بسم الله الرحمـن الرحيــم و الصــلاة و السـلام على أشرفالأنبياء و المرسلين،
و بعد، يشرفنا أن نتقدم بهذا العرض حول ثقـــافتنــا الأمـازيـغية ، تلك الثقـافـة الغـنـية بالتقـاليـد العريقـة والفنـون الشـعبيـة المتـنوعـة ، و المتميزة بتـاريخهـا العريـق، وبشخصياتها البطولية الشهيرة، التي وقفت إلى جانب ثقافتها،و أرضهــا،و آزرتهــا
بكل ما في الكلمـة من معنـى ، فوقفت في وجه العدو حصنا منيعا ، لحمايـة هذه الثقافة الغنيـة، قصد تبليغهـا للأجيـال القادمـة ، أمانـة يتـوارثها الأجيال ، جيلا بعد جيل...بعد جيل...
و حتى يضمــنوا وصــول أمانتهــم و استمراريتهـا، نقشــواأحرفهـا في صخور في
الصحراء القاحلة ، وأبدعـوا بنقوشـهمورسوماتهم المعبرة،
و أودعـوا حلـيّهم في مغارات في الجبال العالية... و تركوا لنا بعضا من أقوالهم المحصونة بالحكمة... واليوم، جاء دورنا للتنقيب عن هذه الآثار ومحاولة تجميعها و استقرائها ، علنا نتمكن من فك رموز هذه الثقافـة العريقــــة و الوصول إلى سر انتقال أسلافنا من الطبيعة إلى الثقافة. بعض الدلائل العلمية و الأثرية على عراقة الثقافة الأمازيعية:
1- قصة "صدفيات الحمامة" (شمال المغرب)
"تعرف الإنسان الأمازيغي القديم على السلوك المتمدن قبل ما يزيد عن 80 ألف سنة"
هذا ما أكدته تلك الصـدفيـات التي تم العثـور عـليها بمغـارة"الحمامة" بتافوغالت،
الواقعة على بعد50 كلم جنوب الساحل المتوسطي، وعلى ارتفاع 720 مترا عن سطح البحر.
بدأت هذه القصـة عام 2003 ،عـندما اكتشـف فريق مغربي ابريطـاني مشـترك أول صـدفـية من حجم 3 سنتمترات أطلق عليهـا اسم "جيبوسوليس"، و قـادت الفريق إلى اكتشـاف 13 صدفية أخرى ، أخضـعت لمراحل التمحـيص الـكـيمـائـي في مختبرات بريطانية و أسترالية. و تبيّن أنها تعود إلى 82 ألفـا و500 سنة، وكـان قد عـثر قبل بـضـع سنـوات على صدفــيـة مماثلـة لكن التمحيص أثبت أنها تعود إلى 75 ألف سنة فقط.
ويوجـد على الجهـة المقابلـة للمغـارة سهـل مكسو بأحجــار الـسيلـيكـس ، الذي استعمـلـه الإنـسـان الأمـازيـغي القـــديــــم فـي صناعاته ، و يبلغ عمق هذه المغارة 30 مترا و ارتفاعهــا 10أمتالر ، و كان سكانهـا الـقدامى يشعـلـون النـار ويـضعـون عليها صدفيـات من مختلـف الأشكـال و الألوان للاستفـادة من النور المنبعث منها. مما يؤكد حسب الخبير المغربي "عـــبــدالجليل بوزكـان" الذي شـارك في هذا الاكتشـاف،
"أن الإنسان القديــم كـان يملك لغة للتـواصـل والعمـل بشـكل أكثر تطـورا، كمـا أن المجموعة البشرية التي استعملت هذه الصدفيات بهذه الألـوان و بهذه الأشكال ، لم تكن بلا هوية".
