لا تتركونا نموت بالدخان الأبيض.. لم تتمكن الطائرات الإسرائيلية من قتلنا بالصواريخ؛ فلجأت لتلك السحب البيضاء (الفسفور الأبيض) لقتلنا خنقا".
هكذا يوجه الطفل الفلسطيني محمود إسماعيل أبو جرير (7 سنوات) استغاثة لزعماء العالم والمنظمات الحقوقية، عبر "إسلام أون لاين.نت"، في الوقت الذي توالت فيه مطالبات أطلقتها هيئات دولية بتشكيل لجنة تحقيق في "جرائم الحرب التي ترتكبها قوات الاحتلال في قطاع غزة والأسلحة المحرمة دوليا التي تستخدمها".
وبصوت متقطع يملؤه الرعب، يواصل محمود استغاثته: "تحركوا من أجل أطفال غزة.. ناشدوا منظمات حقوق الطفل.. وقولوا لهم نحن أطفال لا قيادات (حركة المقاومة الإسلامية) حماس".
وتقول إسرائيل: إن هدف العدوان، الذي بدأته يوم 27-12-2008، هو وقف إطلاق الصواريخ على البلدات والمدن الإسرائيلية المحاذية لغزة، وإسقاط حكم حماس في القطاع، الذي تسيطر عليه منذ يونيو الماضي. وحتى عصر اليوم قتلت إسرائيل 905 فلسطينيين وأصابت 4100 بجروح، بينهم عدد كبير جدا من الأطفال والنساء.
أشلاء مختلطة
محمود هو أكبر أربعة أشقاء سافر والدهم إلى القاهرة لإجراء عملية زراعة كلى قبل يومين من بدء العدوان، ويقيم الطفل حاليا مع جدته المسنة في شارع بورسعيد، والمعروف بالنفق، قرب حي التفاح بغزة.
ويروي محمود عبر الهاتف لـ"إسلام أون لاين.نت" مأساته قائلا: "ذهبت مع أشقائي إلى جدتي المسنة.. ومن أمام بوابة منزلها شاهدت اثنين من أعمامي تضربهم الصواريخ الإسرائيلية في اليوم الثاني من العدوان؛ لتتركهم أشلاء ضمن عشرة من أبناء الحي.. ولم نتمكن من التعرف على أشلائهم التي اختلطت بباقي الشهداء".
وبعد استشهاد أعمامه الاثنين، فتح بيت جدة محمود أبوابه مجددا أمام 12 من أحفادها بعدما صاروا أيتاما، وفي غضون أيام قلائل، كما يقول محمود، تزايد عدد ضحايا العدوان على غزة من عائلته (أبو جرير) إلى سبعة شهداء.
حتى منزل الجدة، الذي كان بمثابة الملاذ لمحمود وأبناء أعمامه، لم ينج من ال*** الإسرائيلي؛ إذ ***ته طائرات الاحتلال أول أمس السبت "لنخرج إلى الشارع تاركين ثلاثة من أبناء أعمامي تحت الأنقاض، ولم نتمكن من البحث عنهم ودفنهم؛ لأن الطائرات ظلت ت*** المكان طيلة اليوم".
الفسفور الأبيض
بنبرة يغلفها الخوف والهلع يقول الطفل الغزاوي: "خرجنا مع جدتنا إلى الشارع لنجد السحب البيضاء (الفسفور الأبيض) التي تصيبنا باختناق وتشنجات.. بينما أجساد بعضنا تظهر عليها حروق وإصابات لا نعرف سببها".
ويضيف: "أختي حنين تصرخ من الألم.. لا أعرف ماذا أفعل لها.. لا تتركوها تموت.. أرجوكم.. أوصلوا صرخاتنا إلى منظمات حقوق الإنسان والطفل.. أيقظوا ضمير العالم وأوصلوا صوتي وقولوا لهم هذا صوت طفل فلسطيني لا يحمل سلاحا، وليس من قيادات حماس.. أطفال غزة يريدون العيش فلا تقتلوهم".
وكشف أطباء فلسطينيون ونرويجيون الأسبوع الماضي عن أن إسرائيل تستخدم أسلحة محرمة دوليا في عدوانها على غزة، أبرزها "القنابل الحرارية الحارقة"، وقنابل "الفسفور الأبيض" الحارقة، التي سبق أن استخدمتها في حرب لبنان الأخيرة صيف 2006، واستخدمها أيضا الاحتلال الأمريكي على نطاق واسع في مدينة الفلوجة العراقية، بحسب صحف بريطانية.
