الأقصى والمقدسات والأوقاف في منظور الحركة الإسلامية إبراهيم أبو جابر* / 12-05-2009
اسلام اون لاين

رائد صلاح من أشد المدافعين عن الأقصى
ورد في الورقة التعريفية بالحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر الصادرة عام 2003 في بند يتعلق بالحركة الإسلامية والمسجد الأقصى المبارك النص التالي: "تعتقد الحركة الإسلامية أن المسجد الأقصى المبارك جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلمين، فهو آية في كتاب الله؛ لقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، "ونحن نعتقد أن المسجد الأقصى هو تلك المساحة الواقعة بين الأسوار".
ولذلك شهدت المعسكرات التربوية في الحركة الإسلامية منذ فترة مبكرة من تاريخ عملها الطلابي والعام ارتباطا بالمسجد الأقصى المبارك؛ حيث تقاطر الطلاب على المسجد الأقصى مصلين ومرابطين، وارتفعت أهمية المسجد الأقصى المبارك في وجدان الحركة الإسلامية مع ارتفاع منسوب العمل السياسي لديها، إذ إن الحركة الإسلامية شرعت تهتم بالمسجد الأقصى المبارك مع اهتمامها بالأوقاف والمقدسات، وفور تشكيل الهيئة العليا للسلطات المحلية الإسلامية، والتي ضمت رؤساء السلطات المحلية العربية من أبناء الحركة الإسلامية في البلاد، وشملت أم الفحم، وكفر قاسم، وجلجولية، وكفر برا، ورهط، وبدأ الاهتمام بموضوع الأوقاف والمقدسات يأخذ حيزا واضحا من جلسات هذه اللجنة.
وبعد عامين فقط من تأسيس الهيئة شُرِع العمل على تأسيس جمعية تهتم بشئون الأوقاف والمقدسات، وأسست بناء على ذلك جمعية الأقصى لرعاية الأوقاف والمقدسات الإسلامية، وهدفت إلى الاهتمام بالأوقاف والمقدسات والمسجد الأقصى المبارك، ومنذ تلك اللحظة كانت الحركة قبل ذلك وعبر هيئتها تتواصل مع قطاعات المجتمع في الداخل الفلسطيني والضفة والقطاع، وتواصلت مع هيئة الأوقاف والإعمار ومع المجلس الإسلامي الأعلى في القدس.
وتنطلق الحركة الإسلامية في تعاطيها مع الأوقاف والمقدسات والأقصى المبارك على أن فلسطين أرض مقدسة بالكامل، وبموجب مقدساتها تصبح هذه الأرض وقفية بالكامل، ولذلك فإن هذه الوقفية تنعكس من حيث القداسة على كامل التراب ليس لكونه ترابا، بل لقدسية هذه الأرض، قال تعالى: {يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة} من عند الله تعالى إلى جانب المباركة التي حظيت بها هذه الأرض {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
ولقد شكلت مجزرة عام 1990 في المسجد الأقصى المبارك نقطة فاصلة في تاريخ العلاقة بين الحركة والمسجد، فقد تبنت الحركة آنذاك مهرجانا احتجاجيا في مدينة طمرة؛ حيث سقط فيها أول شهيد في الداخل الفلسطيني، وذلك يوم الإثنين 8 أكتوبر 1990.
وكرد فعل من طرف الحركة الإسلامية على مجزرة الأقصى فقد أصدرت الحركة الإسلامية بيانا جاء فيه: "سجلت يد الظلم والاضطهاد في ساحات الأقصى الشريف في ساعات ما قبل الظهر من يوم الإثنين الموافق 8/10/1990 مجزرة رهيبة بحق شعبنا البطل الصامد في أرض الرباط؛ حيث قامت ثلة من المهووسين الحاقدين أعداء الإنسانية باقتحام الحرم المقدسي، حاملين على أعناقهم مجسم الهيكل، مما دفع المصلين المتواجدين في باحات الأقصى إلى صد هذه الزمرة البربرية ومنعها من الدخول إلى الحرم القدسي... وقد قام جنود الاحتلال الغاشم بالتدخل وإطلاق النار على المصلين؛ حيث استشهد العشرات وأصيب المئات .
