على مشارف المدينة
مع الاصفرار انطلق صاحبنا من مأواه على غير هدى ، يتوكأ عصاه الخشبية الخشنة
أنهكه السير ، ونالت منه أنياب النوائب ومخلفات الكوارث والعاهات ، يئن أنين المثخن
بجراح أصابت جسده ومخيلته وذاكرته .
لولا استعانته بعصاه لعجز منذ سنوات خلت
خلفه ابنه الأكبر ، يحث الخطى ويسرع للحاق به
على مسافة بينهما ، سأله عن وجهته
-تردد في الجواب ، لانه لا يدري ، ثم استدرك الجواب
سأرحل إلى مدينة قريبة ، يقال إنها على مرمى البصر . وأشار بسبابة ناعمة حادة مرتعشة
نحو الافق في اتجاه حمرة الشفق ، قائلا : هناك وراء الأكمة الحاجبة للضياء
صمت الابن قليلا وسأل : ما اسم هذه المدينة ؟
المدينة اسمها المدينة .. هكذا سمعت كل من تحدث عنها ينعتها بالمدينة
ومن يقطنها ؟
يقيم بها مؤقتا قوم رحلوا قسرا إليها بعد أن لفظتهم مآويهم وتنكر لهم أهلهم. يعيشون على
ما يبدو في سكينة ووئام
وحدثني من قرأ عن المدينة ، ، أن شوارعها مقفرة وإقاماتها متراصة
متجاورة ، وفضاؤها شاسع وفسيح ، تستقبل يوميا زوارها بحفاوة ، تتكفل بهم ، ولا تفرط
في أي منهم
هل هم سواء في السعة والدعة والرفاه؟
قالوا منهم من يعيش في ضيق وضنك ،
وإن البيت هناك إما تنور موقد أو روضة مزهرة
يصنفون حسب رصيد عيشهم هنا ،
تجارتهم هي سوابقهم التي مهدت لحلولهم بالمدينة ،
وهي معيار التفاضل والتمايز بينهم
غريبة هذه المدينة ، كم أنا في شوق لزيارتها
أود معرفة المزيد عنها
ليتني أحظى بلقاء أحد المنعمين من سكانها ، لأعرف منه حقيقة أمرهم بها
لم يعد منهم أحد إلى الآن ، ولا أعتقد أنه يسمح لهم بمغادرتها .
يطلقون عليها - عتبة دار الخلد -
وعلى ما يبدو سنزورها تباعا
وأرى أني أوشكت على الرحيل إليها .
كتبها محمد الطيب الحواط