد أصبحت، بخيرها وشرها، واقعاً ملموساً، نعيشه ونحياه، ويصعب - إن لم يكن مستحيلاً - الابتعاد عنه.</SPAN> بين العالمية والعولمة</SPAN> : </SPAN></SPAN> يبالغ البعض عندما يذهب إلى اعتبار أن العولمة فرعونية الطابع، وأن المصريين القدماء هم أول من تبنى فكرة العولمة (الخضيري، 2001م، ص 61). ويبدو لنا أن أصحاب هذا الرأي يخلطون بين العالمية والعولمة. وقد حدث ذلك مراراً عندما حاول بعض الباحثين (وﮔاﮒ، 2002م، ص 102 والخضيري، 2001م، ص 60 – 62 وعبد الغني، 1999م، ص 98-99 وعياد، 1999م، ص 113-115) أن يؤرِّخ للعولمة، ويبحث في أصولها، ويتتبع تطورها عبر مراحلها المختلفة. وتجدر الإشارة إلى </SPAN>أن المراحل الأولى لهذه الظاهرة قد غلبت عليها صفة العالمية، في حين أن مراحلها الأخيرة قد برزت فيها سمات العولمة. فحضارات الصين والهند ومصر القديمة، والحضارة الإسلامية، وحضارة اليونان والرومان، لم تشهد زمن العولمة بمفهومها الذي نعرفه اليوم، وإنما نستطيع أن نضع كل فترة عاشتها هذه الحضارات، ضمن مرحلة من مراحل العالمية. ويجدر بنا التمييز بين العولمة والعالمية، وهما اصطلاحان كثيراً ما يثور الخلط بينهما، رغم أن لكل منهما مفهوماً يغاير تماماً مفهوم الآخر.</SPAN> فالعولمة </SPAN></SPAN></SPAN>(GLOBALIZATION)</SPAN> </SPAN></SPAN> </SPAN>هي السيطرة والهيمنة على العالم ، </SPAN>وهي نفي للآخر، و قمع وإقصاء للخصوصية، وإذابة لكل خصائص المجتمعات، إلى درجة لا يكون فيها لأي مجتمع ثقافة ذاتية، أو هوية شخصية أو قومية .</SPAN> </SPAN></SPAN>لقد بدأت العولمة بالجانب الاقتصادي، وعنت الاندماج الكامل لمختلف دول العالم عبر نموذج يستعمل السوق والتجارة والمال والتقنية والغزو الإعلامي لفرض زعامة أصحابه وهيمنتهم. </SPAN></SPAN> أما العالمية </SPAN></SPAN></SPAN>(UNIVERSALITY)</SPAN> </SPAN></SPAN>، فهي تفتح على ما هو عالمي وكوني، أو الانفتاح على العالم شرقاً وغرباً، والاحتكاك بالثقافات الأخرى أخذاً وعطاءً، وهي الاحتفاظ بالخلاف الإيديولوجي، وهي عملية تفاعل تبادلي بين الجزء والكل، </SPAN>تحكمها قيم إنسانية، وتتم وفق سنن تفاعل الحضارات، فهي تعارف وتعاون وعمران.</SPAN> فالمتأمِّل للحضارة الإسلامية مثلاً، يرى أن دعوة سيدنا محمد </SPAN></SPAN></SPAN>r</SPAN></SPAN> </SPAN></SPAN>قد جاءت شاملة من ناحية المكان، أي أنها لكل الناس في أية بقعة من بقاع الأرض، وشاملة من ناحية الزمان، أي أنها لأجيال البشرية منذ مطلع الإسلام إلى يوم الدين. والذي يطالع بعمق سيرة الرسول </SPAN></SPAN></SPAN>r</SPAN></SPAN> </SPAN></SPAN>وتاريخ أصحابه من بعده، يدرك بوضوح الالتزام الكامل بتحقيق "عالمية" الإسلام ( العزمي، 1999م، ص 165 والباش، 2002م، ص 124-125). لقد عرف العالم الاتجاه إلى العالمية في مراحل مبكرة. فكانت "العالمية" من أبرز سمات الحضارة الإسلامية إبان ازدهارها، ثم حدث في مطلع القرن السابع عشر الميلادي أن وقع تحوّل في شمال غرب أوربا في نظام التجارة العالمية برز فيه عنصر "الفرض"، وتلك هي جذور "العولمة" التي وظفت تقنية الانقلاب الميكانيكي ثم الانقلاب الصناعي (الدجاني، 2002م، ص 126). </SPAN></SPAN> وتطرح العالمية أفكاراً إنسانية تنتقل بالتبادل بين الثقافات عندما يحدث الاحتكاك والتداخل أو الامتزاج، في حين تسعى العولمة إلى سلب الخصم إرادته وهويته، فهي هيمنة وإرادة لاختراق "الآخر" وسلبه خصوصيته، وبالتالي نفيه من "العالم". إن العالمية هي إغناء للهوية الثقافية، أما العولمة فهي اختراق لها وتمييع (الجابري، 1998م، ص 301). </SPAN>وفي ظل العولمة لا تكون لسيادة الدول نفس الأهمية التي تتمتع بها في ظل "العالمية". </SPAN> وما نودّ أن نخلص إليه من هذه الوقفة أمام مصطلحي "العولمة" و"العالمية" هو إبراز عنصر "الفرض" بهدف الهيمنة في "العولمة"، وغياب القيم الإنسانية وتوظيف الثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين، في حين نجد قوى "العالمية" تدعو إلى التركيز على القيم الإنسانية التي تنادي بالمساواة والعدل واحترام الحريات وصَوْن الخصوصيات، وتوظِّف ثورة العلم التقني فيما تدعو إليه.