كما أوقفت الحركة الإسلامية الأعراس الإسلامية حتى يوم الأربعاء 7/10/1990، بحيث تقتصر الأعراس على الوليمة فقط، وألغت كافة مباريات الدوري الإسلامي ليوم الجمعة، ودعت للتجاوب مع لجان الإغاثة لدعم صمود أهالي الشهداء. وامتدت العلاقة مع المسجد الأقصى المبارك وقضايا الأوقاف والمقدسات بصورة عملية لتترجم في معسكرات وقفية شهدت العديد من المقابر الإسلامية، إما تنظيفا أو ترميما أو تجميلا، وكذلك بعض المساجد والتكايا في مختلف البلدان.
وفي عام 1994 أعلنت الحركة الإسلامية عن مهرجان القدس الأول وكان في "كفر كنا"؛ حيث لامست الحركة هموم القدس والأقصى عن قرب، ثم كان المهرجان الثاني في "كفر قاسم" عام 1995. ومنذ عام 1996 وحتى هذه اللحظات تعقد الحركة الإسلامية مهرجانها السنوي "الأقصى في خطر"، وتنبع أهمية هذا المهرجان السنوي الذي أصبح حضوره عالميا، وكذلك تأثيره في رفع سقف الاهتمام في قضية القدس والأقصى من الداخل إلى المستوى العالمي.
وما بين أعوام 1996 وحتى أواخر عام 1999 قامت الحركة الإسلامية وبالتعاون مع الهيئات الإسلامية المسئولة في المسجد الأقصى المبارك بأعمال ترميم ضخمة أكدت الهوية الإسلامية للمسجد، وحالت دون تنفيذ السياسات الإسرائيلية الرامية إلى تهويد المكان على غرار ما حدث في المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، فقد حالت الحركة عندما فتحت البوابات العظمى للمصلى المرواني ورممته دون تحويله إلى مصلى لليهود في إطار مخططهم الذي رموا إليه في تحويل المصلى المرواني إلى معبد لليهود.
كما نجحت الحركة الإسلامية ومن خلال ترميمها لساحات المصلى المرواني العلوية للحيلولة دون بناء كنيس لليهود في تلكم المنطقة، ونجحت الحركة في ترميمها للأقصى القديم من وقف الحفريات لتحويله كذلك إلى كنيس. وعليه فسيسجل التاريخ لحركتنا المباركة دورها الطليعي والمسئول في الحفاظ على المسجد الأقصى المبارك، مسجدا إسلاميا.
تثبيت الأقصى في الذهنية العربية
وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى أن الحركة الإسلامية اعتمدت عدة وسائل وآليات لتثبيت قضية الأقصى في الذهنية العربية في البلاد، فاعتمدت المهرجان السنوي "الأقصى في خطر"، والذي تطرقنا إليه سابقا كوسيلة من وسائل الارتباط مع المسجد الأقصى، ثم مسيرة البيارق والتي تقل مئات آلاف المصلين في كل عام إلى المسجد الأقصى المبارك.

ارتباط قديم بين أطفال فلسطين وباحات الأقصى
وهناك مهرجان طفل الأقصى، والذي يُعقد سنويا في باحات المسجد الأقصى المبارك، ويضم الصندوق قرابة 20 ألف طفل (مشارك) في هذا الصندوق، وهناك مؤسسة مسلمات من أجل الأقصى، والتي تقوم بجهود مشكورة بين القطاع النسائي والعام للربط مع المسجد الأقصى المبارك، إضافة إلى هذا كله هناك دروس "مصاطب العلم" في المسجد الأقصى، والتي تستقطب أسبوعيا آلاف المصلين؛ للاستماع إلى هذه الدروس والمواعظ. وخلاصة الأمر أن سياسة التواصل مع المسجد الأقصى المبارك، والعمل على إنقاذ البلدة القديمة من الضياع هي الأساليب المُثلى لحفظ وجودنا في البلدة القديمة كحصن متقدم يحفظون من خلاله المسجد الأقصى المبارك.
