*هذه القصة القصيرة إبداع شخصي أتمنى من رواد المنتدى أن يغنوه بآرائهم
الشياطين البريئة - إلى كل من عاث في الأرض فساداً-
تنطفئ شمعة السماء,ويتوهج قنديل المساء,ودرب"ضوية" على عاداته..لا تمل نساؤه ولا يكل مرتادوه من أشباح الليل .إنه ضوية ,الحومة التي كثيرا ما سمعت عنها من كل مراهقي الفـصل الذي أدرس فيه..كانت المرتع و المتنفس لتحقيق اللذات ولو خلسة بعيدا عن أعين الدار و المجتمع و الأمــن أو الدرك...كثيرا ما سمعت عن مغامرات رفاقي فيه وعن العاهرات و المومسات اللائي لا يتوانين في الخدمة قبل و بعد الدفع...يقول نور الدين وهو في كامل نشاطه:
-"والله ما زرت حومة ولا رأيت مومسات أخف ظلا , وأعذب صوتا, وأرشق قامة وأبهى حسنا و جمالا من درب ضوية".
ويكمل الجيلالي صاحب المغامرات والمحترف المنحرف في الميدان طبعا:
-"أجل, إن نسائه يختطفنك عند سماع وقع نعليك من رأس الدرب ولا يدعنك لحظة حتى تخرج وأنت نشيط خفيف, ضاحك ومبتسم, تقضى حاجتك بسرعة لم تعهدها حتى في دواليب المقاطعة".لكن يخرج عن الصوت المادح صوت يذم ويشتم درب "ضوية":-"تبا لهذا الدرب اللعين ,بسببه رأيت ويــلات السجن ومرارة الحبس".يقول العبودي,ثم يصمت برهة و كأنه فقد الوعي ,لكن يعود ليشتم وهذه المرة بكلمات غير مفهومة لا يســــــــــمع منها سوى همهمات و حـــــروف متقطعة...
و تتابع الكل في الحديث عن"ضوية",تيار يشتم و تيار يمدح ,تيار يجعل من الدرب جنة لقضاء اللذات وتيار ينهى عن ذلك,لكني ولكثرة فضولي قررت أن أزور ولو لهنيهة من الوقت حومة الشياطين البريئة...فرح التيار المادح الشاكر للحومة و أثنوا بتعجب على قراري!
إستقلينا حافلة أغلب ركابها من الريف وتوجهنا إلى المكان...وصلنا و لم أرى إلا القليل من النـاس , بدأت أبحث بعيناي, لكن أصدقاء السوء جروني معهم إلى طريق الدرب... وفي الطريق بدأت أتخيل درب "ضوية" لكني استفقت على ضــــحكات و قهقهات نساء لم أعرف متى خرجن وأين كن ؟
الجيلالي ينادي:
"سوميه رحبي بالضيوف الجدد..."
رأيت سوميةالمسكينة.جميلة,ذات وجه صبوح,سلمت علينا ثم اختفت و لا أعرف إلى أين..؟
ثم تحضر الباترونة ,إنها السيدة المنظمة للداخلة و الخارجة هنا,ســــمعت الجيلالي يناديها باسم الحاجة...حقا هذا هو الحج و إلا فلا...جاءت الحاجة لتسلم علينا,إنها امرأة في منتصف العقد السادس من عمرها , ذات مؤخرة سمينة جداُ ربما تذكرها بأيام التبوريدة و الشباب على شاكلة نساء و شابات حومة"ضوية".لها شارب طويل أظن أنها لم تحلقه,ويدان شممت فيهما رائحة "الخرشوف",ذات صوت رجولي,نادت على إحدى بناتها...نعم الحاجة تطلق على المشتغلات عندها لقب "ابنتي" لأنها كــما أخبرتني قد ربتهم وعلمتهم أصول أقدم حرفة في العالم.....
دخلت إحدى بناتها ثم سألتني الحاجة بصوت أظن أنه أقرب لصوت الرجال:"ويسكي أم روج...تكلم ماتحشمش".أشرت إليها بالرفض وتبعني الجيلالي بالقول:"الحاجة,هذا من النوع صاحب المبادئ و الأفكار,لقد جاء ليرى درب "ضوية" فقط لا أكثر".