</SPAN> </SPAN> الإيجابي والسلبي في العولمة</SPAN> : </SPAN></SPAN> مما لا شكَّ فيه أن العولمة ليست خيراً أو شراً دائماً، فلها إيجابياتها في مجالات، وسلبياتها في مجالات أخرى. فالعولمة في صورتها الإيجابية تعني التطور الهائل الذي عرفه العالم في مجال تطوير التكنولوجيا ووسائل الإعلام والاتصال، وما نتج عن ذلك من تقريب المسافات بين أجزاء المعمورة، وإشاعة المعرفة </SPAN>(بو طالب، 2002م، ص37-38)، </SPAN></SPAN>والتعاون المثمر بين الأمم والشعوب، </SPAN>وتخفيف الحواجز والعوائق التي تعيق الاتصال الحر والمباشر بين الأفراد والهيئات والجماعات.</SPAN> </SPAN> </SPAN>ويبدو أن هذا المعنى الإيجابي للعولمة كان ماثلاً فيها في مراحلها المبكرة، ثم أخذ في التحول إثر انهيار الاتحاد السوفيتي، وظهور ما يسمى بالنظام العالمي الجديد. فمنذ ذلك الحين طرأ تطور سلبي على مفهوم التعاون الدولي، وبعد أن كان المفهوم العام للتعاون الدولي قائماً على مبادئ التعددية السياسية والثقافية لأمم العالم وشعوبه، وكانت مبادئ السيادة القومية والاستقلال الوطني للشعوب من المحرمات التي لا يمكن المساس بها، بشر هذا النظام العالمي الجديد بمبادئ جديدة، يرى البعض فيها انحرافاً عن المبادئ الإنسانية العادلة والعالمية المنحى. ويرى المناهضون للعولمة، في هذه المبادئ الجديدة السالبة، تهديداً خطيراً على كيان الدول في العالم الثالث الذي يضم في دائرته الدول العربية والإسلامية التي ورثت الحضارة الإسلامية القائمة على أسس روحية ومبادئ إنسانية راقية، منها المساواة بين الناس ورفض التفرقة على أساس الدين أو العرق أو اللون (إمام، 2000م، ص 184-187).</SPAN> لقد أثارت العولمة الكثير من المواقف والآراء، ما بين التأييد والرفض؛ ويمكننا وضع أصحاب هذه الآراء والمواقف، في ثلاثة فرق، هي: </SPAN> 1. </SPAN></SPAN></SPAN> </SPAN>فريق أدرك مدى ما للعولمة من أهمية، فرأى ضرورة الإسراع بالانخراط فيها، والدخول في منظومتها، والاستفادة من الفرص المتاحة فيها، والأخذ بما تحمله من إيجابيات. </SPAN></SPAN></SPAN> 2. </SPAN></SPAN></SPAN>فريق سيطرت عليه الهواجس والمخاوف، فاستشعر الخطر القادم من العولمة، ومن ثم، رأى وجوب مقاومتها لما فيها من آثار سلبية.</SPAN></SPAN> </SPAN> 3. </SPAN></SPAN></SPAN>فريق تتناقض أقواله مع أفعاله، فيهاجم ظاهرة العولمة فكراً، في حين يمارسها سلوكاً، ويستخدم أدواتها فعلياً، فيركب السيارة المستوردة، ويلبس الملابس المستوردة، ويستخدم الأطباق اللاقطة للقنوات الفضائية في بيته، ووسائل الاتصالات بالأقمار الصناعية وغيرها، والشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، وبطاقات الائتمان والصرف الدولية.. الخ (الخضيري، 2001م، ص 67-71).</SPAN></SPAN> العولمة الثقافية والهوية</SPAN> :</SPAN> العولمة الثقافية هي أصل العولمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأخلاقية، لأن الثقافة هي التي تهيئ الأذهان والنفوس لقبول تلك الأنواع الأخرى، وتجعل الناس مستعدين للانضمام إلى الأنظمة والمؤسسات والاتفاقيات الدولية. وتعتبر الثقافة عنصراً أساسيا في حياة كل فرد وكل مجتمع وكل أمة، وهي تشمل التقاليد والمعتقدات والقيم وأنماط الحياة المختلفة والفنون والآداب وحقوق الإنسان (الجابري، 1998م، ص 297-298). </SPAN>إنها الهوية المُعَبِّرَة عن الشعور بالانتماء لدى أفراد كيان اجتماعي معين، والتي تُشْعِر أصحابها بخصوصيتهم، ورصيدهم المختزن من الخبرات المعرفية والأنماط السلوكية.