ولاهتمام الحركة عبر مؤسسة الأقصى بالمسجد الأقصى المبارك فقد قامت المؤسسة برصد دقيق لوضعية المسجد، وما يتعرض له من مؤامرات إسرائيلية، وأصدرت في سبيل ذلك كتابها القيم: "المسجد الأقصى المبارك اعتداءات ومخاطر 1967-2005 وتقوم سنويا بإصدار تقرير رسمي، والذي ترصد فيه كافة الأعمال العدوانية على المسجد الأقصى المبارك، وعلى سبيل المثال لا الحصر شهدت سنة 2005 ارتفاعا تصاعديا في العمل على الإعداد شبه النهائي لبناء الهيكل الثالث، واتخذت هذه الأعمال العدوانية التصاعدية المناحي التالية:
1. المناحي الإعلامية.
2. المناحي الأمنية والتهديدات بالهجوم على المسجد الأقصى المبارك.
3. المناحي التدبيرية، وذلك بمنع المصلين من دخول المسجد الأقصى المبارك.
4. المناحي السياحية وذلك بتكثيف السياحة الإسرائيلية للمسجد الأقصى المبارك وتحت حراسة أمنية مشددة والسماح للصلاة في باحات المسجد لجماعات يهودية تحت حراسة أمنية كذلك.
5. الكشف عن مخطط استيطاني (منحى استيطاني) في محيط المسجد الأقصى والمسمى عندهم بالحوض المقدس.
6. التدخل السافر في شئون المسجد الأقصى الداخلية، ومنع إدخال مصاحف إلى المسجد ومنع المصلين من دخول المسجد. 7. ممرات مراقبة داخلية وخارجية.
مصادرة الأوقاف والمقدسات
لقد اتبعت إسرائيل فيما يتعلق بقضية الأوقاف خطة مكونة من ثلاثة أبعاد، كل بعد يصب في مصلحة الدولة، وهذه الأبعاد هي:
1- البعد التدميري.
2- المصادرات.
3. تحويل بعض الأوقاف إلى مناطق أثرية سياحية. لقد توافرت الأوقاف في فلسطين إلى حد أنشئ في بعض القرى والمدن لجان محلية لمتابعتها كما هو الحال في مدينة صفد، فعلى سبيل المثال لا الحصر نقرأ في برتوكولات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ليوم الخميس الثالث من ربيع الثاني 1341هـ الموافق نوفمبر 1922؛ حيث رأس المجلس الحاج أمين الحسيني ما يلي: "قرار رقم 276، ومضمون القرارهو : تُلي كتاب مفتي صفد، المتضمن اقتراحه تشكيل لجنة أوقاف محلية في صفد لكثرة أوقافها، فتقرر تشكيل لجان الأوقاف في: حيفا وصفد والرملة وطبرية والناصرة وجنين والسبع..."، الأمر الذي يكشف النقاب عن الحجم الكبير للأوقاف في المناطق المذكورة، فأين ذهبت هذه الأوقاف، ويبدو من دراسة ملف سجلات المجلس الإسلامي الأعلى أن الكثير من الأراضي الوقفية قد تم مسحها وضبطها في ملفات وسجلات المجلس الإسلامي الأعلى، والذي لا يزال قسم كبير من هذه الوثائق طي النسيان والكتمان، أكلتها بعض الفئران، وران على قسم آخر العفن.
