مؤسسات رحلت قسريا وأخرى تراوح مكانها
الفنون في القدس المحتلة.. بين نارين!
عبد الحكيم محمد *
اسلام اون لاين 10-5-2009
تجارب عايشها الملحن في مدينة القدس
بات الفعل الثقافي والفني في مدينة القدس المحتلة مطاردا هو الآخر، كما العمل السياسي تماما؛ بفعل الحصار المشدد المفروض على المدينة المقدسة، التي خنقها جدار الفصل العنصري، والقيود الصارمة المفروضة على كل شيء فيها، سواء المواطنين أو المباني أو الفعاليات، هذا الطوق الصهيوني ازداد شراسةً مؤخرا، منذ أن أُعلنت المدينة عاصمة للثقافة العربية، رغم أنه كان موجودا منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000، حيث فرضت سلطات الاحتلال الصهيوني قيودا مشددة على المؤسسات المقدسية، بما فيها الثقافية والفنية، فعملت على إغلاقها بقوة السلاح، ومنع نشاطاتها، وعدم السماح بوصول أموال الدعم إليها، في سياق مخطط حاقد، يستهدف تفريغ المدينة من أي شيء، من شأنه أن يدعم صمود مواطنيها، فصمد من صمد، ورحل جزء كبير من هذه المؤسسات والمراكز إلى خارج القدس. تحريك المياه الراكدة
كانت بلدة الرام المتاخمة للقدس من الجهة الشمالية، مستقرا للمراكز والمؤسسات التي اضطرت للرحيل، إلى أن ضاقت هي الأخرى، فأصبحت مدينة رام الله مقاما لها، فرحل مسرح القصبة فعليا، وإن أبقى على مقر له، وبقي مسرحا الحكواتي وسنابل يصارعان أمواج العنصرية، فيما اضطُر مسرح عشتار في المدينة إلى تسريح بعض الفنانين لعدم قدرته على الإيفاء بالتزاماتهم، كما رحل اتحاد الكتاب والأدباء ونقابة الصحفيين، واتخذا من مدينة رام الله مقرا مؤقتا، وأنشئ لاحقا مركز حوش الفن، وبقيت مؤسسة صابرين للإنتاج الفني، وإن وسعت نشاطاتها خارج المدينة، وبقيت بعض الفرق الفنية والموسيقية، متناثرةً هنا وهناك، تتألق تارةً وتخبو تارات.
هذا جزء من الصورة القاتمة التي أصبحت عليها القدس بفعل الاحتلال، إلا أن إطلاقها كعاصمة للثقافة العربية، حرك المياه الراكدة، فعادت القدس ثقافيا وفنيا إلى الصدارة، وظلت حاضرة في القلوب والعقول، وبات كل شيء يُنفذ باسمها ورسمها، أو ضمن رعايتها، أو تحت لوائها، حتى وإن لم يُنفذ على أرضها، أو بالقرب من قبابها ومآذنها، وأسوارها وحاراتها وأبوابها.
الحركة المسرحية.. بيات شتوي
وباتت الحركة المسرحية الفلسطينية في القدس، في بيات شتوي، تعاني من أزمة خانقة غير مسبوقة، تهدد بوقف عروضها، وذلك نتيجة انقطاع مصادر التمويل، والحصار المفروض، وحواجز الاحتلال العنصرية، الأمر الذي حدا بالفنان أحمد أبو سلعوم مدير مسرح سنابل بالقدس إلى القول إن المسرح والعاملين به والمؤمنين بالعمل المسرحي يبذلون جهدا مضاعفا للإبقاء على المسرح كمؤسسة مقدسية مفتوحة ومتواجدة بالقدس، رغم قلة الموارد والدعم.
جمال غوشة مدير المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي) الذي تأسس عام 1987 في القدس المحتلة، طالما اشتكى هو الآخر من انقطاع الدعم الأوروبي، ما جعل إنتاج المسرح في تناقص، وعرضة لخطر الإغلاق، ولم يخفِ غوشة أن الثقافة عموما لم تحظ بالدعم الكافي من السلطة الوطنية الفلسطينية، ونوه لعدم وجود سياسة ثقافية لديها، ما أثر على الناتج الإجمالي للحركة الثقافية الفلسطينية.