</SPAN> </SPAN>وللعولمة الثقافية وسائلها ومضامينها؛ فوسائلها هي هذه الآلات والأدوات والأجهزة التكنولوجية والإلكترونية، أما مضامينها ومحتواها فهي هذه البرامج الفكرية، والتصوراتٌ الأدبية والفنية، والمذاهبُ والنظرياتٌ النقدية، والآراء العقائدية (الإيديولوجية)، ووجهات النظر السياسية، ونمط الحياة والتقاليد الاجتماعية في الملبس والمأكل والمشرب، والبرامج التمثيلية والغنائية والموسيقية، وما شابه ذلك (انظر: الأسد، 2002م، ص 111-114). ومن هنا نجد أن العولمة ليست نظاماً اقتصادياً وحسب، بل ترتبط </SPAN>ارتباطاً عضوياً مع وسائل الاتصال الحديثة التي تنشر فكراً معيناً، و"ثقافة" معينة، يمكن أن نطلق عليها اسم "ثقافة الاختراق" (الجابري، 1997م، ص 143). </SPAN>وعلى الرغم من إقرار المجتمعات الإنسانية على مر التاريخ بوجود تمايز ثقافي فيما بينها، فان ثمة اتجاه سائد الآن تقوده الولايات المتحدة الأمريكية يدعو إلى إنكار هذا التمايز، على اعتبار أن التدفق الإعلامي عبر الحدود، والثورة المعلوماتية من شأنها نشر ثقافة كونية واحدة. </SPAN>وتبرز قضية الهوية الثقافية بمجرد حديثنا عن الانتقال عبر الحدود وخاصة في مجال المعلومات والأفكار والاتجاهات والأنماط السلوكية. </SPAN> لقد لعبت ثورة الاتصالات دوراً أساسياً في إحداث هذا التأثير الثقافي؛ فبدلاً من الحدود الثقافية، الوطنية والقومية، تطرح إيديولوجيا العولمة "حدوداً" أخرى، غير مرئية، ترسمها الشبكات العالمية، كالشبكة العنكبوتية (الإنترنت) والقنوات الفضائية، بغرض الهيمنة على الأذواق والفكر والسلوك. وقد أدى استخدام القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، إلى تقلص دور الكلمة المكتوبة لحساب الصورة المرئية، ولهذا الأمر أهميته البالغة، لأن الكتاب مثلاً كان يخاطب النخبة في حين يتسع جمهور الصورة ليشمل مختلف شرائح المجتمع، ولأن الكتاب كان يتوقف أحياناً عند حدود الدول، وقد لا يسمح له بالدخول إليها، في حين تتخطى الصورة التي يحملها الأثير جميع الحدود السياسية والحواجز الجمركية (إبراهيم، 2003م، ص 122). وما يُقال عن الكتاب، يُقال أيضاً عن الصحف والمجلات وغيرها من المواد المكتوبة. </SPAN></SPAN> إن أكثر ما يلفت الانتباه من ظواهر العولمة في المجال الثقافي، هو المدى الذي بلغته الثقافة الشعبية الأمريكية من الانتشار والسيطرة على أذواق الناس في العالم. فقد أصبحت الموسيقى والبرامج التليفزيونية والمسلسلات والأفلام </SPAN>السينمائية الأمريكية، منتشرة في أرجاء العالم، كما أن النمط الأمريكي في اللباس والأطعمة السريعة والمشروبات وغيرها من السلع الاستهلاكية انتشرت على نطاق عالمي واسع. وفضلاً عن ذلك، صارت اللغة الإنجليزية لغة عالمية، بل وانتشرت اللهجة الأمريكية، على وجه الخصوص، انتشاراً واسعاً. ومن أسباب هذا النفوذ الثقافي الواسع: سيطرة الاقتصاد الأمريكي بوصفه سوقاً مستوردة ومصدرة، وهيمنة شركات الإعلان الأمريكية على التسويق العالمي، </SPAN>ولما للولايات المتحدة من تفوق واضح على منافسيها الاقتصاديين في المجالات الثقافية الشعبية، وعلى الأخص في صناعتي السينما والموسيقى (سالم 1998م، ص 220، حجازي، 2001م، ص 40). ويبدو أن الولايات المتحدة تعتمد في نشر نمطها الثقافي على تفوقها التقني وهيمنتها السياسية والعسكرية والاقتصادية ، معرضة مقومات الهوية الثقافية للمجتمعات الأخرى إلى خطر الذوبان، وهو ما يدعونا إلى الاعتقاد أن الثقافة الكونية المُعَوْلَمَة ليست إلا نتاجاً لثقافة مُهَيْمِنَةٍ هي ثقافة الغرب وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية وليست نتاجاً لتفاعل الثقافات الأخرى وتضافرها وتناظرها .</SPAN> وتجدر الإشارة إلى أن عملية الأخذ والاقتباس من "الآخر" لا يمكن أن تفرز لنا كياناً متطابقاً تمام التطابق مع هذا "الآخر". فعلى الرغم من هذا الاحتكاك الذي يحدث بين المجتمعات الأوروبية، نجد أن طبيعة المجتمع البريطاني مثلاً تختلف عن الفرنسي، وكلاهما يختلفان عن الإيطالي، سواء في النظام السياسي أو الاقتصادي أو السلوك الاجتماعي أو في الفكر والثقافة. ويظهر هذا الاختلاف بوضوح أكبر عندما نقارن بين الولايات المتحدة واليابان، فرغم اعتناقهما لنفس النظام الاقتصادي والسياسي، ومع غلبة مظاهر المجتمع الصناعي الحديث في كل منهما، فإن شكل الحياة وقيم المجتمع في اليابان ليست متطابقة مع تلك السائدة في الولايات المتحدة (الببلاوي، 1999م، ص 45-46).