وهو الرأي نفسه الذي يقر به المركز الوطني للبحث العلميالفرنسي، الذي أشار
بدوره إلى أن هذه المجـموعـة الـبشريــة كانت تتمتع بهوية ثقافية متمـيزة، علما أن النتائج التي توصـل إليهـا البحث تقود إلى اعتبار هذه الثقافة ذات رمزيـة ودلالات
عميقة.
ومن جهـة أخرى ، يؤكـد "عبد الجلـيل بوزكـان" أن فريـق الـخـبـراء الـذي اشـتـغـل بـالمغــارة توصـل إلى أن إحدى هذه الصدفيات استعملت كعقد أو دملج،وتوجد عليها آثار الصناعـة التي تعرضـت لهـا ، ممـا يـؤكـد أن الأمـر يـتـعـلـق بمنظـومة اجتماعية معقدة جدا ، لأن تصنع معــدات للتزيين مسألة تثبت أن مرحلة ما قبل التاريخ في المـغرب
شـهـدت حقبــا زمـنـيـة سادتها مجموعات بشرية عرفت الحيـاة المـنظمـة و المدنـيـة،
"وهم ا الأمـازيغ بطبيعة الـحال ، فهو مـا تنطق بـه الصدفيات التي اكتشفت في مغارة الحمامة ، كما أن التزيـن بالصـدفـيات مازال حـاضرا إلى اليوم في الثقافـة الأمازيغـية"
و للإشار ، فإن نتائج هذا الاكتشــاف التي نُشرت في مجلـ الأكاديمية الوطنيـة ة
بواشنـطـون ، أثبتـت أن صدفيـات مغارة الحمـامـة أقدم من تلك التي اكتشفت في أوروبـا ، و التي يعود تاريخها إلى 40 ألف سنة فقط.
2- النقوش الصخرية والمقابر الجماعية(جنوب المغرب)
يبدو أن الرسالة التي أرسلـها أسـلافنـا مـن الماضي بـدأت تصلنا روّيدا روّيدا، و يبدو أننا بدأنا نستوعب قيمة هذا الكنـز
الحضاري الذي ورثناه عنهم.
فهاهو"إقليم طاطا"يكشف عن مخطوطات احتضنها لآلافالسنين، مخطوطات،
لم تكتب على الـورق فتـأكـلهـا الأرذات،ولا على الجلد فيتلاشى عبر الزمـن،
بـل نقـشت على صـخورأمينة بقيت محافظة عليها إلى الآن، صخور امتدت على طول
"جبـل بـاني" وجـوانـب "وادي درعـة"، حـاملة في أحضانها رموز حضارة عريقة، ونقوشا ضمّنها واضعوها مفهوم الحياة عندهـم في ذلك الحيـن، ضمّـنوهـا مفهـوم الـتعـايش الذي كـان حاصلا بين الإنسان والطبيعة...
و لـعـلّ بـعضَ الـدراسـات، التي يقـوم بهـا بعـض الباحثـيـن المتخصّصين في هذا المجـال، أثـبتـت أن بعـض هذه الـنقـوش تعود إلى أواخر العصر الحجري القديم والبعض الآخر يعـودإلى العصر الحجري الحديث، و ما أدهشهم هو أن بعـض هذه
الصخور تحمل نقوشا للحروف الأمازيغية "تيفـيناغ"، الـشءيالذي أكّد لديهم أن ذلك
الإنسان الأمـازيغي الـقديـم كـان يتمـتع بطريقة تواصلـية أكثر تطورا: "الكتابة". وما أدهشهم أكثر هو ذلك الـرسـم الـواضـح لـعـربة نقـل كـان يـسـتـعمـلهـا الإنسـان
الأمـازيغي القـديم والتي تبعد أكثر صفة البدائية عنه.
واكتشفت في الإقليم أيضا مقابر جماعية عائـلية قديمة،علىشكل أهرام صغيرة من
الأحجار، ذات بوابة حجرية صغيرة.
وكل هذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على عراقة و غنى هذا الموروث الحضاري.