والفسفور الأبيض White Phosphorus (WP) والمعروف بـ"ويلي بيت"، كما يقول خبراء في الأسلحة الكيماوية، عبارة عن مادة دخانية كيماوية تخترق الجلد والعظام وتحرقها، وهي تتحول إلى مادة مشتعلة بمجرد تعرضها للأكسجين، مخلفة سحابة بيضاء كثيفة هي التي تظهر على شاشات الفضائيات أثناء ال*** الإسرائيلي.
وتسبب القنابل الفسفورية حروقا قاتلة، ويغطي الجثث المصابة بها رماد أسود، ويميل الجلد للون الداكن.
وتحظر اتفاقية جنيف الدولية استخدام الفسفور الأبيض في الحروب، وخاصة ضد المدنيين، ولكن لم تتم معاقبة إسرائيل أو الولايات المتحدة على تلك الجرائم.
أما القنابل الحرارية الفراغية (Thermo baric) المحرمة دوليا، والتي تستخدمها إسرائيل أيضا في غزة، فتحتوي على ذخيرة من وقود صلب يحترق بسرعة فائقة متحولا إلى غاز أو رذاذ ملتهب وتولد حرارة عالية وضغطا عاليا يستهلك الأكسجين في المنطقة التي يستهدفها.
ولا تسفر تلك القنابل عن إصابات ظاهرة على الجسم، ولكنها تؤدي فعليا إلى انفجار طبلات الأذن، وسحق الأذن الداخلية، وتمزق في الرئتين والأعضاء الداخلية، وربما العمى، بحسب صحيفة "ذي إندبندنت" البريطانية.
مطالبات بتحقيق دولي
وشهدت الأيام الماضية مطالبات من منظمات عربية ودولية بتشكيل لجنة تحقيق دولية في جرائم الحرب التي ترتكبها قوات الاحتلال في غزة.
أحدث هذه المطالبات أطلقتها لجنة الإغاثة والطوارئ باتحاد الأطباء العرب أمس الأحد، وطالبت فيها جامعة الدول العربية بتشكيل لجنة تحقيق دولية في الانتهاكات الإسرائيلية بحق المدنيين في غزة؛ "بوصفها جرائم حرب، بعدما كشف أطباء الاتحاد الذين سافروا إلى غزة مؤخرا عن أدلة فعلية على استخدام الاحتلال أسلحة محرمة دوليا".
وقال الدكتور إبراهيم الزعفراني أمين عام لجنة الإغاثة باتحاد الأطباء في تصريح لـ"إسلام أون لاين.نت": إن اللجنة أكدت في خطاب موجه إلى الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، أن الوفد الطبي الذي أرسله الاتحاد لعلاج الأشقاء في غزة لاحظوا أن معظم الجرحى بهم حروق وإصابات نتيجة استخدام أسلحة محرمة دوليا".
وأردف موضحا: إن "هذه الإصابات تشمل تهتكا داخل الأعضاء دون إصابات بالجلد، كما يوجد كثير من الحروق الكيماوية".
جميع أركان الجريمة
من جهته، طالب الدكتور مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، في مؤتمر صحفي أول أمس، بفتح تحقيق دولي، مشددا على أن قوات الاحتلال تنفذ "جريمة حرب على مرأى ومسمع من العالم".
كما دعت رئيسة اللجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، نافي بيلاي، يوم الجمعة الماضي إلى إجراء تحقيق دولي مستقل في أي انتهاك للقانون الدولي يتم ارتكابه في قطاع غزة المحاصر إسرائيليا منذ يونيو 2007.
وقالت بيلاي لوكالة رويترز للأنباء: إن "حادثة حي الزيتون كما جاءت في تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر توجد بها جميع أركان جريمة الحرب".
وفي هذه الحادثة جمعت قوات الاحتلال الإسرائيلية نحو 110 أشخاص، نصفهم من الأطفال، في منزل بحي الزيتون، وحذرتهم من الخروج منه، وبعدها بأربع وعشرين ساعة *** جيش الاحتلال المنزل مرارا؛ مما أدى إلى استشهاد نحو 30 شخصا، بينهم ثلاثة أطفال أصيبوا بجراح خطرة قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة لاحقا متأثرين بجروحهم.
محمد جمال عرفة، إيمان عبد المنعم