</SPAN> ويرى البعض أنه لا يوجد دليل على أن العولمة بالضرورة تهدف إلى محو الهويات الثقافية المتعددة، ذلك لأن العولمة ليست بحاجة إلى فرض نظام ثقافي موحد على مستوى العالم، وأنه من المستحيل محو التعدد الثقافي في العالم مهما خطَّط المُخَطِّطون (ياسين، 1999م، ص 109). إن </SPAN>الاحتكاك بين الحضارات، والأخذ والعطاء، والتأثير والتأثر، لا يؤدي على الإطلاق إلى ذوبان هذه الحضارات في حضارة واحدة، حتى ولو على المدى البعيد. ونحن لا نعتقد في إمكانية وجود ثقافة عالمية واحدة، وليس من المحتمل أن توجد في يوم من الأيام مثل هذه الثقافة.</SPAN> </SPAN></SPAN></SPAN></SPAN></SPAN> </SPAN>و يعرف عالمنا اليوم، كما عرف طوال التاريخ، ثقافات متعددة متنوعة، لكل منها خصائصها، ويحرص أصحابها على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة. </SPAN> </SPAN>والذين يرفضون العولمة ويرون فيها خطراً على الأفراد وعلى الأمة، إنما ينظرون إلى أنها تمثل ثقافة الولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد، ولذلك أطلقوا عليها اسم "الأمركة". وقد رفضت أوروبا هذه الأمركة، ولذلك نجدها تحصن نفسها بالاتحاد الأوروبي حتى تتمكن من منافسة الولايات المتحدة، </SPAN>ومع ذلك، خشيت </SPAN>بعض دولها على ثقافتها وعلى لغتها من أن تطغى عليها هذه الثقافة الوافدة. وكان من هذه الدول، فرنسا واليونان اللتان هاجمتا الولايات المتحدة هجوماً عنيفاً في المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية الذي نظمته اليونسكو في المكسيك سنة 1982م، حتى إن فرنسا امتنعت عن التوقيع على القسم الخاص بالسلع والمواد الثقافية من اتفاقية "الجات" (الأسد،</SPAN> </SPAN></SPAN></SPAN></SPAN></SPAN>2002م، ص 115، المرسي، 1999م، ص 178-182، عبد الغني، 1999م، ص 97-102).</SPAN> </SPAN>إن الخوف من "الغزو الثقافي الأمريكي" لم يقتصر على دول العالم الثالث التي توصف بأنها بلاد "نامية" أو "متنامية"، بل وجدناه يسيطر على دول كاليونان وفرنسا وبعض الدول الأوروبية الأخرى. وإذا كان هذا هو موقف هذه الدول من العولمة، وهي دول تنتمي إلى نفس الحضارة التي تنتمي إليها الولايات المتحدة الأمريكية، فكيف تكون الحال مع شعوب العالم الثالث التي تختلف عن هذه الدول الغربية في الجوهر والكيان، وقد تصل ثقافاتها معها إلى حد التناقض؟ </SPAN> ومن اللافت للنظر أن دول الغرب، وخاصة الولايات المتحدة، التي تنادي بالديمقراطية والتعددية، والرأي الآخر، وحرية العقيدة والتعبير، تصادر في نفس الوقت كلَّ ذلك وتلغيه حين تحاول أن تفرض على غيرها نمطاً واحداً من ثقافة واحدة، هي ثقافتها التي ترى أنها الوحيدة الصالحة للعالم، وبذلك تدمّر الخصوصيات الثقافية للشعوب الأخرى وتفرض عليها ما يخالف عقيدتها ويسلبها هويتها. ففي وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثلاً، نجد الكثير من البنود التي تصادر الرأي الآخر، وفيها إهدار لحقِّ الشعوب في أن تعيش وفق ثقافتها وعقيدتها، مما جعل البعض يرى فيها تعميماً لفكر غربي، وفرضاً للثقافة الغربية. ومن هذه الوثيقة وغيرها من الوثائق والاتفاقيات والمعاهدات ندرك أن الديمقراطية الغربية تتناقض مع نفسها أحياناً، وتتنكّر لدعوتها، حين لا تسمح بالتعددية والرأي الآخر وحرية العقيدة، وعندما تفرض وجهة نظر واحدة من ثقافة واحدة (انظر: الأسد، 2002م، ص 116-117). </SPAN></SPAN> </SPAN>الهوية العربية الإسلامية:</SPAN> تركز بعض الكتابات العربية التي تعرضت للعولمة على المخاوف المتوقعة من غزو العولمة الثقافية وتهديد موجاتها المتدفقة للهوية العربية الإسلامية أو الهوية الثقافية القومية. وتجدر الإشارة إلى </SPAN>أن مفهوم الهوية الثقافية القومية الذي يعنينا هنا، والذي يُقصد به الهوية المشتركة لجميع أبناء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، لا يعني قط إلغاء ولا إقصاء الهويات الوطنية القطرية ولا الهويات المحلية والطائفية. إنه لا يعني فرض نمط ثقافي معين على الأنماط الثقافية الأخرى، المتعددة والمتعايشة، عبر تاريخنا المديد داخل الوطن العربي الكبير (الجابري، 1998م، ص 304).