وبالمختصر، فقد أصبح حلما أن تعود مسارح القدس إلى ما كانت عليه قبل عقدين، حين كانت شعلة نشاط، تنقل عروضها إلى خشبات المسارح في مختلف بلدان العالم، ويُسجل لها ولفنانيها أنهم صمدوا وحافظوا على فنهم وإبداعهم، وعملوا في ظل ظروف طوارئ بالغة القسوة والصعوبة، لتبقى القدس عصيةً على الموت والاندثار.
"باب الواد"
ويبدو أن صيف فلسطين المرتقب، سيسفر عن عمل مسرحي غنائي راقص، تعد له فرقة سراب للرقص، يحمل اسم "باب الواد"، يتحدث عن القدس في الفترة بين 1880، أي منذ العهد العثماني، وحتى العام 1948، عام النكبة، مرورا بحقبة الانتداب البريطاني، من خلال حكاية حب بين شاب وفتاة مقدسيين، في 14 لوحة مسرحية غنائية راقصة تمتد لخمسين دقيقة، يشارك فيها 32 راقصا وراقصة.
وحسب فؤاد فينو مخرج العمل، والمدير الفني لفرقة سراب، فإن العمل يأتي في إطار التعبير عن قضايا الشعب الفلسطيني وتاريخه عبر الرقص، كما أنه يهدف إلى تعريف الجيل الجديد في القدس وسائر فلسطين، وفي الوطن العربي أيضا، بحقبة يجهلها الكثير منهم، وربما ممن هم أكبر منهم سنا، كما أنه يتزامن مع احتفالية القدس عاصمة للثقافة العربية 2009، ويصور فترة لم يسبق الحديث عنها في أي عمل حول القدس.
وكانت منطقة "باب الواد"، شهدت معارك طاحنة في العام 1948، استبسل خلالها الفلسطينيون والأبطال العرب في الدفاع عن بوابة القدس الغربية، وتكبدت فيها القوات الصهيونية خسائر كبيرة، وهو عبارة عن ممر يربط السهل الساحلي بجبال القدس، وتتشعب منه طرق كثيرة، وتطل عليه قرى مثل عمواس واللطرون وأبو شوشة وبيت نوبا ويالو.
بعد منتصف الليل
الفنان والملحن سهيل خوري مدير "معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى"، أتحف جمهوره ومحبيه مؤخرا بعمل موسيقي بديع أطلق عليه اسم "القدس بعد منتصف الليل"، ليكون بمثابة تعبير موسيقي عن مجموع تجارب مختلفة ومواقف وأفكار عايشها الملحن المقيم في القدس، وترجمها لمقطوعات متنوعة.
العمل جاء في أسطوانة تضم ثماني مقطوعات موسيقية ارتبطت بشخص الفنان وظروف حياته، وعبرت عن الواقع الفلسطيني، بحلوه ومره، فنجد هناك أعمالاً تعبر عن مشاعر الألم والقهر التي يعيشها الأسرى الفلسطينيون، وما يتعرضون له من شبح وتعذيب وجوع وحرمان، وأخرى تعبر عن الحصار وعذابات المواطنين على الحواجز الصهيونية ومحاولة إذلالهم، ونجد مقطوعات تعبر عن التراث الشعبي الفلسطيني، وتصور بالكلمة واللحن حب الفلسطيني لأرضه ومقدساته.
اختيار خوري لمقطوعة القدس عنوانا للأسطوانة ليس من قبيل الصدفة حتما، في ظل ظروف قاهرة تعيشها المدينة التي يتهددها خطر التهويد، وتتعرض بيوتها للهدم وأراضيها للنهب والسلب.
ومن وسط الألم، بدت مقطوعة "محاولة حب"، رسالة موسيقية حملت أحاسيس حب متزايدة لشريكة الحياة والرفيقة الدائمة، فجاءت إهداء من الملحن إلى زوجته رانية إلياس، بما يشير إلى أنه ثمة متسع للحب والعيش والحياة لشعب طالما ذاق الويلات، وعاش محروما وفاقدا لكل شيء، سوى الكرامة والبحث الدائم عن الحرية.
صابرين
مؤسسة صابرين للتطوير الفني برزت من المؤسسات الرائدة، التي تنوعت نشاطاتها ما بين مؤتمرات فنية تربوية، وتجمعات موسيقية، وعروض مختلفة في الداخل والخارج، والاستعداد للمشاركات الثقافية الفلسطينية التي ترعاها بالمشاركة مع مؤسسات دولية عاملة في مجال عملها.
