ما أغنى عني ماليه
الموت لا يفرق بين كبير و صغير، و لا غني و فقير، و لا عبد و أمير.
هارون الرشيد، ذاك الذي ملك الأرض، و ملأها جنودا. ذاك الذي كان يرفع رأسه فيقول للسحابة: أمطري في الهند أو الصين، أو حيث شئت، فوالله ما تمطرين في أرض إلا و هي تحت ملكي.
هارون الرشيد خرج يوما في رحلة صيد، فمر برجل يقال له: بهلول..فقال هارون الرشيد: عظني يا بهلول. قال يا أمير المؤنين، أين آباؤك و أجدادك من لدن رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى أبيك؟
قال هارون الرشيد: ماتوا..قال: فأين قصورهم؟ قال: تلك قصورهم.. قال : أين قبورهم؟ قال : هذه قبورهم.فقال بهلول: تلك قصورهم، و هذه قبورهم فما نفعتهم قصورهم في قبورهم. قال: صدقت. زدني يا بهلول..قال: أما قصورك في الدنيا فواسعة، فليت قبرك بعد الموت يتسع.فبكى هارون و قال: زدني..فقال: يا امير المؤنين..هب أنك ملكت كنوز كسرى، و عمرت السنين، فكان ماذا؟ أليس القبر غاية كل حي، و تسأل بعده عن كل شيء؟
قال: بلى..ثم رجع هارون، و انطرح على فراشه مريضا..فلما يئس الأطباء من شفائه، و أحس بدنو أجله، و لم تمض عليه أيام حتى نزل به الموت، فلما حضرته الوفاة، و عاين السكرات، صاح بقواده و حجابه: اجمعوا جيوشي، فجاءوا_ بسيوفهم و دروعهم، لا يكاد يحصي عددهم إلا الله_ كلهم تحت قيادته و امره، فلما رآهم بكى..ثم قال: با من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. قال : أحضروا لي كفني، فأحضروا له ، فقال: احفروا لي قبرا، فحفروا له، فنظر إلى قبره و قال: (( ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه)) الحاقة 28 - 29
ثم لم يزل يبكي حتى مات..
فلما مات، أخذ هذا الخليفة الذي ملك الدنيا، و أودع في حفرة ضيقة، لم يصاحبه فيها وزراؤه، ولم يساكنه ندماؤه، لم يدفنوا معه طعاما و لم يفرشوا له فراشا، و ما أغنى عنه ملكه و ماله.