</SPAN> وتعتبر اللغة من أهم العناصر التي تُشَكِّل هوية أية جماعة وأي وطن، وهي التي تطبع هذه الهوية بطابعها الثقافي المميز. واللغة العربية هي اللغة المشتركة التي يتحدث بها جميع أبناء الأمة العربية ، وهي لغة التراث المشترك، ولغة العلم والثقافة، وبالتالي لغة التحديث والحداثة. إنها الرابطة المتينة التي توحد بين مستويات الهوية في الوطن العربي، وهي الأداة التي بها يمكن للعرب الدخول في العالمية وتحقيق الحداثة. </SPAN></SPAN>ويمكن للغة العربية - إذا أردنا- أن تكون جسراً تعبر عليه ثقافات الشرق والغرب، فينتقل إلينا بواسطتها ما وصل إليه الآخرون من تقدم علمي وتكنولوجي، ويكون دَوْرُنا الأهم في تفعيل حركة النقل والترجمة هو دقة الاختيار والتركيز على ما يفيد خططنا. </SPAN>لقد أنفقت اليابان عشرات المليارات على حركة الترجمة لتضع شعبها ومؤسساتها الأكاديمية على قدم المساواة معرفياً مع العالم الذي كانت تقوم عليه العولمة المعاصرة. </SPAN>فهل يمكننا أن نفعل شيئاً شبيهاً بما فعلته اليابان في هذا المجال؟.</SPAN> من جهة أخرى، فإن الثقافة العربية بمختلف مستوياتها المادية والروحية تتميز بنوع من الثنائية، التي طبعتها منذ ما يقرب من قرنين، نتيجة احتكاكها مع الثقافة الغربية، وهي ثنائية التقليدي والعصري التي كرست الازدواجية والانشطار داخل الهوية الثقافية العربية (الجابري، 1998م، ص 304). وليست</SPAN> العولمة وحدها هي المسئولة عن نشر ثقافة دون أخرى في عالمنا العربي، وليست هي التي تقود معركة الغزو الثقافي، وذلك لأن جميع تكنولوجيات الاتصال في بيوتنا مفتوحة على العديد من محطات الإذاعة والقنوات الفضائية العالمية، والشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، وغيرها، ولم نعمل شيئاً في سبيل وقفها. وهذا يعني أن ما يسمى بالغزو الثقافي للعولمة لا يتضمن أي نوع من الاقتحام القسري بواسطة قوة خارجية تقوم بانتهاك خصوصيتنا أو الاعتداء عليها. وليس بالضرورة أن كلَ ما يهجم على هويتنا العربية والإسلامية قادمٌ إلينا من الخارج، فإن الذين يتابعون منّا القنوات الفضائية الأجنبية، والشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، والمجلات والجرائد والكتب الأجنبية الخليعة، لا يزالون قلَّة. ولكن الوسائل التي اخترقت كياننا وثقافتنا ووصلت إلى أبنائنا وبناتنا، صغاراً وكباراً، في بيوتنا ومؤسساتنا، هي من صنع أنفسنا. وتتمثل هذه الوسائل في بعض الإذاعات والقنوات الأرضية والفضائية العربية وعدد غير قليل من الصحف والمجلات التي تفاجئنا وتفجعنا بتقديم أكثر البرامج والكتابات والصور تهتّكاً وبُعداً عن قِيَمنا الإسلامية وثقافتنا العربية (انظر: الأسد، 2002م، ص 119-120). </SPAN></SPAN> </SPAN>ومع ذلك فإنه يتعين علينا أن نوجِد لدى جماهيرنا الوعي بأن يختاروا من بين الصور والرسائل الإعلامية المختلفة ما يتفق مع قيمنا الدينية ومثلنا الأخلاقية ومعتقداتنا الاجتماعية وتوجهاتنا السياسية، وبمعنى أعم وأشمل، ما يتفق مع ثقافتنا القومية دون أن نغالي في الحديث عن مساوئ العولمة وآثارها الضارة المدمرة. وعلينا أن نوجِد آلية نتعامل من خلالها مع الجوانب السلبية للعولمة بالشكل الذي يحفظ للأمة العربية هويتها ويضمن لها مكانتها بين الأمم ويساعد على تحقيق آمالها، ويؤكد الحفاظ على حقوقها الكاملة في السيادة والتقدم والتعاون العادل المثمر بين الشعوب.</SPAN> إن الأمة العربية والإسلامية لديها مقومات النهوض الثقافي والفكري، لكنها تحتاج إلى إرادة قوية تكون قادرة على تفعيل هذه المقومات، ويمكنها وضع الآليات التي تستطيع من خلالها تنفيذ استراتيجيتها حتى نحتل موقعاً يرضينا على الساحة العالمية.