اليوم مع أفضل الأنظمة التعليمية في العالم: النظام التعليمي في ألمانيا
توجد في ألمانيا 16 ولاية تكون الدولة العظمى الألمانية الدولة الفيديرالية، كل ولاية من هذه الولايات تنهج نهجا حرا في تسيير نظامها التعليمي، أي هناك 16 نظام تربوي تعليمي على أرض الواقع. فرغم هذا التعدد و الاختلاف الحاصل في الأنضمة إلا أنه يبقى الهدف و احد من السياسة التعليمية الألمانية وهي إتاحة الفرصة لكل فرد في الحصول على دعم أمثل وتعليم مؤهل، يتطابق مع قدراته واهتماماته.
ومن هنا يتعين علينا التعرف على هذا النظام التعليمي والمعرفي الذي قاد هذه القاطرة البشرية لتتبوأ مكانًا عالميًا رفيع المستوى في تاريخ حضارتنا الإنسانية.
من 12 إلى 13 سنة من التمرس الإلزامي:
ينقسم النظام التعليمي الألماني إلى أربع أو خمس مراحل، وتشكل المراحل الثلاث الأولى من هذا النظام هيكل النظام المدرسي الألماني:
مدراس الحضانة أو التعليم الأولي:
ابتداء من 1830 تم خلق مؤسسات بيداغوجية ((بساتين الأطفال)) تهذف إلى إكساب المتعلم مهارات عن طريق اللعب و الترفيه، أغلب هذه المؤسسات تم غلقها في سنوات 1930 - 1940.
إلا أنه ابتداء من 1990 و ضعت الدولة هذا المشروع من اولوياتها حيث تم إنشاء مدارس حضانة خاصة تستقبل الأطفال من 3 - 4 سنوات إلا أن هذه المؤسسات التعليمية نادرا ما تستقبل جميع التلاميذ من 4 -6 سنوات و الذين يشكلون %80 من الأطفال فترة اليوم كله.
المرحلة الابتدائية: وهي أول مرحلة مدرسية، وتتكون في معظم الولايات الألمانية من أربع سنوات مدرسية، وفي بعض الولايات مثل برلين وبراندنبورج تتكون من ست سنوات مدرسية حيث تعتبر السنة الخامسة والسادسة فيها كأنها مرحلة متوسطة.
لا بد أن نشير أن جل الأطفال يلتحقون بالصفوف الدراسية في أقرب مدرسة توجد في الحي الذي يقطن به الطفل ابتداء من سن 6 و هو سن إلزامي في التمدرس، و تجرد الإشارة إلى أن المدارس الخصوصية قليلة جدا بل جد نادرة في جميع الولايات.
وعادة ما يوجد لكل فصل في المدرسة الابتدائية مدرس يقوم بتدريس مجموعة من المواد لهذا الفصل طيلة فترة المرحلة الابتدائية بكاملها أو يقوم بذلك لمدة عامين. ويتم تبرير ذلك عادة بمصلحة التلاميذ في أنهم يتعرفون على شخص ثابت يلجؤون إليه باستمرار وهذا من الأمور المهمة في هذه السن، وإن كان من عيوب هذا النظام أن مدرس الفصل يكون مؤهلًا أساسًا في تخصصين اثنين وبالتالي ستنقصه المعلومة والمعرفة التربوية في التخصصات الأخرى. ومن ناحية أخرى فهناك علاقة وثيقة بين طرق تدريس المدرس وبين النجاح الذي يتحقق من قبل التلاميذ. وبالتالي ستكون النتائج سلبية في حالة وجود مدرس غير جيد أو كانت هناك مشاكل التوافق لدى التلميذ أو المدرس.
يمت دمج السنة الأولى و الثانية في نفس المستوى و بدروس موحدة، دون إعارة اهتمام لتنقيط المتعلم، ففي هذه المرحلة ينتقل كل الأطفال إلى المستوى الموالي دون رسوب و تكرار.
يصبح بعد هاتين السنتين التعليم مهيكل: تعدد المواد الدراسية - تعدد الأساتذة و المربين - تنقيط المتعلم بعد اجتيازه لاختبارات التحصيل...
يستفيذ التلميذ في ألمانيا من حصص الدروس المقدمة في الفترة الصباحية من الثامنة إلى الواحدة زوالا.و تستغل الفترة الزوالية لاستقبال الأطفال في مراكز الترفيه لمزوالة الرياضة، و الأنواع الاخرى من الأنشطة الثقافية.
تهدف هذه المرحلة من التعليم إلى إكساب المتعلم مجموعة من الكفايات: القراءة - الكتابة - الحساب. في آخر السنة الدراسية يجتاز المتعلم مجموعة من الاختبارات التحصيلية التي من شأنها أن تفرز التلاميذ الذين سيلتحقون بالمستويات العليا.
