قصة قصيرة
قصة عشين
عاد زكرياء إلى مضجعه الجديد يحمل كل هموم العالم . فقد أصبح وحيدا بعد فراق قاس أبعده عن ابنه الوحيد عدنان . كان كل شيء في البداية يسير نحو بناء عش سعيد ...خطوبة، فزواج بهيج، ثم ابن اكتمل فيه كل البهاء ..توالت أيام العشق فبدا العالم أكثر طمأنينة مما كان عليه أيام العزوبة. هكذا وجدت المنفذ لاقتحام حياة أخرى غير الحياة التي أتخبط فيها كل يوم. لمن سأكتب ؟ أنا الراوي أسرد قصة صديقي.. حكاية سبع سنوات من الألفة ، تخرب العش وطار العندليب رفقة أمه . مرارا يتساءل زكرياء في قرارة نفسه :" لماذا كل الأعشاش دافئة"؟ لماذا عشه بالذات ؟" ما ذنب عصفوره حتى يلقى ذلك المصير"؟ بين البداية والنهاية ضياع وألم ، فالعش لم يكتمل بناؤه ،وكم من الأعشاش هدمت وتناثرت أشلاؤها واستمر العالم بدونها، لكن زكرياء ولسوء حظه متمسك بالقش.. يشم فيه رائحة ابنه الوحيد ..يبكي بدموع حارة ويتألم في صمت ، يضاجع أحلامه الضائعة، وينتظر ندما مستحيلا لتلك التي هجرته . ليس للبلدة التي يعيش بين أحضانها من شغل سوى التهام حكايته/ حكاية عدم قدرته على الانتصاب، وحكاية شحه، ثم حكاية ابنه وحكايتها وحكايات أخرى ضاعت بين أخبار غزة وشهدائها . بين من أعرف ومن أجهل موقف هش لا يعكس الحكاية، وبين ما أعرف ومن أعرف أوهام، لأن كلانا إنسان. وتبقى حكاية زكرياء في هذا الغمار مجرد وهم، ربما لا يعكس سوى قبحي، لذلك قررت التوقف " ندخل سوق راسي ونديها فمحايني " عاد صديقي يسأل عن بضاعته ، رن هاتفي المحمول ،" آلو من المتصل "؟ "- زكرياء صديقك، هل نسيت صوتي بهذه السرعة "؟ -" كيف أنسى من اقتحم حياتي وأرغمني على الخروج عن صمتي" .- "هل أنهيت ما اتفقنا عليه "؟ قاطعني بحدة .-" ربما أخفقت في سرد يومياتي مع الأسف ."- لكننا اتفقنا على قصتي وما جرى لي أنا ".-" كانت قصتك في الحقيقة هي قصتي، أو ربما أردتها أن تكون كذلك".انقطع الاتصال وكنت متأكدا أنه لم يفهم شيئا .عدت إلى المسودة من جديد وحاولت أن أبدأ الكتابة، كنت أنا من يكابد ضياع العصفورين ، أنا من مثل أمام قاضي التحقيق وأدلى بالحقائق دون أن أتبث شيئا في النهاية ، أنا من ترهقه نظرات أهل البلدة الصغيرة وتجبره على الانهيار، أنا من اتهموه بالعجز الجنسي وأنكروا رجولته .. يغمغم النادل وهو يداري مكره": كلهن خبيثات." ثم يردف متسائلا وكأنه يبوح بسر عظيم ":ألسن من صلب حواء". أكتفي عادة بهمهمة ثم ابتسامة لا أعرف كيف أرسمها . التقيت صديقي زكرياء في فاس ، تحدثنا كثيرا وفي أمور عدة ، سألني عن قصته..نظر إلي بوجه بشوش ثم قال :" الغ ما اتفقنا عليه، فقد مر كل شيء بسلام "، اعتدل في جلسته ثم رنا إلي بعينين مبتهجتين وصاح ":لقد عادت مريم يا محمد ، عادت مريم" . لم أصدق ما سمعته، كنت كالمعتوه، وبصوت خافت وكئيب قاطعته قائلا :" والقصة ماذا أفعل بها ؟ التفت إلي في حيرة وصاح :" مزقها ". انحنيت قليلا وأنا أشيح عنه بوجهي وقلت متحسرا : هذا جزاء من يقتحم حياة الناس وينغمس في تفاصيلها .صاح زكرياء : ماذا جرى يا محمد ؟ -" لقد أصبحت قصتي الآن ، قصة عشي المنهار.. يكفي فقط تغيير الأسماء.
....