القدس: صراع الرمز والأسطورة د. رفيق حبيب / 09-05-2009
كل صراع يكون له أسسه الخاصة، التي تحدد طبيعته، كما تحدد مصيره النهائي، وتعرف متى يمكن أن ينتهي، وتختلف صورة الصراع ودلالته بين طرفيه ، فكل منهما يراه من وجهة نظره، وتتعارض وجهات النظر، بل تتصادم، لذلك يكون صراعا.
والصراع العربي الصهيوني نموذج للتصادم الكامل بين وجهات نظر طرفيه؛ فهو ليس استعمارا لدولة من قبل أخرى، يمكن أن ينتهي بالجلاء، وعندما تستعمر دولة، دولة أخرى، كما حدث في الاستعمار الغربي للدول العربية والإسلامية، وغيرها من دول العالم، برر المستعمر احتلاله، بأنه يحمل رسالة حضارية لشعوب متخلفة، وفي الحروب الصليبية كان المبرر تحرير القدس من يد العرب، وغالبا ما يجد المستعمر مبررات لعمله العسكري العدواني، لأنه لا يستطيع أن يسمي عدوانه احتلالا أو غزوا، فهي مصطلحات سلبية في كل اللغات. وعندما يواجه المستعمر بالمقاومة، التي تجعل بقاءه مستحيلا، يجد لنفسه مبررات عملية لإنهاء الغزو والاحتلال، متذرعا بالتكلفة الباهظة أو المصالح القومية، وفي هذا النوع من الاحتلال، القائم على استعمار دولة لأخرى، يبرر المعتدي موقفه بأنه يحمي مصالحه، أما الطرف المعتدى عليه فيقاوم المحتل بدافع استرداد الحق المسلوب.
ويصبح التعارض هنا بين الحق والمصلحة، والحق أساسي ومطلق، والمصلحة نسبية، وهذا النوع من الاستعمار، ينتهي بالجلاء، ليبقى الحق، أما المصالح فيعاد صياغتها بصورة تبرر للمعتدي انسحابه.
صراع وجود
لكن الصراع العربي الصهيوني، يمثل نوعا آخر من الصراع، يسمونه صراع وجود، وهو بكل معنى الكلمة صراع وجود، فطرفا الصراع يتعلق وجودهما بنتائج الصراع، ولن تكون هناك نهاية لمثل هذا النوع من الصراع إلا بالقضاء على طرف، لينتصر الآخر.
وفي حالة الاستعمار، فإن الدولة المعتدية ترحل، ولكنها تبقى، فهي دولة وشعب لها وجودها المستقل عن الأعمال العدوانية التي ترتكبها، وبها أو بدونها، توجد الدولة في أرضها وداخل حدودها.
أما في الصراع العربي الصهيوني، فالطرف المعتدي ليس دولة، بل دولة مزعومة، ليس لها أرض أو حدود، ولا لها وجود، بل هي تحاول أن يكون لها وجود بالعدوان والاستعمار والاستيطان، فالدولة العبرية الصهيونية لا توجد بعيدا عن العدوان المرتكب في حق فلسطين، بل هي دولة عدوان، وليست دولة ترتكب العدوان.
وهي تقوم على ادعاء بحق مزعوم في أرض فلسطين، فتدعي أنها أرضها، وتتجاهل من يعيش على هذه الأرض، بل تفترض عدم وجوده، فالطرف المعتدي هنا لا يبرر اعتداءه بالمصالح، بل بحق مزعوم، والطرف المعتدى عليه، يدافع عن أرضه وتاريخه، أي يدافع عن حقه، وبهذا يتحول الصراع إلى صراع بين حق وحق، واحد منهما أصيل والثاني مزعوم.
وصاحب الحق لا يتنازل عنه، فهو يقاوم مهما طال الزمن، ومهما تأجل النصر؛ لأنه لا يستطيع أن يتنازل عن وجوده، ولا عن بعض وجوده، فالإنسان يوجد أو لا يوجد، وليس هناك إنسان يوجد بعضه دون البعض، وهكذا الأمم لا يتجزأ وجودها، وفي أمة مثل الأمة العربية الإسلامية ذات التاريخ الممتد والوجود التاريخي والحضاري الواضح وذات الإيمان القوي بالأرض والكرامة، فإن الوجود بالنسبة لها يعني الأرض بكل حبة منها، والناس بكل فرد فيهم والعزة والكرامة بكل ما تعنيه الكلمة.
والطرف الباغي المتمثل في الصهيونية بكل أشكالها قام على زعم بحق لا يوجد بدونه، بل هو مبررات وجوده نفسه، فأصبح مثل من يربط وجوده كله بزعم كاذب يتجاوز حقوق الآخرين ويدعيها لنفسه، وهو لم يبن زعمه مثلا على القول بأن اليهودي له الحق في العيش على أرض فلسطين مثله مثل العربي، ولم يترك مساحة يتراجع فيها عن عدوانه، ويجعل لنفسه وجودا آخر لا يقوم على العدوان على حقوق الآخرين؛ فأصبح وجوده بحجم التعدي على الآخرين، ولا يستقر هذا الوجود إلا بالقضاء على الآخر.
بين الحق والأسطورة
إننا بصدد أمة تدافع عن حقها التاريخي، وحركة صهيونية وعنصرية تعتدي عليها متذرعة بحق أسطوري، فهو صراع وجود بين الحق والأسطورة، والقدس هي رمز الحق العربي الإسلامي، ولكنها أيضا موطن الأسطورة والخرافة الصهيونية.