المرحلة المتوسطة: ويطلق عليها المرحلة الثانوية الأولى: تأتي هذه المرحلة مباشرة بعد المرحلة الأولى وتؤدي للالتحاق إما بالمدرسة الرئيسية أو المدرسة المتوسطة أو المدرسة الثانوية العامة.
بعد الالتحاق بهذه المستويات يتم تنظيم مبراة لتصنيف الكفاءات و المهارات التي تميز كل متعلم و قدرته على المسايرة و رغبة أولياء الأمور فنتيجة لهذا الاختيار يحضر المتعلم واحدة من أنواع مختلفة من المدارس:
المدرسة الرئيسية:
يلتحق بهذا النوع من المدارس حوالي 20% من الأطفال بعد إنهاء المرحلة الابتدائية. وتستغرق مدة الدراسة بهذه المدارس خمس سنوات, . وتقوم المدرسة الرئيسة بإعداد الملتحقين فيها للتدريب على حرف أو مهن معينة في مجال العمل اليدوي والصناعات. ومن الملاحظ أن الذين يلتحقون بهذا النوع من المدارس هم من أبناء الطبقة الفقيرة أو من المناطق الريفية أو مما لا تعتبر اللغة الألمانية لديهم هي اللغة الأم.
المدرسة المتوسطة:
وهي نمط آخر من المدارس الذي يلتحق به أكثر من مليون تلميذ وتستغرق الدراسة فيه ست سنوات، أي أن التلميذ يحصل على شهادة إتمام المدرسة المتوسطة بعد الصف العاشر. وتقوم المدرسة بإعداد الملتحقين بها للعمل في الوظائف المطلوبة في المجتمع مثل البنوك وأعمال السكرتارية إلخ. وينتمي تلاميذ هذه المدارس عادة لأبناء الطبقة المتوسطة.
المدرسة الثانوية العامة
تستغرق الدراسة عادة في المدارس الثانوية العامة حتى الحصول على شهادة الثانوية العامة «الأبيتور» تسع سنوات، ويتلقى فيها التلاميذ تعليمًا متعمقًا ودراسة للغات القديمة. ويلتحق بالمدارس الثانوية العامة أكثر من مليوني تلميذ وتلميذة. وفي المرحلة الثانوية العليا التي تشمل عادة الصفوف الدراسية من الحادي عشر إلى الثالث عشر (وفي بعض الولايات من العاشر إلى الثاني عشر أو الحادي عشر والثاني عشر) يستبدل بنظام الفصل الدراسي التقليدي نظام الدورات الدراسية. وللحصول على شهادة إتمام المرحلة الثانوية يقوم التلميذ بأداء الامتحان في أربع أو خمس مواد، وبعد النجاح فيها والنجاح في الامتحان الشفهي يحصل التلميذ على «شهادة التأهيل العام للدراسة الجامعية». وتفتح هذه الشهادة المجال أمام الحاصلين عليها بالجامعات والمعاهد العليا والمعاهد المتخصصة أو لتلقي أي نوع من أنواع التدريب على الوظائف.
المدرسة الشاملة:
وهي نمط آخر من المدارس يشمل الأنواع الثلاثة من المدارس (الرئيسة والمتوسطة والثانوية) في مدرسة واحدة، إذ يلتحق بها التلاميذ بعد المرحلة الابتدائية إلى أن يحصلوا على شهادة إتمام المرحلة الرئيسية أو المتوسطة أو الثانوية. ويلتحق أكثر من نصف مليون تلميذ بهذا النوع من المدارس في ألمانيا. وهناك نوعان رئيسيان من المدارس الشاملة: النوع الأول هو وجود كل الأنواع الثلاثة من المدارس فيها ولكن التدريس فيها مختلف لكل نوع من المدارس. أما النوع الثاني من المدارس الشاملة وهو الأهم فإنه يتيح للتلاميذ جميعًا باستمرار المشاركة في بعض المواد ثم دراسة المواد الأخرى منفصلًا وفقًا لنوع الشهادة التي يمكن الحصول عليها، وإذا ما تحسن أداء التلميذ وأدرك ذلك المعلمون بالمدرسة فإنهم ينصحون التلميذ بأن من الممكن لـه أن ينتقل من مسمى مدرسي إلى مسمى مدرسي آخر ودراسة مواد هذه المدرسة. وقد تم إنشاء أول مدرسة شاملة في بداية السبعينيات لتكون بمثابة تجربة يمكن تعميمها في حال نجاحها. ويوجد اليوم أكثر من 800 مدرسة شاملة حتى الآن في ألمانيا.
