خديجة...........تابع 2
وكانت محبوبة هذه امرأة نصفا ، تطوف بأهل القرية تصنع لهم الخبز وتصنع لهم من الخبز نوعا خاصاً هو هذا الذي يتخذ من الذرة رقيقا مستديرا واسعا ، لا تحسن أن تصنع غيره من خبز القمح . فكنت تراها في آخر الليل ملمة بهذه الدار أو تلك تهيء العجين . وكنت تراها في أول النهار جالسة أمام الفرن ، تدير بيدها السريعة الصناعة قطع العجين ، فتسويها في سرعة مدهشة على الشكل الذي ينبغي أن يسوى عليه ، ثم تقدفها إلى النار قذفا خفيفا رقيقا ، ثم تستردها من النار وقد منحتها النضج الذي يجعلها سائغة في الأفواه والحلوق والبطون . وكنت تراها حين يرتفع الضحى ويوشك النهار أن ينتصف عائدة إلى بيتها ذاك الوضيع الحقير ، وقد حملت أجلاها طائفة من هذا الخبز تضيفها إلى طائفة ، وتعيش عليها مع زوجها وبنيها وبناتها ، ويقتنعون بهذا الخبز في كثير من الأيام ، وقد يضيفون إليه هذا الإدامُ أو ذاك ، إن ساق الله إلى شعبان رزقا ، أو تفضلت بعض الأسر الموسرة على هذه الأسرة المعسرة بشيء من طعام . فإن لم يكن هذا ولا ذاك فالخبز وحده ، أو الخبز مع شيء مما تنبت الأرض وتصل إليه الأيدي القصار من البصل والفجل ، وهذه الأعشاب التي لا يتحرج البائسون من أن يستعينوا بها على الحياة .
وكان شعبان رجلا مقترا عليه في الرزق ن قد ورث عن أبيه مهنة لا تغني عن جوع ،كان بناء متواضعا لا يقيم الدور التي تتخذ من الحجر والآجر واللبن ، وإنما يقيم البيوت والحجرات التي تتخذ من الطين الغليظ :تراب يجمع ويصب عليه الماء ، ويخلط به بعض الهشيم ، ثم تسوى منه قطع متلائمة أو غير متلائمة يضاف بعضها إلى بعض لتمتد في الفضاء وترتفع في الجو ، وتدور أو تستطيل حول رقعة ضيقة من الأرض ، حتى إذا ارتفعت فبلغت القامة أو أقل من القامة ، مدّ عليها شيء من سعف النخيل فاستقام منها بيت أو حجرة يأوي إليها البائسون من أهل القرى ، فتقيهم أيسر ما ينبغي أن يتقوا من عاديات الطبيعة .
وأهل القرى لا يبنون هذه البيوت في كل يوم ولا في كل أسبوع ، وإنما يبنونها حين يتاح لهم البناء ، وحين تأذن لهم الظروف أن يتخذوا البيوت والحجرات ، أو أن يقيموا الغرفة فوق الحجرة أو تلك ، أو فوق هذا البيت أو ذاك .
فكان يعمل اليوم أو اليومين أو الأيام القليلة ،ليظل بعد ذلك متعطلا أياما أو أسابيع . وكان يوسع على أهله بهذه القروش التي يغلها عليه عمله من حين إلى حين ، يكسوهم إن استطاع لهم كسوة ، ويمتعهم بقليل من الطيبات إن طالت يده إلى قليل من الطيبات . فلم يكن بد من أن يعمل الصبية حين شبوا ليقوتوا أنفسهم حيث يعملون ، وليرجعوا على أهلهم بفضل ما يساق من الرزق .
وكانت خديجة كاعبا ، تعمل في دار من دور أهل اليسار ، تقبل مع الصبح المسفر فتنفق ما تملك من نشاط في خدمة أهل الدار ، وتعود مع الليل المظلم إلى بيت أبويها فتنفق الليل فيه . وكانت راضية بهذه الحياة باسمة لها على كل شيء من حزن كان يستقر في قلبها ويتغلغل في ضميرها ، ولا يبين عنه لسانها حين ينطق ولا وجهها حين يأخذ ما يأخذ من الأشكال . كانت تفكر من غير شك في بؤس أبويها وإخوتها الصغار ، ولكنها لم تكن تعبر عن هذه الخواطر الكئيبة بلفظ أو لحظ أو حركة ، إنما كانت تخفي حزنها كما يخفي البخيل كنزه . وربما نمت بهذا الحزن نغمة ضئيلة مرّة ، تغمر هذا الصوت الممتلئ العذب فتترك في السامعين أثرا غريبا . وربما نمت بهذا الحزن سحابة خفيفة رقيقة تمر بهذا الوجه المشرق الجميل ، مرّا سريعا لا يتيح للذين يرونها أن يفكروا فيها فضلا عن أن يسألوا عنها .
كانت حياتها في تلك الدار بهجة متصلة ورضاً مقيماً ، تقطعها بين حين وحين وفي لحظات قصار جداً هذه النميمة التي تهم تنبئ بالحزن ، ولكنها تذوب قبل أن تنبئ بما همّت أن تنبه إليه .
يتبع...