لم تتوان إسرائيل كذلك في السعي الحثيث لشراء البيوت القديمة في المدن الساحلية، وقد أصدر مجلس لجان الأحياء في عكا القديمة بيانا أكد فيه الخطر الكبير المحدق بالمواطنين إثر سياسة التفريغ الساعية إسرائيل لفرضها في المدن الساحلية- ذات الآثار الوقفية البارزة، كذلك فإن السلطات لا تزال تنظر إلى الأوقاف على أنها أملاك بور يحق لها التصرف كيف تشاء ضاربة بالمسلمين عرض الحائط غير آبهة بهم مطلقا، فقد أغلقت السلطات الإسرائيلية مسجد الغابسية (مثلا) بحجة أن المسجد ملكا لدائرة أراضي إسرائيل "مشيرة أن المسجد يتبع لها منذ 88 عاما، وفي هذه المناسبة لابد أن ننوه إلى الدور "البلطجي" لهذه المؤسسة في المصادرات، وتغيير الخرائط الرسمية، والمعالم الوقفية، والملك العام.
واقع الأوقاف الإسلامية بالداخل الفلسطيني
لقد أضحى من نافلة القول التأكيد أن الأوقاف والمقدسات الإسلامية في البلاد تعرضت -ولا تزال- لانتهاكات متكررة بشكل منظم ومنهجي، مما يؤكد أن هناك سياسات عليا يتم تطبيقها بهذا الصدد، ونظرة عابرة إلى الأوقاف والمقدسات والمقابر في بلادنا تؤكد مجددا الإهمال الذي يعتور أوقافنا ومؤسساتنا؛ حيث نجد أن المؤسسة الإسرائيلية في انتهاكها للأوقاف والمقدسات تؤكد العدوان الهستيري والمنهجي على أوقافنا ومقدساتنا بمختلف الوسائل المشروعة واللصوصية.
حيث تتم عملية القرصنة في إطار فلسفة تشويه تعتمد منطق الأغيار والفوقية اليهودية المستمدة من الوعد الإلهي -على غرار العرق الجرماني الألماني المميز عن بني البشر- والحق الإلهي في نهبهم وقتلهم وسرقتهم لهؤلاء الأغيار، ذلكم أن التوراة المحرفة، وكذا التلمود يشككان في آدمية وإنسانية هؤلاء الأغيار، فعلى سبيل المثال لا الحصر يذهب الراب بار حاييم أن ثمة فارق جوهري من حيث الإنسانية بين اليهودي "والجوي" [www.deet.ac.il ].
الحركة الإسلامية والأوقاف
إن الحركة الإسلامية فيى الداخل الفلسطيني تنظر إلى الأوقاف والمقدسات من خلال ثلاث دوائر متكاملة، وليست منفصلة، بمعنى أن انفصال هذه الدوائر عن بعضها البعض يفضي إلى تفكيك شبكة المفاهيم المتعلقة بها أولا، وإلى إمكانية التنازل أو التفاوض على بعضها، وهذه الدوائر هي:
1- الدائرة العقدية: وهي تعتبر أن أرض فلسطين أرض إسلامية حررت من الاحتلال البيزنطي بدم الصحابة، وجبلت ذراتها بدماء الصالحين، وتعتقد الحركة الاسلامية أن أرض فلسطين أرض محرمة لا يعمر فيها ظالم، وأنها أرض الأنبياء، وأنها القبلة الأولى، وإليها أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تؤمن الحركة الإسلامية أن إسلامية فلسطين لا تزول عنها باحتلال الأرض، بل هي (مؤبدة) وتنطلق في هذه القناعات من نصوص قرآنية ونبوية وفقهية وتاريخية (أحداث ومجريات)، وواقع تعيشه البلاد منذ قرنين من الزمان.
2- وتنظر الحركة الاسلامية إلى أرض فلسطين على أنها وقف إسلامي، ينسحب عليها ما انسحب على أرض السواد في العراق عندما فتحت في عهد الراشد عمر أمير المؤمنين رضي الله عنه، ومعلوم أن أرض فلسطين فتحت صُلحا وعنوة، وقد قال ابن الأثير في الكامل أن أرض الشام فتحت صُلحا إلا قيسارية [ قيسارية والساحل حتى غزة] افتتحت عنوة..