وإذا سَلَّمْنا بأن العولمة هي واقع قائم لا مفرّ منه، بسبب </SPAN>ما يشهده العالم من تغيرات متلاحقة وسريعة في مجال الاتصال والتكنولوجيا، فإن الخيار الذي نأخذ به هو التعامل مع معطيات العولمة بصورة جدية وواقعية، وأن نحاول أن نأخذ موقعًا ملائماً في هذا العالم، دون أدنى تفريط في هويتنا وثوابتنا. ويجب أن نطرح جانباً- في هذه القضية - فكرة المؤامرة وأن الغرب يتآمر علينا، ويجب أن نعي أن لكل إنسان مصالحه الخاصة، فكما أن لدينا مصالحنا، فإن لدى الآخرين مصالحهم في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والإعلامية وغيرها، وهم يعملون جاهدين على تحقيقها. ولا نستطيع أن نوقف الآخرين عن تحقيق مصالحهم، ولكن ما نستطيع أن نفعله هو التصميم على مواكبة العصر، والأخذ بما تصل إليه أيدينا من تقدم علمي وتكنولوجي. </SPAN> ويرى </SPAN>الإسلاميون </SPAN>أن العولمة بمعنى التسليم للهيمنة الغربية، وفرض التبعية للغرب، والسير تحت لوائه، هو أمر مرفوض تماماً (المرسي، 1999م، ص 178-182). وهم يعتقدون أن العولمة بالمفاهيم الغربية، هي ضد الدين الإسلامي الذي يفضحها ولا يقبلها في أي أساس من أسسها، وهم يرون في هذه القضية نوعاً من التحدي: "فإما نكون أو لا نكون". ويرى أصحاب هذه النظرة أن الأمة إذا قبلت أسس العولمة الغربية تكون قد فرطت في دينها، وإذا تمسكت بدينها فلا يجب أن تقبل شيئاً من هذه العولمة (العزمي، 1999م، ص 174)، لما تجلبه من سلبيات وأخطار. </SPAN> وإذا كان الأمر كذلك، فما العمل إزاء سلبيات العولمة وأخطارها التي يرى فيها البعض تهديداً للهوية الثقافية العربية والإسلامية؟. </SPAN>يرى البعض أن التعامل مع الغرب لا يمكن أن يتم بالاختيار والانتقاء، فإما أن نأخذ عن الغرب كل شيء، فنصبح غربيين أو أشبه بالغربيين، أو أن ندير ظهرنا كلية للغرب حماية لأصالتنا ونقائنا (انظر: الببلاوي، 1999م، ص 45-46). </SPAN>ومن الطبيعي أن تتفاوت وجهات النظر تجاه المواقف التي ينبغي تبنيها فيما يتعلق بالتعامل مع الغرب أو بالانفتاح على الآخر، وما ينجم عن ذلك من تأثيرات أجنبية تهدد هويتنا الثقافية. وهناك موقفان سائدان، هما:</SPAN> 1. </SPAN></SPAN></SPAN>موقف الرفض المطلق وسلاحه الانغلاق الكلي الذي يُوَجَّه إلى الذات.</SPAN></SPAN> </SPAN> </SPAN>2. </SPAN></SPAN></SPAN></SPAN></SPAN> </SPAN>موقف القبول التام للعولمة وما تمارسه من اختراق ثقافي، أي الارتماء في أحضان العولمة والاندماج فيها (الجابري، 1998م، ص 305 – 306).</SPAN></SPAN> </SPAN> وتجدر الإشارة إلى أننا لا نقلل، ولا نهوِّن من الخطورة التي يمكن أن تلحقها العولمة الثقافية بهويتنا بوجه خاص، وبالتنوع الثقافي بوجه عام، ولكننا في نفس الوقت، لا نميل إلى المبالغة في ذلك. وحتى لا نُصاب بالجمود، فنتخلف عن مواكبة هذا التطور العلمي المتسارع من حولنا، يجب أن نتقبل الجديد، ونسعى إليه، مع المحافظة على هويتنا الثقافية بعيداً عن </SPAN>التعصب والانغلاق. وإذا كانت ثقافتنا العربية تعاني اليوم من الثنائية والانشطار، ومن الاختراق الثقافي بفعل العولمة، فإن ما يجب أن نفعله هو الانطلاق من الداخل، أي من داخل ثقافتنا العربية نفسها، ذلك لأنه من المؤكد أنه لولا الضعف الداخلي لما استطاع الفعل الخارجي أن يمارس تأثيره بالصورة التي تجعل منه خطراً على الكيان والهوية. </SPAN> ونود أن نشير إلى أن العولمة الثقافية ليست دائماً عدواناً مقصوداً مخططاً له، </SPAN>يُوَجَّه إلينا لاستلابنا حضارياً وثقافياً. ويجب ألا نتعامل مع العولمة الثقافية من موقف التوجس والرفض والعدوانية دائماً، لأننا بذلك نكون قد شجعنا التقوقع والتراجع إلى الذات دون أن نستفيد من التفاعل الحضاري الضروري لتطور الثقافات وتطور الحضارات. ولا بد أن نعي ونعترف أن في أوربا وأمريكا علماء ومفكرون اجتماعيون وسياسيون واقتصاديون، لهم مكانتهم وأثرهم في الفكر الإنساني وفي تطوير العلم والمعرفة، ولهم نتاج جدير بأن نطّلع عليه ونستفيد منه إذا أردنا لأنفسنا ولأمتنا أن نسير في ركب التقدم وأن نشارك في موكب الحضارة والعلم. وليست الحياة في الغرب على النحو الذي تنقله لنا القنوات الأرضية والفضائية من مظاهر العُرْي الفاضح، والتهتّك، وإنما فيها أيضاً من التستّر والاحتشام والتدين والعمل الجاد والسعي الدائب، بالقدر الذي أوصلهم إلى ما هم فيه الآن (الأسد، 2002م، ص 115-120). ولذلك، يجب علينا أن نوجِد الآلية التي نختار بها ما لا يتعارض مع عقيدتنا وهويتنا، وأن نُكَوِّن الفكر الذي نستطيع به التعامل مع الفكر الآخر، الفكر الناقد الذي يستطيع أن يختار ما يناسبه ويطرح بعيداً ما لا يناسبه.