فمخيماتها الصيفية أسست لإقامة عروض فنية موسيقية في الشوارع، كما أسست لإعادة اتصال الأجيال الجديدة بالشكل التراثي الجماعي بواسطة الحملات الشعبية، حيث تم تدريب عشرات الأطفال على تصنيع آلات موسيقية من مواد بيئية قريبة الشبه من الآلات الوترية والإيقاعية والنافخة.
الفنان سعيد مراد مدير عام صابرين، قال لـ"إسلام أون لاين.نت": إن مؤسسته قامت بتطبيق توجهاتها في عدة مدارس، كي يتعرف الطلبة على الموسيقى عن قرب، مؤكدا أن هدف العروض هو إبراز الفارق بين الآلات الموسيقية المتخصصة، والأدوات والأصوات من البيئة المحيطة، لفهم الموسيقى وتطوير قدرة الأفراد على الإبداع والاكتشاف، وأوضح أن صابرين استمرت في عروضها للكبار أيضا، ولم تقتصر على الأطفال، حيث شاركت في العديد من المناسبات الدينية والوطنية الفلسطينية، بهدف الإبقاء على علاقة تواصل وطيدة مع الجمهور.
وأشار مراد إلى إنشاء نوادي صابرين الفنية في 14 مدرسة فلسطينية حكومية وخاصة وأهلية وتابعة لوكالة غوث وإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وتقوم مؤسسة صابرين بتوفير المدربين والأدوات الموسيقية والتصور الفني، لدعم هذه النوادي، وتهيئة الفرص للمواهب للظهور والانتشار.
حوش الفن
مركز حوش الفن الفلسطيني بمدينة القدس، ظل مواظبا على نشر الإبداعات، مركزا على الفن التشكيلي، وأبدع مؤخرا بمعرضه الذي افتتح في العاشر من شهر آذار مارس المنصرم، في إطار فعاليات القدس عاصمة الثقافة العربية، واستمر حتى الخامس والعشرين من أبريل (نيسان)، وحمل اسم "القدس أبجدية الألوان"، حيث عرض أعمالا لتسعة فنانين تشكيليين، تروي حكاية المدينة المقدسة، قبل أن يحاصرها الجدار العازل الإسرائيلي، وتظهر مكانتها عندهم، وكيف جذبتهم بسحرها وجمالها، واشتمل المعرض على لوحات تعبر عن أصالة وتراث مدينة القدس، وأخرى تمزج بين جمالية الألوان ومعالم المدينة المقدسة، وتضمن رسومات متعددة على واجهات للمنازل القديمة، وتبدو باعثة على الأمل من خلال ألوانها وتجسيدها لمنازل القدس، التي تظهر فيها القباب.
وبفضل أصالة محتوياته، شكل المعرض قيمة تاريخية، وقدم صورة للمدينة المقدسة على أصالتها، قبل أن تشوهها الجدران والحواجز، وتمنع وصول الناس إليها، كما شكل المعرض رسالة للفلسطينيين، كي يستمروا في توثيق التراث والمحافظة عليه أمام محاولات طمسه من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وجاء في بيان أصدرته إدارة الحوش ووصلت "إسلام أون لاين.نت" نسخة منه: على مر العصور، كانت القدس مصدر إلهام للمثقفين والشعراء والكتاب والموسيقيين وطبعا للفنانين التشكيليين.. إن تاريخ المدينة الذي يعود إلى قرون، وعلاقتها المميزة مع مختلف أصحاب العقائد والمؤمنين من كل أنحاء العالم، والحروب المتزامنة، والأزمات والصراعات حول المدينة من قبل مختلف الغزاة والمحتلين زادت من مجدها وسحرها، وفي وقتنا الحاضر ما زالت المدينة تشكل مصدر خلاف وجدل واسع، ليس فقط من الجانب السياسي، بل أيضا من الجانب الاجتماعي المليء بالتناقضات وعدم المنطق، حيث يحرم سكان المدينة الأصليون من أبسط حقوقهم الإنسانية ويُسلبون حريتهم وكرامتهم في كل لحظة، هذه العوامل كانت وما زالت مصدر تحفيز للإبداع على جميع الأصعدة.
والفنانون المشاركون في هذا المعرض هم: كمال بلاطة، وسامية حلبي، وصوفي حلبي، وجمانة الحسيني، وسليمان منصور، وتيسير شرف، وفيرا تماري، وفلاديمير تماري، وداود زلاطيمو، وقد أقيم بدعم من الصندوق العربي للثقافة والفنون، وبالتعاون مع متحف المقتنيات التراثية والفنية في جامعة بير زيت، والأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين.
*صحفي مهتم بالشأن الثقافي