وقال الماوردي في الأحكام السلطانية في الأرض المفتوحة صلحا إنها تكون للمسلمين، ويُقر أهلها عليها بالجزية والخراج المعلومين: [أن يصالحهم على ملك الأرض لنا –أي المسلمين- فتصير بهذا الصلح وقفا من دار الإسلام، فلا يجوز بيعها ولا رهنها ويكون الخراج أجرة لا يسقط بإسلامهم، فيؤخذ خراجها إذا انتقلت إلى غيرهم من المسلمين.
وفي هذا يعلق الأستاذ محمد عثمان شبير فيقول:[... وبناء على هذا الحكم الذي قدره الفقهاء، فإن أرض فلسطين التي فُتح بعضها عنوة وبعضها صُلحا قد دخلت في دار الإسلام منذ ذلك الفتح، وطبقت عليها أحكام الإسلام...".
لم يتوقف الصهاينة عن مساعيهم لتدمير المسجد
ولأن قسما كبيرا من أرض فلسطين حوزية (أميرية)، فإنها بذلك تكون [أرض فلسطين] أرضا وقفية بغالبيتها بحكم الوقف الذري من جهة، وبحكم حوزيتها من جهة أخرى: [الأرض الحوزية، اصطلاح أطلقه متأخروا الأحناف، ويسمونها أيضا الأرض الأميرية، وهي الأرض التي مات عنها صاحبها أو أربابها بلا وارث، أو آلت إلى بيت المال، أو فتحت عنوة أو صلحا، أو لم تملك لأهلها، بل بقيت رقبتها للمسلمين إلى يوم القيامة، ولعلها سميت حوزية؛ لأن الإمام [رئيس الدولة الإسلامية] حازها لبيت المال ولم يقسمها، وأما ما فتح عنوة وقسّم بين المسلمين فإنه يكون عشريا، وأقرت أهله عليه خراجا يؤدونه إلى بيت المال كحال أرض السواد في العراق، فإنها تكون ملكا لأهلها عند الحنفية.
أما الأرض التي فتحت عنوة وبقيت رقبتها للمسلمين فهذه عند المالكية وهو قوله الحنابلة، تكون وقفا على المسلمين بمجرد الاستيلاء عليها، وقيل لا تكون وقفا إلا بلفظ الإمام وهي رواية أحمد، وقد ذهب الإمام الماوردي وأبو يعلى وابن القيم إلى أن هذا الوقف هو وقف اصطلاحي... قال ابن القيم: "ليس هذا الوقف المصطلح عليه، بل معنى وقفه أي عدم قسمته بين الغانمين...]".
وبناء على ما تقدم فإن أرض فلسطين أرض وقفية بالكامل مع تفاوت في الفهم الاصطلاحي والفقهي والإجرائي للوقف، وبذلك فإن وقفها يقسم إلى ما يلي: وقف حوزي [أميري] ، وقف ذري ، وقف عام ، خيري ، أرض وقفية ، وفي العهد العثماني قسمت الأوقاف إلى:
1- أوقاف مضبوطة: وهي الأوقاف التي أوقفها السلاطين وعائلاتهم، واشترطوا في شروط الوقف أن يديرها السلطان أو من ينوب عنه، وعادة ما يديرها وزير الأوقاف.
2- أوقاف ذرية: وهي أوقاف يوقفها رجل على أهله ابتداء لتنتهي إلى جهة خير انتهاء.
3- أوقاف ملحقة: وهي أوقاف ألحقت بالدولة، وهي في أصلها وقف ذري إلا أن عوائل هذه الأوقاف اندرست، فتحولت إلى (أوقاف مندرسة)، ثم تحولت لتمويل أجسام تربوية أو ثقافية أو مؤسسات ويديرها متولي الوقف.