</SPAN> إن حاجتنا إلى تجديد ثقافتنا وإغناء هويتنا والدفاع عن خصوصيتنا ومقاومة الغزو الثقافي والإعلامي الكاسح، لا تقل عن حاجتنا إلى اكتساب الوسائل والأدوات التي لا بد منها لممارسة التحديث ودخول عصر العلم والتقانة كفاعلين مساهمين، ولكننا في حاجة كذلك إلى مقاومة الاختراق وحماية هويتنا القومية وخصوصيتنا الثقافية من الانحلال والتلاشي تحت تأثير موجات الغزو الذي يمارس علينا وعلى العالم أجمع. إن نجاح أي بلد من البلدان في الحفاظ على الهوية والدفاع عن الخصوصية، يتوقف إلى حد بعيد على عمق عملية التحديث الجارية في هذا البلد، وانخراطه الواعي، في عصر العلم والتقانة. وهذا لا </SPAN>يتحقق إلا بالاستغلال الأمثل </SPAN>للإمكانيات اللامحدودة التي توفرها العولمة نفسها، أعني الجوانب الإيجابية منها، وفي مقدمتها العلم والتقانة. وهذا ما نلمسه بوضوح في تخطيطات الدول الأوروبية التي تعتقد أن خطر "الغزو الثقافي الأمريكي" يهدد هويتها، ويؤثر في لغتها وسلوك أبنائها وتصوراتهم (الجابري، 1998م، ص 3).</SPAN> فإذا كان هذا هو شأن الدول الأوروبية واليابان وغيرها من الدول الأكثر منا تقدماً في أخذها بما تقدمه العولمة من إيجابيات، فإنه كان من الأولى على الدول التي توصف بأنها "نامية" أو "متنامية"، والتي ننتمي نحن إليها، أن تدرس وتخطط للاستفادة بما تقدمه العولمة من عِلْمٍ وتقانة، بسرعة ودون إبطاء. فهل من المعقول أن نرفض مكتسبات العلم الحديث في الغرب والشرق اكتفاء بنظريات علماء العرب والمسلمين القدامى؟ </SPAN>وهل من المعقول أن نتجاهل ما يحدث من تقدم في الطب والعلوم لأنه نتاج الجامعات الأمريكية والأوروبية؟ (الببلاوي، 1999م، ص 34، انظر: المحنه، 2002م، ص 170). </SPAN>إننا نعتقد أن التخوف من زوال الهوية نتيجة لالتقاء الحضارات، والأخذ من بعضها البعض، هو تخوف في غير موضعه، بل وكثيراً ما كان هذا التلاقي والأخذ والعطاء، مناسبة لتأكيد الهوية، وإبراز الأصالة، وليس تهديداً لها.</SPAN> مواجهة الغزو الثقافي ومجابهة العولمة</SPAN> :</SPAN> </SPAN>نود أن نفرق بين مواجهة الهيمنة والاختراق الثقافي وبين مجابهة العولمة كواقع عصري، فهذه المجابهة لم تعد أمراً ممكناً لا بالنسبة للدول الضعيفة ولا الدول القوية على حد سواء، في حين تحاول الثقافات المختلفة في شتى أنحاء العالم أن توجِد الآليات والوسائل التي </SPAN>تُمَكِّنها من مواجهة ما يهدد هويتها وخصوصيتها، وهذا حق مشروع لها. وتحفل دراسات العولمة بأمثلة عديدة ظهرت وما زالت تظهر دفاعاً عن الخصوصيات الثقافية للمجتمعات خلال عمليات التداخل والاحتكاك الثقافي، ونجد من بينها – إلى جانب دول العالم الثالث – دولاً كبرى كفرنسا واليونان واليابان والنرويج. </SPAN> وبالنسبة لعالمنا العربي والإسلامي، يذهب بعض الباحثين إلى القول بأن انشغاله بالدفاع عن هويته الثقافية في مواجهة العولمة هو رد فعل لأزماته وكبواته في العقود الأخيرة، ويبدو أن هذا رأي تعوزه الدقة، لأن هذا الانشغال ليس وقفاً على مجتمعاتنا. فالملاحظ أن الثقافات بطبيعتها مهما كانت مستوياتها هي في حالة استعداد دائم للدفاع عن هوياتها، ويرتفع هذا الاستعداد إلى درجة الاستنفار في فترات الأزمات بصفة خاصة (انظر: إبراهيم، 2003م، ص 127- 128). فالصراع دائم </SPAN>ومستمر بين العولمة والمحلية، وهناك مقاومة دائمة ومستمرة على النطاق القومي، تأخذ أشكالاً مختلفة ومتعددة. وقد رأينا في المجال الثقافي، أن العولمة تعني انتقال الأفكار والمبادئ والمعلومات وغيرها عبر الحدود، في حين </SPAN>تميل المحلية في بعض الأحيان إلى الانغلاق ومنع انتقال هذه الأفكار والمبادئ. ويشهد على ذلك موقف الدول العربية من السماح للأفراد باستخدام الشبكة العنكبوتية (الإنترنت). فهناك دول عربية تفرض حظراً تاماً على ذلك، ولا تسمح سوى لأجهزة الدولة باستخدام الشبكة، وهناك دول عربية أخرى لا تضع أية قيود على استخدامها. ومن هنا يمكن القول إن قبول مختلف جوانب العولمة قد يختلف من بلد إلى آخر. فقد يقبل قطر معين العولمة الاقتصادية، ولكنه يرفض العولمة السياسية المتعلقة بالديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، وقد يرفض قطر آخر العولمة المعلوماتية أو عولمة الاتصالات (يسين، 1998م، ص 27-28).