ضحكت الحاجة بملء فاها, و ضربت كفا على كف وكادت أن تسقط لولا لطف الله ثم قالت و الدموع تنزل من عينيها:"والله إلا ضحكتيني,كاين اللي كيجي لدرب الشرفاء أو مكيديش مـــعاه لباروك,وهذا العجب؟.."
أي باروك تتحدث عنه الحاجة ؟؟؟ التفت إليها, ثم نظرت إلي قائلة بنبرة فيها أسى و نــصح:"سمع أوليدي,إن حرفتنا هاته هي مصدر قوتنا,ماشي لخاطرنا.وشوف راه ما كتمشي غير فين مشاك الله" .
أحسست بأن صوت الحاجة أصبح أعذب وأرق, وأنها نادمة على ما تقوم به...صـــفقت الحاجة تصفيقتين متتاليتين,حضرت سوميه من جديد, ونهض الجيلالي مبتسما و صعدا غرفة لم أعـرف لها باباُ,كانت كل غرفة بينها حاجز مكون من إزار أبيض,بحيث يمكن لك أن تسمع كل ما يدور في دار الحاجة الشريفة...,أشارت الحاجة إلى "الكتالوج" وقالت لي:"تعزل و تخير,أنت ضـيف عندنا و لازم نكرموك,شوف اليوم على حسابي".خفت أن أقابل كرم الحاجة بالرفض فتغضب علي و كل شيء على حسابها...بعد تردد طويل وافقت واخترت فتاة سمراء تدعى "حبيبة" دخلت المسكينة وجلست,همـست الحاجة في أذنها و أوصتها بالتهلية,ما إن خرجت الحاجة حتى بدأت تتلوى من حولي ثم اقتربت مني و أخرجت لسانها كأنها أفعى ثم ضغطت بيديها على صدري....أظنها مبتدئة,ولا تعــــي الحرفة كفاية...أجلستها في كرسي به عيدان من الند وقلت لها:
"لا تخافي ولا تحزني...أنا هنا في زيارة فقط.لذا لا تتعبي نفسك معي"
رأيت في وجه حبيبة علامات الانشراح...لكنها سألتني:
"كيف؟تدخل دار الحاجة للزيارة فقط؟"
"أجل أنا سمعت الكثير عن هذا الدرب و أردت معرفته و رؤيته عن قرب, أرجوك هل هناك كوب من الماء؟".
نهضت حبيبة وجلبت إناءا فيه رائحة القطران وسكبت لي القليل من الماء ثم استرسلت في الكلام:
"أرجوك أخويا... إن سألتك الحاجة فأخبرها بأنني قد أكرمتك ولم أقصر"-
"كوني هانية,ما تخافيش".هكذا أخبرتها لأطمئنها... تابعت حبيبة الكلام وعرفت منها كل صـــغيرة وكبيرة عن الدرب وكذا عن حياتها الشخصية... أشعلت سيجارة وروت لي تفاصيل تعاستها, لقد قدمت إلى هنا هربا من زوج أمها الملعون...كانت حياتها كلها مشاكل, فأمها لا تحبها و زوج أمــها كان دائم التحرش بها... وعلمت بأنها قد حملت من زوج أمها ثم أجهضت..آه..لم أكن أعرف بأن في هذه الدنيا أناسا بالشكل الذي وصفته حبيبة...
دخلت الحاجة,وتبعها الجيلالي...هذا الأخير لازال يربط حزام سرواله و يسد الأزرار. الحاجة تتقاطر عرقا و تلهث, إنها لا تقوى على المسير من كثرة السمنة...سألتني إن كنت قد انتهيت فأجبــــتها بالإيجاب, و بأن حبيبة كانت لطيفة معي...أدى الجيلالي الأجرة وسلمنا على الحاجة, التي أمـسكت النقود وهي تدعو للـــــــــــجيلالي بالتوفيق و بآيات غيــــــــــر مفهومة..
عدنا أدراجنا..عدت و أنا أحمل أفكارا و صورا عن"ضوية" .إنه حقا ضوية,نور في الظلام,ومازال هناك الكثير من الظلام...ظلام الشياطين البريئة
برشيد 26/02/2005