منتديات دفاتر التربوية التعليمية المغربية - عرض مشاركة واحدة - على المعبر
الموضوع: على المعبر
عرض مشاركة واحدة

الصورة الرمزية Hadrioui Mostafa
Hadrioui Mostafa
:: دفاتري جديد ::
تاريخ التسجيل: 26 - 11 - 2008
السكن: مجرة اللبانة /المجموعة اشمسية /الارض
المشاركات: 50
معدل تقييم المستوى: 0
Hadrioui Mostafa في البداية
Hadrioui Mostafa غير متواجد حالياً
نشاط [ Hadrioui Mostafa ]
قوة السمعة:0
قديم 28-01-2009, 08:23 المشاركة 1   
افتراضي على المعبر






على المعبر


عشرون ربيعا ـ لا غيرـ بالكاد تقرأها على وجهه السموح الطافح بشرا حين تطالعه أو تصادفه. أبدا يسلك نفس الطريق، يعبر وينعطف من ذات المواقع، وفيّ مع ديدنه اليومي، يعرف الكل و الكل ... يعرفه، يصافح الجميع إيماءً، أو تحية أو بسمة عريضة، صافية لا مراء فيها كأنه قرار من السعادة والنعيم، بل كأنه نسي يده المدودة ـ يوما ـ من الردم وهو عار كدودة ، ونسى ـ أيضاـ ثانية تتلقفه بحنو دافق حبا، وثالثة راعشة تمسح مخاطه وجراحه وتلفه في ملاءة نازفة. تصد عنه قرس فجر شتوي بارد، و كأنه... ناس جيشا من الأرجل يكاد يحجب عنه طيف والديه الهامدين ممددين بلا حراك مجندلين قطعاً كبطاطيس مقلية يعتليها كيتشاب قان يلفها ورق... الماكدونال !.بل كأنه لم يبق يذكر قط ذاك الألم الفظيع الذي لفه حين استنتجت روحه الصغيرة أنه بقي وحيدا بلا إخوة ولا أم حانية ولا أب رحيم ! فصرخ باكيا بكاء أحسه قادما من أعماق روحه كظُبَى مُدىً تمزق أحشاءه، فهمّ بالبكاء أكثر عل عويله يفلق المدى غير أن يدا دافئة مؤلوفة التضاريس لديه تشد عليه بقوة وتحضنه بحرارة، حينا يخرس... ويمسح بظهر يديه المتربة عينيه ليرى جده عائمة عيناه في سيل من الدمع.
قرابة عقدين تلوك ذاكرته نفس الصور وتجترها ، وحتى إن جاهد في تجاهلها أزيز الرصاص الطائش، والصائب، وصوت المزنجرات والدبابات وطابور المعابر وسواد "الكيبات" وأحذية العساكر وبزاتهم وهدير المروحيات يعود بها لتتبوأ مقدمة فكره ، لم يعرف يوما راحة نفسية رغم هدوءه الظاهري ، قلبه أبدا راجف ، ويداه راعشتان رعشا صامتا ، وكيانه يمتلئ يوما عن يوم حنقا ويزداد غيضا، كانت الانتفاضات بلسما له شهورا إذ حولت رعشاته سكينة وشروده مشاريع....
كعادته اليوم يسير وجدار الفرقة الملتف كحبل مشقة على أرض الناصري ، يحث الخطى، يخاتل الطريق الملتوية ربحا للوقت وخوفا أن يضيع له أول الدرس...يصل إلى المعبر الأول و ينضم إلى الطابور، ما ان يلتقط أنفاسه حتى يشرع يستطلع قوامه، لافرق بين البارحة وأمس البارحة نفس الوجوه ، نفس الوجوم، الحالة ذاتها... عاد إلى نفسه يلوذ بأدغالها ويسرح في أحراشها ينتظر مع المنتظرين الجواز من علا صراط البوابة... يتناهى إليه صوت امرأة في جدال مع جنود الحراسة، فيخرج من الطابور ليتابع المشهد ،مشهدا طالما تكرر...وتكرر، يعود أدراجه لكن، صوت المرأة يتسلق طبقات أعلى تجعله يستطلع الأمر من جديد فيراها وقد اشركت يدها في الجدال يرد عليه الجندي بصفعة على وجهها ودفعة قوية تطيح بها على الأرض ومعها طفلها . بخطى تابثة ورباطة جأش غريبة يجد نفسه متقدما نحو الباب، وقبل ان ينتبه له الجندي وهو قبا قوسين أو ادنى منه يلتف حول نفسه ويرفع رجله وبكعبه يلكزه لكزة ليتهاوى من دون حراك فيجرده من رشاشه ثم...يفرغه ببراعة في باقي الحراس ....
تخرس لعلعلة الرصاص ويتربع الصمت سيدا ، وتقوم المرأة من وقعتها وتطلق زغرودة طويلة ....طويلة وجميلة يرد عليها ببسمة عذبة تنطفئ حالما يرى رجل دين، حبرا يعتمر قبعة تتدلى من تحتها ضفائر سود، يخرج من تحت مِسحه مسدسا ويشرع في إفراغها في وجه...ما كاد يستجلي أمره حتى كان ساقطا كهرم.

الكاتب حدريوي مصطفى (العبدي)
الدارالبيضاء في 29/12/2008





























آخر مواضيعي

0 فجر الحرية
0 انتـــــحــــاااااااااار
0 هي... وكلماتي
0 على المعبر
0 من البيت إلى السفانا منها إليه
0 العشاء الأخير
0 زوبعة فيزيائية