التعليم المهني والنظام الثنائي:
يوجد في ألمانيا تسعة أشكال من المدارس المهنية، ولكل نوع منها مهمة محددة. وتتيح المدارس المهنية للشباب بعد إنهاء مرحلة التعليم العام فرصة التأهيل المهني. فمثلًا يمكنهم الالتحاق بمدرسة مهنية متخصصة ذات دوام يوم كامل. وتهدف سنوات الدراسة الثلاث بالمدارس المهنية التقليدية إلى الإعداد للوظيفة أو أيضًا إلى التدريب المهني. وهناك مدارس أخرى تختص بالتدريب على المهن غير الأكاديمية، في مجال الصحة مثلاً للعمل كممرض أو ممرضة. ويركز التعليم المدرسي بالمدارس المهنية على مادة التخصص التي تشمل حوالي ثلثي المنهج ويبقى حوالي الثلث لدروس المعارف العامة. ويلتحق أكثر من مليون ونصف المليون من الشباب والشابات بالمدارس المهنية في ألمانيا.
بالنسبة لخيارات التعليم العالي الألماني فهي:
1) الجامعات : ينهي الطلبة دراستهم فيها بعد أخذ شهادات الدبلوم أو الماجستير أو شهادة اختبار الدولة ، وبعد قانون الإصلاح عام 1998م أصبحت بعض الجامعات تقدم تخصصات تمنح فيها شهادات البكالوريس والماجستير مع إمكانية مواصلة الدراسة للحصول على شهادة الدكتوراه .
2) المعاهد الاختصاصية العليا: تدرس فروع الهندسة وعلوم الحاسب والاقتصاد والشؤون الاجتماعية والتصميم والصحة والمعالجـة بطريقة تعتمد على التطبيق العملي .وهي في الأساس ثمرة النقاشات العلمية والسياسة التي جرت في أواخر الستينات وكان إنشاؤها ضرورة لضمان مناقسة الاقتصاد الألماني للاقتصاديات المنافسة ، وفي أواخر السبعينات تم ترقية هذه المعاهد إلى مستوى الجامعات من الناحية الإدارية ومنحت حرية البحث العلمي والتعليم ، ويوجد اليوم حوالي 150 معهد عال للاختصاص بالإضافة إلى 30 معهد خاص معترف حكومياً ، بالنسبة للشهادة الأكاديمية التي يحصل عليها الطالب بعد دراسة ناجحة مدة سبعة أو ثمانية فصول (ثلاث سنوات تقريباً) هي شهادة الديبلوم الألماني من الدرجـة الثانية ، تكمن فائدة هذه المعاهد في الإسراع في تخريج خبرات عملية عالية المستوى إلى الاقتصاد الصناعي وسوق العمل ، ولا يفهم هـنا أن السرعة في التخريج في هذه الفترة القصيرة يعـني الفوضى وتخريج طلاب غير مستعدين بل إن الدراسة المكثفة والمتشددة إضافة إلى الامتحانات العديدة تشكل كلها ضمانة لفترة دراسة قصيرة نسبياً ، والمواد التدريسية بحد ذاتها مهيأة لممارسة العمل المهـني وهي أيضاً تساهم في البحث العـلمي ، ومشاريع التخرج فيها تكون بإشراف أكاديمي المعهد وخبراء الصناعة وفي الغالب ما توجه لتطوير منتج أو حل جزئي لمشكلة اقتصادية أو صناعية أو إدارية.
ففي المجال العلمي على سبيل المثال لا تزال المعاهد العليا الألمانية من أفضل المعاهد في العالم. والقارئ العربي الكريم لابد أن يكون قد سمع عن معاهد ماكس بلانك المنتشرة في ألمانيا، ولا بد أن يكون قد عرف أن عدد الحاصلين على جوائز نوبل من الألمان قد وصل عددهم حتى الآن إلى 76 حاملًا للقب، منهم 65 عالمًا في مجال العلوم الطبيعية والطب. وبرغم قلة الموارد الطبيعية نسبيًا في ألمانيا فإن نظام التعليم بأشكاله المتميزة هو الذي أخرج العامل التقني المدرب أحسن تدريب، وصنع المهندس الناجح المتمكن من أدواته مما ساعده على تطوير وسائل الإنتاج والدخول بكل قوة في صناعة المحركات والسيارات والطائرات والأسلحة الحديثة ودخول عالم التقنيات الدقيقة الحديثة. كما أن هذا النظام التعليمي المتميز هو الذي وضع ألمانيا من الناحية الاقتصادية في صدارة دول الاتحاد الأوروبي وثالث أكبر اقتصاد في العالم بعد أمريكا واليابان. ومن ناحية حق تسجيل المخترعات فإن ألمانيا تحتل الصدارة في أوروبا. ومن منا لا يعرف أسماء ألمانية عملاقة مثل «سيمنس» و«فولكس فاجن» و«دايملر كرايسلر» و«ساب»، التي جعلت من شعار «صنع في ألمانيا» دليلًا على الدقة والإتقان التي تتميز بها الصناعات الألمانية في كل مكان في العالم.
إلى نظام تعليمي آخر دمتم في رعاية الله