إشكالية التأهيل الحضري لمدينة قلعة السراغنة
الكاتب الصحفي: موسى عزوزي
يطرح ضم مجموعة من الدواوير القروية لمدينة القلعة إشكالية التأهيل الحضري بعاصمة الإقليم،وهي الإشكالية التي يفترض أن تتصدر اهتمامات السلطات الإدارية والمنتخبين لان مسيرة التنمية الشاملة و المستدامة تبدأ من ضرورة القطع مع المواصفات القروية التي لا زالت مهيمنة على المشهد العام للمجال ، و لن يتم ذلك إلا عبر أشغال كبرى بمساهمة و تدخل كل الأطراف المعنية في أفق تكريس الطابع الحضري في الأحياء و الساحات والشوارع .....
تمت المصادقة الرسمية مؤخرا على ضم عدة دواوير الى المدار الحضري لمدينة قلعة السراغنة ويتعلق الأمر بدوار الكورس وكدية الجمالة و ضراوة و البانكة و لقرع ورغم أن هذه الدواوير استفادت من برنامج مدن بدون صفيح إلا أن الأشغال المنجزة لحد الآن لا تعكس حجم التمويل المرصود لها فضلا عن الخروقات الكثيرة التي تواطأت عليها جهات متعددة أدت إلى ما يمكن تسميته بإعادة إنتاج البناء العشوائي بصيغة منقحة .
و تبعا لذلك لم تسجل الآثار الإيجابية المستهدفة من عملية إعادة هيكلة تلك التجمعات السكنية التي لا زالت تعاني من مشاكل متعددة و تم توريثها للمجلس البلدي العاجز بإمكانياته المتواضعة عن تأهيلها وهذا ما يفسره طلب الدعم المالي قصد تمكين الجماعة من تأهيل تلك الأحياء السكنية الجديدة الملتحقة بالمدار الحضري في قرار صودق عليه في الدورة الاستثنائية المنعقدة مؤخرا .و قد طالب المجلس بالدعم المالي رغم انه لا يمتلك مخططا متكاملا أو على الأقل تصورا محددا لتأهيل تلك الأحياء يضاف إلى ذلك غياب دراسة تقنية ومالية لتكاليف الإصلاح. من جهة أخرى لابد من الإشارة إلى أن الشهور الأخيرة عرفت تناسلا للبناء العشوائي بمعظم الدواوير و خاصة التابعة لجماعة ازنادة حيث يتستر بعض الأشخاص وراء رخص الإصلاح التي تمنحها لهم مصالح الجماعة في ظروف اقل ما يقال عنها أنها مشبوهة، لأجل القيام بأعمال البناء المخالفة لقانون التعمير.
و من المرتقب أن تشهد الدواوير الملتحقة بالمدار الحضري خلال فترة الانتخابات الجماعية المقبلة نشاطا مكثفا للبناء العشوائي حين يتم التواطؤ عبر غض الطرف أو بذريعة الانشغال بالعمليات الانتخابية .
وإذا كانت إعادة الهيكلة قد استغرقت أزيد من عشرين سنة بحي المرس دون أن يتوفر هذا الحي لحد الآن على ملامح حضرية واضحة .فان هيكلة الأحياء الجديدة المشكلة من البناء القروي الطيني قد تتطلب عقودا من الزمن مما سيجعل مدينة القلعة رهينة للطابع القروي، وبالتالي سيبقى التأهيل الحضري لعاصمة الإقليم مجرد حلم بعيد المنال بالنسبة للسكان الذين يتطلعون للعيش في بيئة حضرية عصرية .
مشاكل دواوير البانكة والكورس والجمالة ولقرع لا تقف عند حدود البنيات التحتية والمرافق والطرق المؤدية إليها بل تتعدى ذلك إلى الجانب الأمني حيث تعرف هذه الدواوير الهامشية بكونها نقطا سوداء لإنتاج ماء الحياة وترويج المخدرات والسرقة والعنف وغيرها من مظاهر الانحراف مما سيضع السلطات الأمنية أمام تحديات مضاعفة لفرض سيطرتها على هذا المجال الشاسع جغرافيا.
إن التوسع العمراني الذي شهدته مدينة القلعة بإحداث عدة تجزئات سكنية منذ أوائل التسعينيات بأحياء النخلة والهناء وعواطف لم يواكبه مجهود من طرف المجالس البلدية السابقة التي أشرفت على أشغال تلك التجزئات بل أكثر من ذلك تم الصمت على خروقات خطيرة في إنجاز الشبكة الطرقية والصرف الصحي، ليدفع المواطنون الثمن غاليا من خلال معاناة طويلة تجهل نهايتها.