</SPAN> ونود هنا أن نؤكد على ضرورة الأخذ بما هو إيجابي في العولمة، ولا خوف على هويتنا من ذلك، لأن ثقافتنا الإسلامية قادرة على المحافظة على ثوابتها و خصوصيتها. </SPAN>والمطلوب في عصر العولمة ألا نتطرف سواء نحو الانغلاق أو نحو التعلق بكل جديد، بل الواجب هو الانخراط في عصر العلم والتقنية كفاعلين مساهمين، مع حماية خصوصيتنا الثقافية من الاختراق. </SPAN></SPAN> ولابد من الوقوف على الأسباب التي تجعلنا عرضة للوقوع في فخ العولمة الثقافية حتى نعمل على معالجتها. </SPAN>من هذه الأسباب: فشل برامج التنمية بما فيها التنمية الثقافية والتربوية، وفشل الدور التربوي للمدرسة، وفقدان الوعي بالذات والوعي بالتراث، وحاجتنا إلى دراسة تاريخنا وأخذ العبر منه (شرف، 1998م، ص 357 – 358). </SPAN>إن التعليم هو المحور الأساسي للحفاظ على الثقافات الموروثة وتنميتها وفتح الآفاق للتقدم والرقي، ولذلك يجب علينا العمل على ربط منهجنا العلمي بالغايات التي نتطلع لتحقيقها (انظر: التوم، 1999م، ص 135-143)، وتقوية برامجنا التربوية والتعليمية حتى نتمكن من بناء الفكر الذي يستطيع التعامل مع الفكر الآخر، وحتى يستطيع أبناؤنا اختيار الجيد مما تعرضه عليهم وسائل الإعلام المختلفة، السمعية والبصرية.</SPAN> ومما لا شك فيه أن العولمة الثقافية بكافة أشكالها قد سببت ردة فعل متشددة عند الشعوب التي تشعر بضرورة الحفاظ على الذات والتراث والعودة إلى الأصول. ففي مقابل هجمة العولمة تقوم الحركات المدافعة عن الهوية والخصوصية بعملية تحصين ذاتية عن طريق تنمية قواها واختيار </SPAN>التقانة الملائمة لمواردها وحاجاتها. ويتخذ الصراع منحى قومياً حيناً، ودينياً أحياناً، واقتصادياً في كل حين. ويبدو أن العالم يتجه تحت ضغط العولمة الزاحفة إلى التمسك أكثر من أي وقت مضى بخصوصياته الثقافية وكياناته السياسية وتقاليده وأصوله، وإلى المحافظة على حدود الأوطان والسيادة الجغرافية. ونعتقد </SPAN>أن العولمة ستكون الدافع الأساسي لتحريك الخصوصيات الثقافية والسياسية مهما توسعت العولمة الاقتصادية. فقد فجرت العولمة الغازية العديد من الحركات الأصولية دفاعاً عن الذات والشخصية الوطنية، وسرعان ما بررت هذه الحركات استخدامها العنف بحجة أنه سلاح الضعفاء أمام المستبدين (بقرادوني، 1998م، ص 358 – 359).</SPAN> وعلى أية حال، فإن العالم العربي والإسلامي مطالب بالتصدي لأخطار العولمة بكافة أشكالها، وأن يكون حذراً تجاهها، ولن يستطيع تحقيق ذلك إلاَّ بالاتحاد والعمل على إقامة تجمع اقتصادي واحد، وسوق مشتركة واحدة، ومنطقة تجارة حرة واحدة. إن العالم العربي الإسلامي في حاجة ماسة إلى التكامل في جميع المجالات، خاصة التعليم والإعلام ومجالات الاقتصاد وتنمية المجتمع واكتساب وسائل العلم والتقانة
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدلالية (Tags) |
الثقافية, العربية, العولمة, الإسلامية, الهوية, على, وأثرها ![]() |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الديمغرافية الإسلامية الموجة العالمية للمدَ الإسلامي | عبد العالي الرامي | دفاتر المواضيع الإسلامية | 0 | 15-05-2009 13:42 |
| مؤسسات السيادة الثقافية و تحديات العولمة | handala15 | الأرشيف | 5 | 02-02-2009 08:37 |
| مادة الجغرافيا العولمة والهوية الثقافية | chohrore | التربية الاسلامية - الاجتماعيات - الفلسفة - التربية البدنية - التوثيق | 6 | 22-12-2008 08:52 |
| مادة الجغرافيا ملف مركز حول العولمة والهوية الثقافية. إعدادا الأستاذ شحرور | chohrore | التربية الاسلامية - الاجتماعيات - الفلسفة - التربية البدنية - التوثيق | 0 | 24-02-2008 20:42 |









