الموت الحي
كل شيء عند هؤلاء يذكرك بالموت ، حياتهم ، الجبال المحيطة بهم ، .... إلا المقبرة ، ... نعم ، المقبرة وحدها هي التي تذكرك بالحياة ، تخضر و تتجلى كعروس تستعد ليوم زفافها ، ألوان متماوجة من أصفر و أحمر ... بينما بيوتهم مقابر حقيقية ... أبواب كجحور الفئران ، وحيطان مصدعة ... الجدران كلها نوافذ ، حتى قيل أن كل بيت يسمى " بيت الألف نافذة و نافذة " .
الجبهة الصخرية تصفعك كل صباح ، مقطبة في وجهك طوال اليوم ... المقبرة وحدها تبتسم لك و تؤنس وحدتك .
لا تدري لماذا توضع المدرسة دائما بجوار المقبرة ؟ هل هي مصادفة أم أمر مخطط له ... المدرسة مفتاح الحياة ... إذا بها تفتح عيون هؤلاء الأطفال المناحيس على بوابة الموت ، لقد مر الآن أزيد من ثلاثين سنة على وجودها ، و لم يتجاوز أحد الذين مروا منها عتبة الشهادة الابتدائية ، إنها المقبرة بجوار المقبرة ، إنها الحياة المحتفلة بجانب الموت الحي ، دمار رهيب يلفك ، ويحتويك ، يسكنك و تألفه فتوشك أن تصيره ، لولا بوابة الحياة ،آيات قرآنية ندية تنزل على قلبك طاهرة خاشعة ، لولا " البرابول " الذي يفتح عينيك عبر الأثير في العالم ، لولا الكتاب أنس وحدتك ، تحترق مع كلماته كلما جن عليك الليل و انعدم الأنيس ... لولاها لصرنا دمارا
في الليل يجثم على هذا العالم صمت مطبق ، إلا من صرير الحشرات و نقيق الضفادع في الوادي أو تجاوب نباح الكلاب بين الضفتين . الجبهة الصخرية تستحيل شبحا نائما أمامك ، ترسم باحتكاكها مع السماء خريطة سوداء ، حيث تسبح النجوم في المحيط السماوي العميق ، و مرة في كل شهر تبحر سفينة تزداد اكتمالا حتى تصبح قرصا من نور يعيد للجبهة الصخرية / الخريطة دفقا من الحياة ، حيث يرسم احتكاك أشعة القمر الذهبية مع تجاعيد الجبهة العجوز شرايين سوداء ، و يتعانق النور و الظل في إيقاع الأبيض و الأسود و يتعانق النور و الظل كلما توغل القمر في كبد السماء ... حتى يسدل الظل ستاره على القرية ... و تبدأ تلك الجحور / المنازل المتشبثة بسفح الجبل كقرد صغير يمسك بمؤخرة أمه تغلق أجفانها لتغرق في النوم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أرغن 1997