4- أوقاف تحررها الدولة عبر نظارة الأوقاف أو من توكله بذلك.
الدائرة السياسية
3- الدائرة السياسية: وترى الحركة الإسلامية أن الأوقاف والمقدسات الإسلامية لا يمكن أن يتم التعاطي معها من خلال الظرف الراهن الذي تمر فيه الأوقاف والمقدسات، ذلكم أن الأوقاف والمقدسات في التصور الإسلامي في الحركة الإسلامية تشكل قسمة أساس من قسمات الهوية الإسلامية لفلسطين، باعتبار أن الأوقاف والمقدسات الإسلامية تحمل الأبعاد العقدية التي تشكل ركيزة أساس في بناء الهوية الإسلامية عموما وخصوصا، أي جغرافيا وشخصيا.
فالهوية الجغرافية لفلسطين تكتسب هويتها الإسلامية من جراء الفعل البشري على الأرض بموروثها الزماني النازل كمحدثات على أرض الواقع؛ ليشتق منها فعلا حضاريا يتمثل مكانا في البناء والعمران، وزمانا بالموروث العلمي والمدني الذي يتركه لنا الأشخاص. ولأن فلسطين تتسم من حيث الموروث الثقافي في منظورنا الإسلامي بسمات عقدية مستمدة، كما أشرنا سابقا من الكتاب والسنة، فهي أرض مقدسة استمدت قداستها من الوحي الإلهي [يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة].
ولأنها مقدسة فلها خصوصيات مشتقة من هذه القداسة، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر حديث رسول الله: "... أفتنا في بيت المقدس، فقال عليه الصلاة والسلام: أرض المحشر والمنشر" الإمام أحمد في مسنده 436/6، ومن ذلك وجود المسجد الأقصى المبارك والصخرة المشرفة، ففي تفسير قول الله تعالى: "واستمع يوم ينادي المنادي من مكان قريب..."، قال المفسرون: المُنادي إسرافيل، يقف على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة، إن الله تعالى يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
فإذا أضفنا إلى هذا الرصيد الأحداث التاريخية من لدن رسول الله r ابتداء من وقفة لتميم الداري، وأرض الخليل، ومرورا بجيوش الصحابة التي فتحت الأرض المقدسة وحررتها من نير الاحتلال البيزنطي، ومرورا بصيرورات التاريخ على الأرض المقدسة تصبح هذه البلاد في الوجدان الإسلامي ذات خاصية مميزة تفوق أرض الحرمين.
وعليه فإن الحركة الإسلامية في تعاطيها مع الأوقاف والمقدسات تتعامل تعاملا سياسيا بالمعنى الاصطلاحي والعرفي للسياسة المفضي إلى أن كل فعل هو أقرب إلى الصلاح منه إلى الفساد، أي من باب المقاربات مع الأوقاف، بل وتتعاطى تعاطيا أيديولوجيا، بمعنى أنها تنزل التصور العقدي على الأوقاف، بغض النظر عن الواقع المعايش لهذه الأوقاف، إذ العبرة بالأصل لا بالمحدثات التي جرت على الأصل.
فانتهاك الأوقاف والمقدسات، ومصادرتها وطمسها لا يلغي مطلقا قدسيتها، بل على العكس، في الحكم الفقهي، وفي إطار مفهوم المراغمات يتم العمل الأيديولوجي على إعادة هذا الحق المسلوب وفقا للقدرة والطاقة، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، ولأن الأوقاف والمقدسات تتداخل في هذه الدوائر الثلاث: عقديا ووقفيا وسياسيا فإن الحركة الإسلامية تنظر إلى الأوقاف الإسلامية على أنها الجزء الحي الذي يؤكد وجود فعل حضاري إسلامي على أرض فلسطين والواجهة الحقيقية التي تحفظ حق العودة، عودة اللاجئين والمشردين كما تحفظ وتؤكد إسلامية هذه الأرض.
*
رئيس مركز الدراسات المعاصرة في فلسطين