والأمة التي تدافع عن حقها لا يغيب عنها ولا يتشوه إدراكها للحق، وتصمد عبر الزمان مهما طال بها، فالحق يعود في النهاية، فهي سنة الله على الأرض، أما الكيان الصهيوني المعتدي، فإن أسطورته وهم وخرافة، وليس لها أن تبقى ولا تعيش، والزمن عدوها الأول، والانتظار يقتل الحلم، بقدر ما هو حلما عدوانيا، وبقدر ما هو أسطورة وخرافة، وحتى يبقى الحلم الخرافي والأسطورة، يحتاج المعتدي أن يكرس اعتداءه ويفرض قوته الغاشمة، فالأسطورة تحتاج لتأكيد من واقع لا يدعيها فقط بل يفرضها، وبقدر تهافت الأسطورة، بقدر ما تحتاج إلى قوة غاشمة، تعوض ضعف الأسطورة، بقوة البغي والعدوان.
والذي يهزم العدوان الصهيوني، ليس فقط تراجعه عن الأرض أو بعضها، وليس فقط تدمير كيان دولة العدوان، بل هزيمة الأسطورة نفسها، مما يمكن أن يقوض دعائم دولة البغي والعدوان.
ولهذا فالصهيونية تحمي أسطورتها بالعدوان الغاشم والمستمر على الشعب الفلسطيني، كما تحميها بالادعاءات المستمرة، والتي تحاول التأكيد على الحق المزعوم، تلك الوضعية الخاصة، تجعل الكيان الصهيوني يعيش بالدماء التي يسفكها، والحقوق التي يغتصبها.
والصراع حول القدس يجسد المأساة، فضياع القدس أو بعضها يمثل ضياعا للحق العربي الإسلامي، واسترداد القدس هزيمة للأسطورة الصهيونية اليهودية؛ لهذا تلخص القدس حقيقة الصراع لتصبح مساحة لصراع رمزي، يلقي بأثره على مجمل الصراع، وعلى وجود أطراف الصراع أنفسهم، وكأننا نقول إن عودة القدس لأمة العرب والمسلمين، هي رمز لبداية عودة الحق المسلوب، وضياع القدس من الكيان العبري الصهيوني، هو بداية النهاية للأسطورة.
تلك هي الرمزية الهامة للقدس، فلا حل للصراع، ولا مساحة للتفاوض، ولا مكان للتسوية السلمية، فكل حل للصراع سوف يكون نهاية لوجود طرف لحساب الآخر، وأي خطوة في اتجاه الحل النهائي المزعوم، سوف تعني تحديد حقائق على أرض الواقع، تمس مسا مباشرا الرمز أو الأسطورة.
تغول الأسطورة
ولا يوجد حل ينتقص من الرمز والأسطورة معا، فالأسطورة -ولأنها ليست واقعا- ليس لها حدود حقيقية، بل هي حدود مزعومة، والكيان الصهيوني اليهودي بتياراته المختلفة يتلاعب بحدود الأسطورة، دون أن يمس جوهرها أو يغير من عدوانيتها، أو يقلل من توحشها، ومحاولات التسوية تراهن على اللحظة التي تقربنا من المساس بالرمز دون الأسطورة، فالتسويات حل صهيوني في كل صورها، مدعوما من الغرب المؤيد للأسطورة الصهيونية اليهودية والتي تحقق له مصالح في السيطرة على الأمة العربية الإسلامية.
والقدس ليست رمزا لنفسها (مدينة لها حدود ومقدسات لها مكانتها) ولكن القدس رمز الحق، وأي تصور يحاول خداع المفاوض الفلسطيني، ليركز على الحرم القدسي، والمسجد الأقصى، لتكون عودة المقدسات ثمنا لضياع الحق في الأرض والحدود وعودة اللاجئين، لن يكون تصورا واقعيا، بل تصور يبنى على فهم خاطئ للأمة العربية الإسلامية.
فهي أمة لا تساوم في الحق، ولا تعرف البيع والشراء في الحقوق والمقدسات، ولا تبادل حقا بآخر، أو بعض بالحق بعض آخر، والكيان الصهيوني يتحرك بعقلية المرابي الذي يشتري ما ليس له، ويبيع ما لا يملك، ويتصور أن رهن الحق العربي الإسلامي تحت احتلاله الغاشم، يمكن أن يعطيه فرصة في الفوز بجزء من الحق وإعادة الباقي، وكأنه يفوز بالربا.
وهم التسوية
الرمز للحق إذن، والأسطورة للبيع والشراء، والتسوية بين شعب من المرابين وأمة الشهادة، ولنا أن نتصور فداحة عملية التسوية، التي تفرض على الطرف العربي، من خلال السلطة التي قبلت الدخول في المفاوضات، أن يفاوض على أجزاء الحق، ويضع لكل منها سعرا، ويقايض على جزء بجزء، وكأنه سوق النخاسة، ومهما كانت نتائج التسويات، فالمستقبل تصنعه الأمة، والحق يحدد مصير الصراع، والقدس هي المعركة الأولى حتى تستعيدها الأمة فتحيي روح المقاومة والشهادة، فالأمة تحتاج لبيت المقدس حتى تخوض حربها الأخيرة وتستعيد كل الحق السليب.
مفكر مصري.