وإذا كان المجلس البلدي الحالي قد شرع في أشغال تعبيد الطرق بحي الهناء بكلفة تناهز800 مليون، ومن المرتقب أن يتم الشروع أيضا في تعبيد وإصلاح الشبكة الطرقية لباقي الأحياء في صفقة المليارين فإن ذلك في تقديرنا قد يخفف من معاناة المواطنين مع الحفر، ولكنه لن يرق إلى مستوى التأهيل الحضري للمدينة وهو المطلب الذي أصبح يطرح في الآونة الأخيرة بكل إلحاح.
إن توسع مساحة المدينة إلى 26 كلم مربع وارتفاع عدد سكانها إلى ما يزيد عن80 ألف نسمة فضلا عن النمو الديمغرافي المتزايد يفرض التفكير بشكل علمي في ضرورة تكاثف مختلف الجهود من أجل معالجة الاختلالات السوسيومجالية والرفع من مؤهلات المدينة وتقوية قدراتها كمجال منتج للثروات .
وبما أن أشغال التأهيل الحضري قد تتطلب أزيد من عشرة ملايير درهم على الأقل حسب تقديرات الفاعلين والمهتمين ، فإن التحدي الأول هو قدرة السلطات الإقليمية على إقناع المسؤولين محليا وجهويا ووطنيا والمنتخبين من أجل تمويل مشروع التأهيل في إطار تشاركي متكامل، ونشير هنا إلى ضرورة تدخل المجلس الجهوي لمراكش تانسيفت الحوز الذي يصرف ميزانيات ضخمة في أقاليم ومناطق أخرى ويصر على تهميش إقليم القلعة ، وأيضا المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي الذي يجني مداخيل هامة من المدار السقوي بالإقليم بينما استثماراته ضعيفة جدا ولا ترقى إلى المستوى المطلوب، يضاف إلى ذلك دور وزارة التجهيز وقطاع المياه والغابات، ومديرية الجماعات المحلية بوزارة الداخلية والوكالة الحضرية، والقطاع الخاص.
وإذا كان التنسيق بين كل المتدخلين يتطلب مجهودا كبيرا على المستوى الإداري والعملي فإن فتح استشارات مع السكان مسألة في غاية الأهمية لمعرفة تطلعاتهم وتصوراتهم لما ينبغي أن تكون عليه مدينتهم ومن شأن هذه الاستشارة أن تجنب المسؤولين الطابع الارتجالي الذي يسيء إلى المجال وخصوصياته رغم توفر حسن النية.
تعبيد الأزقة، ترصيف الشوارع، تقوية الإنارة العمومية، تهيئة الساحات والمساحات الخضراء، إصلاح الحي الصناعي، معالجة اختناق شبكة الصرف الصحي و تجديدها،هيكلة الدواوير الجديدة التي انضمت إلى المجال الحضري، الإسراع بعملية إعادة هيكلة ذراع العياشي، بناء مركب ثقافي حل مشكل المنازل القديمة أو الآيلة إلى السقوط خصوصا بالقلعة الراشية ، تفعيل الضريبة الحضرية على الأراضي غير المبنية لإلزام المضاربين أو المستفيدين من التجزئات السكنية ببناء بقعهم الأرضية أو بيعها بدل أن تبقى عبارة عن نقط سوداء ومصدر معاناة للساكنة، تفعيل القوانين الزجرية ضد احتلال الملك العمومي، وضع حلول واقعية وموضوعية لظاهرة الباعة الجائلين " الفراشة" و "جوطيات" الخضر، الإسراع بنقل السوق الأسبوعي، إخراج المشاريع التي سبق تدشينها إلى حيز الوجود، إصلاح دروب وأزقة المدينة العتيقة، تهيئة ضفة وادي كَاينو لتفادي كوارث الفيضانات ....
هذه بعض الأولويات التي يجب مراعاتها في أي مشروع للتأهيل الحضري، مثلما أن توفر الإرادة الجماعية هي أساس المنطلق وضمانة للنجاح وكسب الرهان في تجاوز الملامح والمواصفات القروية التي تهيمن على مدينة قلعة السراغنة رغم تاريخها العريق .
موسى عزوزي : مراسل صحفي معتمد (لأحداث المغربية )ـ كاتب صحفي بجريدة بيان اليوم